حقيقة الدعاء والأدعية المأثورة

حقيقة الدعاء والأدعية المأثورة

إن الدعاء – في حقيقته – يمثل المعاني القيمة، التي تتبلور في نفس الداعي، ويستتبع التوجه العميق إلى الذات الالهية، فالفناء في وجوده الواجب، ثم الرجوع إلى عالم المادة، لاداء مهمة الروح العليا، روح العدالة والحق والصدق وبالتالي: الخلاص من كل العبوديات.

وفي هذا السفر السريع البطيء، والطويل القصير، لاحاجة إلى أي شيء، سوى التركيز على نقطة المبدأ، ومركز الانتهاء. فلا يمكن أن نقيد الدعاء – بعد أن كان عملا روحيا – بأي قيد، من زمان أو مكان أو لفظ، ولا بأية لغة أو صيغة أو نص. وقد رسم الامام الصادق، أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، لهذه الفكرة خطة واضحة، في الحديث التالي: عن زرارة، قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: علمني دعاء ؟ فقال: إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك (۱).

فإذا كان الداعي لم يطق أن يستوعب أكثر مما يجري على لسانه، فإن ذلك يكفيه، والمهم أن يكون ملتفتا إلى اساس الدعاء ولبه وهو التركيز على نقطة المبدأ ومركز الانتهاء، في سيره الروحي. وقد أفصح الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الحقيقة لما سأل رجلا: كيف تقول في الصلاة ؟ فأجاب الرجل: أتشهد ثم أقول: ” اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار “. وأضاف الرجل: أما أني – والله – لا احسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: حولها ندندن (۲).

لكن الاسلام قد حدد للدعاء المختار حدودا، وقرر له شروطا، راعى في ذلك بلوغه الى الكمال المطلوب، ومن ذلك ما يرتبط بالفاظه ولغته. ففي الوقت الذي اكد على جوانب معناه واهدافه، لم يهمل جانب ادائه وصيغته.

والحق، انا إذا أردنا أن نركز التفاتنا كاملا، فإن كل الحواس – وهي ترتبط بواسطة الاعصاب بعضها بالاخرى – لابد أن تتجه وتلتفت سواء الحواس الخارجية وجوارحها، أم الحواس الباطنية وقابلياتها، وحاسة النطق – وهي المعبرة عن الجميع – وآلتها اللسان، لابد أن تتحرك اعصابه، فتكون كلمة الداعي حاسمة، وتكون الفاظ الدعاء مركزة موجهة. اليست الالفاظ تعبيرا عن مكامن الضمير، وسرائر الوجدان ؟ اليست الكلمات النابعة عن طلبات الروح، اصدق دليل على التركيز في التوجه والالتفات ؟ ومن يدري?! فلعل العبد الداعي يكون اقرب الى مولاه الجليل، عند بعض الحالات، وأداء بعض النغمات، وتلاوة بعض الكلمات، وفي بعض المقامات والاوقات ؟ دون غيرها ؟! إن النية الواحدة، قد تصاغ باشكال مختلفة، وتؤدى باساليب متنوعة، وقد تصحبها أنغام متفاوتة.

فأيا منها نختار ؟ لنتوسل به الى هذا السر الروحي، ونتزود منه على هذا الطريق الصعبة، ونتوصل بسببه الى النتيجة المنشودة. ما اروع للداعي، لو عرف، او تنبه الى اجمل لفظة في ابدع اسلوب، والى اليق تعبير في ارق نغمة، وكان دعاؤه نابعا من اعماق الضمير، ليكون ارغب الى مقام الانس، واقرب الى حظيرة القدس، وآكد في تحقيق رغبات النفس.

اليس هذا هو الاحسن، والاضمن لحصول الاجابة ؟ لكن ليس الافراط في المحافظة على اللفظ، والتوغل في مراعاة اداء الحروف وضبط الحركات، هدفا للمتكلم الواعي، ولا غاية للانسان الهادف، فضلا عن المسلم الذي يقوم بمهمة عظيمة مثل الدعاء.

فان الدعاء – قبل ان يبلور في الجمل والكلمات – انما هو نور مضي ينقدح فيفيض عفى اللسان، ولو كان القلب كدرا لم ينقدح فيه ذلك النور، فاين له ان يظهر على لسان صاحبه، الدعاء ؟! قال الامام الصادق عليه السلام: تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيبا مصقعا ولقلبه اشد ظلمة من الليل المظلم (۳). وهكذا الانهماك في تطبيق القواعد اللفظية، بما يصرف توجهه عن المعاني ويقطع التفاته عن الهدف.

وهو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه، من قوله: من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع (۴). نعم، أن أغفال جانب اللفظ وحسن التعبير، وصحح النص وسلامة العبارة عيب، بلا ريب، في الدعاء يحطه عن مرتبة الكمال اللازم في كل جوانب الدعاء من لفظه ومعناه، ولابد للداعي العارف، المتمكن من ذلك أن يتصف به، فيكون دعاؤه بمستوى ما يطلب من المقام الرفيع المنشود. ومن هنا ورد التاكيد البليغ على اتصاف الدعاء بالادب، ويراد به ” الادب العربي ” في مراعاة القواعد اللغوية والنحوية والبلاغية، إذا بلغ الداعي مرتبة عالية من العلم والمعرفة، وبلغ من الدين والعقيدة مبلغا يحسن مثل هذا الطلب منه.

قال الامام ابو جعفر محمد بن علي، الجواد عليه السلام: ما استوى رجلان في حسب ودين – قط – الا كان افضلهما عند الله آدبهما. قال الراوي: جعلت فداك، قد علمت فضله عند الناس، في المنادي والمجالس، فما فضله عند الله عزوجل ؟! قال عليه السلام: بقراءة القرآن كما انزل، ودعائه الله عزوجل من حيث لايلحن، وذلك ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله عزوجل (۵).

ان الكمال اللازم يجب ان يعم ادب الداعي ومعارفه، فيكون كاملا في لغته التي يتقدم بالدعاء بها، بعيدا عن اللحن المزري، فان الله يحب ان يرى عباده يناجونه باحسن ما يناجي به احد احدا. أليس القرآن – وهو كلام الله – نزل بابلغ ما يكون الكلام وأعذبه، فليكن ما يخاطب به العبد مولاه – كذلك – في أوج ما يقدر عليه من الكلام الطيب والذكر البديع، المنزه عن عيب اللحن، والوهن.

إن الاسلام – في الوقت الذي ينص على الاكتفاء بما يجري على اللسان من الدعاء، إذا لم يعرف الداعي نصا ماثورا، لان ذلك ادنى ما ياتي منه – فإنه لا يكتفي ممن يمكنه الوصول إلى الماثور، أن يقتنع بالدعاء الذي يخترعه من عند نفسه. عن عبد الرحيم القصير، قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام، فقلت: جعلت فداك، إني اخترعت دعاء! قال عليه السلام: دعني من اختراعك. إذا نزل بك امر فافزع الى رسول الله عليه وآله وصل ركعتين تهديهما الى رسول الله صلى الله عليه وآله… (۶).

وعلمه دعاء يتلوه. إن الدعاء الماثور، هو – بلا ريب – أقوى، وأصدق، وأضبط، فهو أوصل إلى المطلوب، مما يخترعه ذهن الانسان العادي، ويلوكه لسانه.

___________

۱- وسائل الشيعة ۴/ ۱۱۷۱٫

۲- الاسماء المبهمة ـ للخطيب البغدادي ـ: ۱۱۶ رقم ۶۳ وانظر: كنز العمال ۲/ ۸۸٫

۳- الكافي ـ الاصول ـ ۲ /۴۲۲٫

۴- بحار الانوار ۱/ ۷ ـ ۲۱۸٫

۵- عدة الداعي: ۱۸، وسائل الشيعة ۴/ ۱۱۰۷، وانظر: كنز العمال ۲/ ۲۹۳٫

۶- الكافي، كتاب الصلاة، باب صلاة الحوائج ۳ /۴۷۶ ح ۱٫

الكاتب: السيد محمد رضا الحسيني