ali-2

خطبة الإمام علي(ع) المعروفة بالشقشقية

تشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ، ثمّ ترجيح صبره عنها ، ثمّ مبايعة الناس له .

قال ( عليه السلام ) : ( أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا ، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً ، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً ، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ ! ) .

ترجيح الصبر :

( فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى ، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذًى ، وَفي الحَلْقِ شَجاً ، أَرَى تُرَاثي نَهْباً ، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلانٍ بَعْدَهُ ) .

ثمّ تمثّل بقول الأعشى : شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا  **  وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ

 فَيَا عَجَباً !! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها فِي حَيَاتِهِ ، إِذْ عَقَدَهَا لَآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا ! فَصَيَّرَهَا في حَوْزَةٍ خَشْنَاءََ ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا ، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا ، وَيَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا وَالْاِعْتَذَارُ مِنْهَا ، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ، إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ ، فَمُنِيَ النَّاسُ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ ، وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ .

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ ، وَشِدَّةِ الِْمحْنَةِ ، حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ ، جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ , فَيَا لَلََّهِ وَلِلشُّورَى ! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ ! لكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا ، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا ، فَصَغَا رَجُلُ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ، وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرهِ ، مَعَ هَنٍ وَهَنٍ ، إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ ، نَافِجَاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ  يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خَضْمَ الْإِبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ ، إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ ، وَكَبَتْ  بِهِ بِطْنَتُهُ  ) .

مبايعة الناس للإمام علي ( عليه السلام ) :

( فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الْحَسَنَانِ ، وَشُقَّ عِطْفَايَ ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ ، فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى ، وَقَسَطَ آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الْأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، بَلَى ! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا ، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا  في أَعْيُنِهمْ ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا !

أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومٍ ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها ، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ ! ) .

قالوا : وقام إِليه رجل من أَهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتاباً ، قيل: إِنّ فيه مسائل كان يريد الإِجابة عنها ، فأَقبل ينظر فيه ، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين ، لو اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ من حيث أَفضيتَ !

فَقَالَ : ( هَيْهَاتَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ ! ) .

قال ابن عباس : فو الله ما أَسفت على كلام قطّ كأَسفي على هذه الكلام ، أَلاَّ يكون أَمير المؤمنين ( عليه السلام ) بلغ منه حيث أراد .