حين يكون اللين منهجا وسلوكا

لنا أن نتساءل أولا، هل أن ظاهرة العنف والإرهاب والتطرّف التي ألصقت بالإسلام هي ظاهرة وليدة من بنية الدين الإسلامي ذاته؟ وهل أن ثقافة الإسلام هي ثقافة غلّ وأحقاد بسبب بيئته الصحراويّة كما يذهب إلى ذلك بعض أعداء الإسلام من المستشرقين، أم أنّ الغل والأحقاد لا يولّدهما إلّا شعور متضخم بالغبن والظلم والتهميش بغض النظر عن طبيعة المجتمع الإنساني وبيئته التي يولد فيها مثل هذا الشعور الشاذ؟

ولما كان موضوع هذه المقالة لا يصلح للإجابة عن هذه التساؤلات الحارقة والكبيرة التي أردناها مجرّد مدخل ليس إلّا لمقاربة روح الأزمة لدى المثقف الديني على العموم، ولدى المرجعية الشيعية ممثّلة بسماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد صادق الشيرازي على الخصوص، إذ سنجد هذه المرجعية، تعايش الحاضر الثقافي الاسلامي عن قرب شديد وعن واقعيّة واضحة بعيدا عن الـ(برج عاجيّة) التي أرادها البعض أساسا للمحاكمة والتصويب.

ففي كلمة للمرجع الشيرازي بمناسبة مولد الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) يقول: “إذا بنيت الدنيا على الأخلاق فستقلّ فيها الكثير من المشاكل.. وإذا صار العفو ولين الكنف هو المبنى في العائلة وفي العشيرة وفي الأقارب فسيقلّ فيهم الأشخاص المذنبين والمجرمين والقاتلين والعاصين”.

يؤسس المرجع الشيرازي تصوراته المفهوميّة في كلمته المذكورة من خلال استقراء نص حديث معصوم (نبوي) بمنهجيّة ممتعة غلبت عليها لحاظ التكاملية في النظر والمعالجة، والحديث النبوي الذي يجعله السيد الشيرازي منطلقا للوصول إلى الدلالات والمعاني هو الحديث الصحيح (أشبهُكم بي.. ألينُكم كنفاً) المنسوب للرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) الذي بوّأه القرآن الكريم منزلة تُلزم كلّ مسلم الاقتداء به والتأسّي بسيرته العطرة وأخلاقه الإنسانيّة الفاضلة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وهو ما يعني ضرورة أن نتعلّم من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، ولزوميّة استعادة سلوكياته وتصرّفاته ووضعها نصب أعيننا عند التعامل في مختلف مجالات الحياة، ولا سيما في معترك اللحظة الراهنة التي تحاول فيها قوى ومصالح كبرى أن تُخضع مفاهيمنا الإسلاميّة الأصيلة لكثير من التحليلات والتأويلات الباطلة للتماشي مع عصر (الحداثة المتَعَوْلِمة) الذي كشّر عن أنيابه في مواجهته للمسلمين تحديدا.

وعند العودة إلى الأصل اللغوي لكلمة (اللين) في مختار الصحاح مثلا، نجد اللِّينَ ضد الخُشونة وضد التعنيف والقسر، وقد لاَنَ الشيء يَلِينُ لِيناً، وشيء لَيِّنٌ، ولَيْنٌ مُخفف منه، ولَيَّنَ الشيء تَلْييناً، وألْيًنهُ صيَّره لينا، ويُقال ألاَنَهُ أيضا، على النُقصان والتمام، مثل أطاله وأطوله ولايَنَهُ مُلايَنَةً و لِيَاناً، واسْتَلانَهُ عدَّه لَيِّنا و تَلَيَّنَ له تملق. وهكذا فالمعاني المستخرجة من لفظة اللين تحيل على الرفق والموادعة، كما توحي بالضديّة من التعنيف والقسر والإكراه.

وقد وردت مشتقات كلمة (اللين) في القران الكريم كقوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم…) أي سَهلتْ لهم أخلاقك بكثرة احتمالك لهم، وعدم إسراعك لهم بالغضب والغلظة.

وقد أمر الله موسى وهارون بإلانة القول لفرعون، قال تعالى : (اذهبا إلى فرعون انه طغى فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكر أو يخشى) وهو ما يوحي بضرورة تحلي الدعاة باللين والرفق وخاصة في عهد انفتاح الحريات، وهو ما لم يغفله سماحة المرجع الشيرازي حينما جعل من اللين محورا يدور عليه كلامه في ذكرى ولادة الرسول الأعظم ((صلى الله عليه واله وسلم) التي يأخذ الحديث بمناسبتها بعدا آخر يتمثّل بولادة منهج حياتي جديد وبميلاد مبدأ إنساني مغاير، هو مبدأ اللين، فالدعاة مأمورون باللين -إذن- لأن الناس بطبيعتهم ينفرون من الجافي غليظ القلب مهما عظم شأنه، يقول تعالى في كتابه العزيز مخاطبا رسوله الأكرم: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).

وقد أكّدت الشريعة الإسلامية السمحاء، وأمرت بتطهير النفوس من الأخلاق الرديئة، وحثّتها على الأخلاق والمبادئ الحسنة، وكان اللين من أهم المبادئ الفاضلة التي أوصت بها، فهو ذلك الخلق الرفيع الذي يضع الأمور في نصابها، ويُصحِّح الأخطاءَ، ويقوِّم السلوك الإنساني، ويهدي إلى الفضائل، ولذا فاللين كان، ومازال يختزل رؤية تشريعيّة نابعة من تلاؤمها مع الفطرة البشرية، إذْ جرت التكاليف الشرعيّة على الأخذ بها في حركة حياة المجتمع الإسلامي، فقد تمّ استنباط قواعد فقهية وشرعيّة من أمثال: المشقة تجلُبُ التيسير، وصلوا صلاة أضعفكم، وسوى ذلك من أمور متعلّقة بذلك.

وعندما يخصّ المرجع السيد صادق الشيرازي هذا الحديث النبوي في ليلة استذكار ولادة النبي الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم)، فهو بذلك يريد التركيز على الغاية التي من أجلها جعل الله الإسلام دينا ومبلّغَه للناس أجمع محمد بن عبد الله (صلى الله عليه واله وسلم) الذي لا يستقيم الحديث عن تواضعه ولين جانبه ما لم تستعاد صورٌ رائعة وبليغة من حياته قبل الفتح وبعده، وهذا ما يفعله المرجع الشيرازي في كلمته المذكورة، فالرسول الذي لقي أصناف العذاب والإيذاء من قريش قبل الهجرة، حتى شُهر عنه قوله: (ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت !) ولنا أن نتصوّر قيمة العذاب الذي تعرّض له الرسول الأكرم مقارنة بالأنبياء الآخرين الذين تعرّض بعضهم للذبح، وبعضهم قطّعوا بالمناشير، وبعضهم سُلخت جلودهم وهم أحياء، ولكن كلّ هذه الأمور هي ليست بمستوى ما لاقاه النبيّ (صلى الله عليه واله وسلم) من قريش التي يأتي عفوه عنها ونسيان إيذائهم له حتى بعد أن استوى له الأمر وفتح مكة وكسر شوكتهم أمرا غريبا لا يمكن أن نجد له تفسيرا إلّا من باب معرفة شخصيّة الرسول الإنسانيّة على حقيقتها، وإلّا من باب مقاربة نهجه الذي اقتضته له السماء، فالرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) حين أبدى لقريش جانب اللين والموادعة، من غير أن يصعّر خدا، أو يقطّب وجها، فهو لم يسلك سلوكا غير السلوك الرسالي الإنساني الذي هزّ ضمائر مشركي قريش وجعلهم يعيدون حساباتهم الخاطئة بشأن هذا الدين، إنّه سلوك اللين والرفق والإنسانيّة الحقّة حتى عند امتلاك القوة، وحتى مع امتلاك الحق في استخدامها ردّا بالمثل، وهذا المنهج الحياتي في التعامل هو منهج الإسلام الحقيقي الذي لا يمكن أن يمثّله اليوم حفنة من المؤمنين بالقتل العبثي ومن الملثمين بوعي ديني زائف مرتمٍ في أحضان حقد أعمى زرع الرعب والموت باسم الاسلام في كل مكان!

وهكذا فإنّ أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) هو الألين كنفا من بين الناس، وهو الأكثرهم تواضعا، لا الأكثرهم علما، أو الأعزّهم نفرا، أو جاها وسلطانا، كما يعبّر سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي، الذي لم يفرّق بين إنسان وإنسان مهما كانت الصفة التي يحملها كلّ منهما من أجل السعي لبلوغ درجة التشبّه والتأسي برسول الله الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، ولم يميّز بين فئة وأخرى، فكل الناس قادرون – لو شاءوا – على اختيار نهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الموجب للمحبة والتسامح والاحترام المتبادل، وكلّ طبقات المجتمع مدعوة لاستذكار قيم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، وإعادة تفعيلها في المجتمع، آباء كانوا أم معلمين أم رجال دين أم رجال سلطة، ولمثل هذا فليتنافس المتنافسون.

الكاتب: علي محمد ياسين