حياة-اللّه-تعالى

حياة اللّه تعالى

المبحث الأوّل: معنى الحياة

مفهوم “الحياة” واضح وبديهي يدركه الإنسان بالوجدان إدراكاً فطرياً، ويمكن القول بأنّ كثرة وضوح وظهور هذا المفهوم أدّى إلى عسر تعريفه بالبيان.

وقد ذكر العلماء في بيان مفهوم الحياة عدّة معاني أهمّها:

المعنى العام للحياة :

الحياة صفة تجعل المتّصف بها مبدءاً للآثار المتوقّع صدورها منه.

مثال ذلك:

حياة الأرض كونها نابتة ومخضرة، وموتها خلافه.

حياة العمل عبارة عن انتهائه إلى الغرض المبتغى منه، وموته خلافه.

حياة القلب عبارة عن ازدهار الفضائل الأخلاقية فيه، وموته خلافه.

المعنى الخاص للحياة :

الحياة صفة توجب صحة الاتّصاف بالعلم والقدرة.

أي: لا تتصف أيّة ذات بصفة العلم والقدرة إلاّ بعد اتّصافها بصفة الحياة.

والضرورة تقضي بأنّ كلّ عالم وقادر حي(1(.

____________

1- انظر: النكتب الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 24.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: وجوب كونه تعالى حياً، ص 51. تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل التوحيد، مسألة: في كونه حيّاً، ص 74. المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثاني، ص 45. قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الثاني، حياته تعالى، ص 55. المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: القول في كونه تبارك وتعالى حيّاً، ص 41. كشف المراد العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الثالثة، ص 401. الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد، مقداد السيوري: في صفات الله تعالى، ص 60.

الصفحة 163

تنبيه :

ذكر البعض(1) بأنّ الحي هو “المدرك الفاعل” أو “الدرّاك الفعّال” أو “الفعّال المدبّر”.

ولكن لا يخفى بأنّ نسبة هذا المعنى من الحياة إلى الله تعالى يستلزم القول بقدم العالم.

لأنّ “الحياة” من صفات الله الذاتية.

و “الفعل والتدبير” من صفات الله الفعلية.

وجعل “الحياة” وهي صفة ذاتية ملازمة “للخلق والتدبير” وهي صفة فعلية يستلزم القول بأنّه تعالى خالق ومدبّر مادام حيّاً، فيؤدّي هذا الأمر إلى القول بقدم العالم.

ولكن هذه النظرية ـ كما بيّنا سابقاً ـ باطلة، وكلّ ما سوى الله تعالى حادث.

تتمّة :

يمكن القول بأنّ المقصود من تعريف الحي بالفعّال المدبّر أنّه تعالى متمكّن من الفعل دائماً وله القدرة على التأثير; لأنّ ما يقابل الحي هو الميّت، والميّت هو الذي

____________

1- ينسب هذا القول إلى الفلاسفة.

انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: كتاب التوحيد، أبواب الصفات، باب 1، ذيل ح 12، ص 68 ـ 69.

ونسب العلاّمة الحلّي هذا التعريف إلى الأوائل في كتابه مناهج اليقين، وصرّح به في كتابه الأبحاث المفيدة.

انظر: مناهج اليقين: المنهج الرابع، البحث السادس، ص 170.

الأبحاث المفيدة: الفصل الرابع، المبحث السادس، ص 33.

والغريب أنّ الشيخ الصدوق على رغم اعتقاده ببطلان قدم العالم (انظر: التوحيد: باب 42)، فإنّه قال: الحي معناه أنّه الفعّال المدبّر (التوحيد: باب 29، ص 195) وهذا المعنى يستلزم القول بقدم العالم; لأنّ الفعل والتدبير والخلق أمور متأخّرة عن وجود الذات الإلهية، والقول بأنّ الحي فعّال ومدبّر يستلزم القول بأنّ الفعل والتدبير الإلهي صفة ذاتية فيكون الخلق قديماً بقدم الذات الإلهية، وقد بيّن الشيخ الصدوق بطلان قدم العالم في باب 42 من كتابه التوحيد .

الصفحة 164

لا يصدر منه فعل، ولا أثر له على الواقع الخارجي.

الصفحة 165

المبحث الثاني: أدلة ثبوت صفة الحياة للذات الالهية

1 ـ الضرورة تحكم باتّصاف كلّ عالم وقادر بصفة الحياة.

وحيث ثبت اتّصافه تعالى بالعلم والقدرة، فلهذا يلزم كونه تعالى حيّاً(1).

2- “الحياة” صفة كمالية، وبما أنّ لله الكمال كلّه، فلهذا يثبت كونه تعالى حياً.

3- وهب الله الحياة لبعض مخلوقاته، وقد ذكرنا بأنّ “الحياة” صفة كمالية، فلهذا يثبت من منطلق “معطي الكمال غير فاقد له” بأنّه تعالى حيّ وغير فاقد لهذه الصفة الكمالية.

____________

1- انظر: النكت الاعتقادية: ص 24، تقريب المعارف: ص 74، المسلك في أصول الدين: ص 45، وقد أشرنا إلى هذه المصادر قبل قليل.

وانظر: الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: الجزء الأوّل، باب الكلام في الصفات، فصل في الدلالة على أنّ صانع الأجسام حيّ، ص 82 . غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، الفصل الرابع، ص36. مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، البحث السادس، ص 170.

الصفحة 166

المبحث الثالث: خصائص حياة الله تعالى

1-  “الحياة” صفة من صفات الله الذاتية، والله حيّ بذاته، ولا يصح أبداً سلب هذه الصفة عنه تعالى(1).

2- “الحياة” التي تطلق على الله مغايرة تماماً عن “الحياة” التي تطلق على غيره تعالى من الكائنات الحية، ومن أوجه التغاير:

أوّلاً: حياة الله أزلية وباقية ولا تفنى .

حياة ما سوى الله مسبوقة دائماً بالعدم.

ثانياً: حياة الله منزّهة عن الخصائص الجسمانية.

حياة ما سوى الله ممزوجة بالكيفات النفسانية والمزاجية، ومقترنة بالجذب والتماسك والنمو والإحساس وغيرها من الأمور الجسمانية أو الأمور المحدودة.

ثالثاً: حياة الله عين ذاته، وليست هذه الصفة زائدة على ذاته تعالى.

حياة ما سوى الله تعالى صفة زائدة على الذات.

تنبيه :

ما نتصوّره بصورة عامة من “الحياة” هي الحياة المرتبطة بالمخلوقات الحيّة، وحياة الله مغايرة لحياة المخلوقات، فلهذا يلزم علينا عند نسبة صفة الحياة إلى الله أن نقوم بتنزيه هذه الصفة عن كلّ نقص وشائبة ليكون ما ننسبه إلى الله تعالى لائقاً بمقامه الأسمى ومنزلته العليا.

____________

1- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث الثالث، ص 87 .

الصفحة 167

المبحث الرابع: حياة الله في القرآن وأحاديث أهل البيت(عليهم السلام)

حياة الله في القرآن الكريم :

1 ـ قال تعالى: { الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم } [ البقرة: 255 ]

2 ـ قال تعالى: { هو الحي لا إله إلاّ هو فادعوه مخلصين له الدين } [ غافر: 65 ]

3 ـ قال تعالى: { وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت وسبّح بحمده} [ الفرقان: 58 ]

حياة الله في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) :

1- قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): “إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره… حيّاً لا موت فيه، وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبداً”(1).

2- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “… والله… حي لا موت له… حيّ الذات”(2).

3- قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام): “إنّ الله… حيّاً بلا كيف… حيّاً بلا حياة حادثة… بل حي لنفسه…”(3).

4- قيل للإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “روينا أنّ الله… حياة لا موت فيه…”.

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 11، ح 5، ص 136.

2- المصدر السابق: ح 4، ص 136.

3- المصدر السابق: ح 6، ص 137.

الصفحة 168

قال: “كذلك هو”(1).

____________

1- المصدر السابق: باب 10، ح 12، ص 133.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون