حياة علي الأكبر(ع)

 

(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) القرآن الكريم

((.. أشبه النّاس خَلقاً ومنطقاً وخُلقاً برسولك وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه))

الإمام الحسين (عليه السلام)

((.. لا .. إنّ أولى النّاس بهذا الأمر – ويقصد الخلافة – هو عليّ ابن الحسين بن علي بن أبي طالب: – جدّه رسول الله، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أُمية! وزهو ثقيف)).

معاوية بن أبي سفيان – أثناء اعتراف ذاتي

المقدمة:

عليّ هذا، علمُ من الأعلام، وعظيم من عظماء الشبيبة الهاشمية الذين جسدوا إرادة الإسلام، وواحد من كواكب كربلاء، كوكب سطع في أفق الطف فوق بطحاء كربلاء. مجاهد عنيد لمبادئ يؤمن بها وقضاياً يتبنّاها.

لقد أنجبت عائلة محمد بن عبد الله، حامل رسالة السّماء قائد حركة الانعتاق، رافع مشعل النور، صلّى الله عليه وآله وسلم، أنجبت نخبة ممن شكلوا امتداداً لخطّهِ النبوي ونهجه المحمدي الخلاق، نماذج من الشبان الصارمين الحديين الرافضين، رجالاً من أخطر من شهدتهم عهود الملوك وأدوار الحاكمين وحقب التاريخ.

وليس أدل على ذلك مما شهدته الحقبة التاريخية الحسينية ليس أدل على ذلك مما شهدته مكة والمدينة فميدان كربلاء.

لم تفتح كربلاء مسرحها، أو أبواب ميدانها لتسمح بالدخول من أجل استعراضٍ بطولي ومباريات مجد عسكرية طارئة أو مؤقتة إن كربلاء لقاء على مستوى العقيدة، وصراع على صعيد الفكر، ومباريات قوامها المبادئ.

كربلاء الحسين، ترجمة أمينة النقل من نظرية الإسلام إلى عمل الإسلام وفعالياته في حيز التطبيق، ترجمة أمينة لروح الأصالة في المواقف الرافضة، وترجمة حيوية لروح الحرية، وبالتالي فهي ترجمة عملية واضحة الرؤية للرسوخ الإيماني، والرقي العقائدي.

فتحت كربلاء أبوابها لتسليط الأضواء على حقيقة هويات رجال من الأُمة – وليسوا منها – هوية الأموية ومن ختم بخاتم معاوية.. كذلكم ولتسط الضوء على حقيقة هويات رجال من شباب وكهول وشيوخ حالفوا الحق ومارسوه وأبوا إلاّ الختام جنبه والموت عليه دون أن ينسوه أو يتركوه.

إنه وبغض الطرف عن الأحداث الدموية والاشتباكات المسلحة العسكرية، والنهايات المؤلمة، فإن النتيجة هي غير ما تمخض عنه الصراع من قتل وثكل وسبي وانتهاك الحرمات… النتيجة : هي الإجلاء الكامل والبيان التام لمبدأ خطير من مبادئ الإسلام، مبدأ مطموس لا تنهض به كلمة اللسان وخطب بيان الإنسان . مبدأ لا يبقى خالداً عبر الزمان بكل مكان، هو أُم المبادئ وسنامها، وكل المبادئ باقية وهو قوامها، وإلا فكلها ضعيفة لغيابه وبعدهٍ، انه مبدأ الجهاد الذي لا تنهض به غير النهضة التي أضحت قضية، وأي قضية حيث قد خطت بحبر من دماء أجساد زكية.

ما برحت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في خلود أيامها، ومجد ذكراها مليئة بالأصالة، معبرة عن العز والكرامة والحرية، متمتعة بالجلال والهيبة، لأنها نقية خالية من الشوائب كاملة الصفاء، نزيهة الدوافع، قدسية النية، ولأنها ثرية غنية بالعطاء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها.. ولكن من يأخذ منها يا ترى، أم من ينتهل ويغترف، من ذا الذي يحسن أخذ بعض جودها وسخاء يدها المعطاءة؟؟؟! وان تجلّت الثورة الحسينية بما تجسد فيها من اعتبارات رسالية جمة، وجليلة، ذات خطر على المنحرفين..

فانها قد أبرزت لنا نجوماً وضاءة، ما زالت ساطعة لامعة وستبقى رهينة الخلود قيد المجد ما بقي للتاريخ حبر يسطّره، وما بقي في الأُمة رجل يترجمه عملاً … نجوماً مشعة في سماء الفكر، وكواكب متآلقة، تمثلت بتلك الشبيبة العملاقة.. وهذا واحد منها أنه علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

عُرف بالأكبر .. وهو الكبير في كل امتيازاته، في عزمه وعلمه وجهاده، الكبير في نسبه ومصرعه، في كل أوصافهِ وصفائهِ .. ولم تكن كلمة (الأكبر) لتزيد منه أو لترفعه أو لتكبر مقامه.. كلا بل هي تمييز له – من حيث السن – عن أخيه الإمام العظيم علي زين العابدين الأصغر منه سناً.. فعلي ليكن أصغر أو أوسط أو أكبر، أنه واحد لا يتغيّر، انه عليٌّ في علاه، عليٌّ في علمه وهداه، عليٌّ في إيمانه وتقواه، عليُّ عند الناس، وفي السماء عند الله.

نرجو أن يحالفنا التوفيق للكتابة عن هذا العَلم، نجل الحسين، حفيد أمير المؤمنين علي، سليل النبي، وحفيد الزهراء الطاهرة سيدة نساء العالمين صلوات الله عليهم أجمعين.

نبتهل للرحمان بأن لا يحرمنا عطاء هذا البيان..

إنه ولي التوفيق والإحسان.

الكاتب: محمد علي عابدين