حقيقة-العبادة-عند-الإمام-موسى-الكاظم

حقيقة العبادة عند الإمام موسى الكاظم(ع)

انّ المعرفة الخاصّة التي كان يتمتّع بها الإمام لله جلّ وعلا وأنسه الروحي بالخالق ونور انيّته الذاتية ـ وهي من ميزات الأئمة الأطهار ـ كل هذه الأمور كانت تهيؤه للعبادة الخالصة والمناجاة الحارّة لله سبحانه وتعالى. فالإمام كان يعدّ العبادة ـ كما عدّها الله في القرآن الكريم ـ غاية للخلق، ولا يعادل بها ايّ شيء اثناء الفراغ من الواجبات الاجتماعيّة.
ولهذا فانّه عندما أودع السجن بأمر من هارون قال:
«اللهم اني طالما كنت أسألك ان تفرغني لعبادتك وقد استجبت منّي فلك الحمد على ذلك»(1).
ويُفهم أيضا من ثنايا هذه الجملة مدى شدّة اشتغاله (عليه السلام) بالنّشاطات الاجتماعيّة خلال الفترة التي لم يكن فيها داخل جدران السجن.
وعندما كان الإمام (عليه السلام) محتجزاً في سجن الربيع كان هارون يصعد احياناً الى السطح المشرف على السجن الذي فيه الإمام، وينظر الى داخل السجن. وفي كل مرّة كان يرى شيئاً كالملابس ملقى في زواية من زوايا ذلك السجن ولا حركة فيه، وفي احد الايام سأل: لمن هذه الملابس؟
فقال الربيع: ليست هي ملابس، وانّما هو موسى بن جعفر حيث انه في اغلب الاحيان يقبّل الارض في حالة السجود والعبادة لله.
فقال هارون: حقّا انّه لمن عبّاد بني هاشم.
فسأله الربيع: اذن لماذا تأمرنا ان نشدّد عليه في السجن؟
قال هيهات، لا مفّر لنا من فعل ذلك !!(2)
*      *      *
وفي يوم من الأيام أرسل هارون أمة جميلة جداً ـ تشبه القمر  ـ بعنوان إنها خادمة للإمام (عليه السلام)، وكان يقصد في باطنه التشهير به فيما إذا أبدى رغبته فيها.

وعندما جاءوا بها اليه قال الإمام لمن جاء بتلك الشابّة: انّكم تهتمون بمثل هذه الهدايا وتتفاخرون بها، اِلاّ انّني لا حاجة لي بهذه الهديّة وأمثالها.
ولمّا سمع هارون بذلك غضب وأمر ذلك الشخص ان يعيد الأمة الى السجن وان يقول للإمام: انّنا لم نلقك في السجن حسب رغبتك ومشيئتك (أي ان بقاء هذه الأمة أيضا لا يتوقّف على موافقتك). ولم تمرّ فترة طويلة حتى نقل الجواسيس (الذين انتدبهم هارون لنقل التقارير عن كيفيّة العلاقات القائمة بين تلك الأمة والإمام (عليه السلام) (لهارون هذا الخبر وهو ان تلك الشابة تقضي معظم أوقاتها في حالة السجود. فقال هارون: والله لقد سحرها وخدعها موسى بن جعفر…
فطلب إحضار تلك الأمة واستنطقها عما جرى، فلم تتحدّث تلك الشابّة عن الإمام إلاّ خيراً.
وعندئذ اصدر هارون أوامره لأحد عمّاله ان يحتفظ بتلك الأمة عنده، على ان لا يخبر أحداً بما جرى.
وهكذا أمضت تلك الأمة حياتها في العبادة حتّى اختارها الله الى جواره قبل وفاة الإمام بعدّة أيّام(3).
ومن الجدير بالذكر انّ الإمام (عليه السلام) كان كثيراً ما يقرأ هذا الدعاء:
« اللهم اني اسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب »(4) .
وكان (عليه السلام) يتلو القرآن بصورة رائعة، بحيث ان ايّ انسان يسمع صوته فانه يبكي خشوعاً.
وقد لقبه اهل المدينة بـ«زين المتهجّدين»(5).
الحلم والعفو والصبر
انّ صبر الإمام (عليه السلام) وعفوه كان بلا نظير، ويعتبر اسوة لغيره في هذا المضمار.
ولقب «الكاظم» الذي يفترون باسمه يعكس هذه الخصلة الشريفة فيه ويدل على مدى كماله في كظم الغيظ والعفو والصبر.
في ذلك العصر تسلّط العباسيون على مختلف ارجاء العالم الإسلاميّ وأشاعوا الرعب ونهبوا أموال الناس بحجّة بيت المال وأنفقوها على أنسهم ولعبهم وعبثهم، ونشروا الظلم والتمييز، فعم الفقر وشاع، وكان اكثر الناس بلا ثقافة ولا مال، ومن ناحية اخرى فقد أثرت دعايات العباسيّين ضدّ العلويّين في الاذهان الساذجة، ولهذا كان يصدر من بعض الناس (عن جهل) سوء أدب مع الإمام الكريم (عليه السلام) الاّ ان الإمام كان يواجه ذلك بخلق رفيع فيهدّء غضبهم ويخجلهم بآدابه وحسن تعامله.
فقد كان رجل من أبناء الخليفة الثاني يعيش في المدينة ويؤذي الإمام(عليه السلام) وكلما صادف الإمام صبّ عليه ألوانا من الإهانة والكلام البذيء.
فاقترح بعض أصحاب الإمام عليه ان يقتلوه، فاستنكر الإمام هذا الفعل ومنعهم عنه.
وفي يوم من الأيام سأل الإمام الكاظم(عليه السلام) عن مكانه فعرف انه في مزرعة خارج المدينة.
فركب الإمام دابّة وجاء الى تلك المزرعة فوجده فيها، واندفع الإمام الى داخل المزرعة راكباً دابته. فصاح الرجل: لماذا إتلفت زراعتي ؟! فلم يعتن الإمام بقوله واستمر في المشي راكباً دابته حتى اقترب منه(6)، فلمّا وصل إليه ترجّل عن دابته واتّجه اليه مبتسما مسروراً وسأله: كم أنفقت على هذه المزرعة؟
قال: مائة دينار.
فسأله الإمام: كم تأمل ان يكون ربحك منها؟
قال: لا اعلم الغيب.
قال الإمام: قلت لك كم تأمل منها؟
أجاب: أأمل منها ربحاً يقدّر بمائتي دينار.
فدفع له الإمام ثلاثمائة دينار قائلاً له: ما زرعته فهو لك، واسأل الله ان يرزقك منها ما أملت. فنهض الرجل وقبّل رأس الإمام وطلب منه العفو عمّا صدر منه من اهانات وذنوب. فابتسم الإمام وعاد من حيث جاء…
وفي اليوم اللاحق كان ذلك الرجل جالساً في المسجد الإمام (عليه السلام). وبمجرد ان وقع نظره على الإمام قال:
«الله أعلم حيث يجعل رسالته».
(كناية عن انّ الإمام موسى بن جعفر لائق للإمامة حقّاً). فسأله رفقاؤه عن سرّ هذا التحوّل في موقفه، مع انه كان قبل ذلك يقذع في ذمّه؟
فعاد الرجل ودعا للإمام خيراً، فاستثير اصدقاؤه واحتدّوا معه …
فالتفت الإمام الى أصحابه الذين همّوا بقتل هذا الرجل قائلاً لهم: أيّهما افضل، نيّتكم ام سلوكي معه بحيث وفرت له سبيل الهداية ؟(7)
السخاء والكرم
لم ينظر الإمام (عليه السلام) الى الدنيا قط على انّها هدف، ومن هنا فهو اذا جمع مالاً فانه يحب ان يبذله لكي يهدىء روحاً قلقة. أو يشبع به جائعاً أو يكسوبه عارياً:
يقول محمّد بن عبد الله البكري:
كنت في مسيس الحاجة الى المال، فيمّمت وجهي نحو المدينة لاقترض مبلغاً يسد لي الحاجة، ولكنّي كلّما طرقت بابا ووجهت بالردّ حتى أحسست بالتعب، فقلت مع نفسي لاطرق باب أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) واشكوا له ما أعيشه من ضائقة.
وأخذت اسأل عنه الى ان وجدته في مزرعة في القرى المحيطة بالمدينة وهو مشغول بالعمل فيها.
فاقترب الإمام مني ورحب بي وشاركني في تناول الطعام، ولمّا انتهينا من تناول الطعام سألني: هل لك عندي حاجة؟
فبينت له وضعي، وعندئذ نهض الإمام الى غرفة مجاورة للمزرعة ثمّ عاد ومعه ثلاثمائة دينار ذهباً فدفعها اليّ، فركبت دابتي وحققت مقصدي وعدت الى اهلي(8).
يقول عيسى بن محمّد وقد وصل به العمر الى سنّ التسعين: في احدى السنين كنت قد زرعت بطيخاً وخياراً وشجراً، وعندما اقترب وقت قطف الثمار هاجم الجراد الثمار واتلفها، فخسرت في هذه الواقعة مائة وعشرين ديناراً.
وخلال هذه الأيام جاءني الإمام الكاظم (عليه السلام) (وكأنّه كان مراقبا لأوضاعنا نحن الشيعة) وسلّم عليّ وسألني عن أحوالي، فقلت له: انّ الجراد قد اتلف علي كل المحاصيل.
فسألني: كم خسرت في هذه القضيّة؟
قلت: كنت غرمت على الزرع وفي ثمن جملين مائة وعشرين ديناراً .
فأعطاني الإمام (عليه السلام) مائة وخمسين ديناراً.
قلت له: ان وجودك مبارك فادخل مزرعتي وادع لي.
فجاء الإمام اليها ودعا وقال:
روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: تمسكّوا بما تبقّى من الملك والمال الذي حلّت به الخسارة.
وقمت أنا بسقي تلك الأرض فبارك الله فيها وأنتجت محصولاً اكبر من ذلك عدّة مرّات بحيث بعته بعشرة آلاف(9).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ حياة الإمام: ج 1 زص 140. الارشاد للمفيد: ص 281، مع شيء من الاختلاف.
(2) ـ حياة الإمام موسى بن جعفر: ج 1 ص 140. الارشاد للمفيد: ص 281 مع بعض التصرف.
(3) ـ المناقب لابن شهر اشوب: طبعة قم، ج 4 ص 297، نقلنا عنها باختصار.
(4) ـ الارشاد للمفيد: ص 277.
(5) ـ الارشاد للمفيد: ص 279.
(6) ـ لمّا كان هذا الفعل قدتّم لا صلاح ذلك الرجل وهدايته فهو جائز في رأي الإمام بل هو لازم.
(7) ـ تاريخ بغداد: ج 13 ص 28. الارشاد للمفيد: ص 287.
(8) ـ تاريخ بغداد: ج 13 ص 28.
(9) ـ تاريخ بغداد: ج 13 ص 29.