۹۱

داود ومبرا – كونغو كينشاسا – مسيحي

ولد عام ۱۳۹۵هـ ، (۱۹۷۶م)، في كونغو بمدينة “لووزي” في أوساط عائلة مسيحية، ثُمّ أسلم على يد أحد زملائه في المدرسة وهو في عمر يناهز خمسة عشر عاماً.
يقول “داود ومبى” كان أكبر دافع لإسلامي هو أنّني وجدت الإسلام دين التعاون والمحبّة والاتّصال المباشر والدائم بالله، وحيث إنّني منذ الصغر كنت معجباً باللغة العربية، وتعامل المسلمين والديانة الإسلاميّة التي لا تفصل الدين عن الحياة، سبّب ذلك دخولي في رحاب الإسلام بسهولة.
ويضيف “داود ومبى”: وبعد دخولي في الإسلام على ضوء مذهب أهل السنّة وجدت هنالك تحذير شديد من قبلهم للتعرّف على مذهب التشيّع، وهذا ما دفعني للبحث عن هذه الطائفة لأنّني قلت في نفسي: إنّني بالدليل اعتنقت بالإسلام وانتميت إلى المذهب السني، وإذا كان سبب إسلامي هو الدليل فلا داعي أن أتحاشى الاستماع إلى أدلّة المذاهب الأخرى.
ومن هذا المنطلق وطّنت نفسي للبحث، فحصلت عبر أحد جيراني على كتاب شيعي باللغة الفرنسية باسم “مسائل الإمامة” تأليف السيّد مجتبى اللاري، فتعرّفت عن طريق ذلك الكتاب على عترة الرسول ومكانتهم في الإسلام فوقع حبّي على هذه الثلّة الصالحة، ومن خلال ذلك الكتاب تعرّفت على المقام الشامخ لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) فرأيت أنّ اتّباعه أولى من غيره.
فواصلت بعد ذلك البحث حول مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حتّى أدّى بي البحث أن اعتنق هذا المذهب عام ۱۴۱۴هـ ، في بلدي الكونغو بمدينة كينشاسا، ثُمّ دخلت مدرسة دار الهدى فتلقّيت فيها مدّة ثلاث سنوات معارف أهل البيت(عليهم السلام)، ثُمّ أصبحت بعد ذلك داعية للتشيّع حتّى استبصر على يدي أكثر من عشرة.

الهجرة لطلب العلم:

سافر “داود ومبى” إلى إيران عام ۱۴۲۰هـ ، (۲۰۰۰م)، ليستقر في مدينة قم، ويدرس فيها علوم ومعارف أهل البيت(عليهم السلام) من أجل تقوية بنيته العلمية.
وبهذا تمكّن داود من ارتقاء مستواه العلمي، فتعرّف على الكثير من الحقائق، وتمكّن من العثور على الإجابة الصحيحة للشبهات المطروحة ضدّ مذهب التشيّع.

أصل الخلاف السني ـ الشيعي:

عرف “داود ومبى” أنّ أصل الاختلاف بين الشيعة والسنّة يكمن في مسألة واحدة فقط ، وهي مسألة الولاية، ومصدر معرفة ما جاء به الرسول بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم).
فالشيعة تعتقد بأنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم أصحاب الولاية الذين ورد النص عليهم من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لتكون لهم المرجعية السياسية من بعده، كما أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم المصدر الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه لمعرفة ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهم الذين خلّفهم الله في أمته، وهم الثقل الثاني بعد القرآن، وبعبارة مختصرة هم أصحاب المرجعية التشريعية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وكان يعترض البعض على “داود ومبى” بأنّ النظرية الشيعية حول الخلافة بعد الرسول دكتاتورية، ولكن النظر السنية نظرية دمقراطية، والعقل يوافق الثانية ولا يوافق الأولى.
فكان “داود ومبى” يوضّح لهم الفرق بين الدكتاتورية والاصطفاء الإلهي، فإذا كان تعيين الأئمّة من قبل الله دكتاتورية فمعنى ذلك أنّ الأنبياء كلّهم ـ لا سمح الله ـ من هذا القبيل، ولكن المسألة هي مسألة اصطفاء إلهي، ولم يجبر الله في دائرة التكوين أحداً على إطاعة الأئمّة الذين اختارهم، بل بيّن الله للعباد سبيل الحقّ وسبيل الباطل، وعرّفهم بأئمة الحقّ وأئمّة الباطل، وترك لهم مجال الاختيار لاتّباع أيّهما شاؤوا.
والأمر الآخر الملفت للنظر أنّ قول الشيعة بأنّ الخلافة بالنص لا يقال له “نظرية”، بل هي “عقيدة” أملتها عليهم الأدلّة والبراهين.
والمسألة المهمة جدّاً هي أنّ الأئمّة ليسوا مجرّد حكّام اختارهم الله تعالى لمسألة الحكومة فقط ، بل هم يقومون بجميع الوظائف التي كان الرسول يقوم بها في حياته، فهم ورثة الرسول في هذا المجال ما عدا النبوّة.
وأمّا الحديث عن عقلانية قول الشيعة أو قول السنّة، فالعقل يحكم أن لا يهمل الرسول أمر الخلافة من بعده، فالرسول الذي كان حريصاً على نجاح تبليغه لأوامر الله كيف يدع أمر هذه الأمّة من دون بيان الطريقة التي تكون من بعده لاختيار الحاكم؟!
أضف إلى ذلك أنّ تحليل الشرائط الحاكمة على عصر الرسالة تبيّن صحة عقيدة الشيعة.
إنّ الوضعية الداخلية والخارجية للعالم الإسلامي حين وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)تقتضي وتفرض أن لا يهمل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الأمّة من دون تحديد مصيرهم من بعده والشخص الذي ينوبه في المجال السياسي على أقل تقدير.
كانت الأمّة الإسلاميّة أنذاك محاصرة من قبل خطر الإمبراطورية الرومية، وخطر مملكة الفرس، ومن خطر المنافقين من الداخل، وكلّ هذه الأمور كانت محيطة بالأمة الإسلاميّة وتهدّد كيانها من الداخل والخارج.
فهل يعقل أن يترك الرسول الأمّة في هذه الحال لتعيش الحيرة في أمرها، ويوقعها في تنازع يهدّد كيانها لتكون نتيجته مجيء خلافة وصفها الخليفة الثاني بأنّها “فلتة”؟!
والغريب في الأمر أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) اهتم كثيراً بأهل البيت(عليهم السلام)، ولا شك أنّ اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال لم يكن من منطلق رغبته الشخصية أو ميله النفسي، وإنّما كان بأمر من الله تعالى، ولكننا نجد بأنّ معظّم الحكومات التي تولّت شؤون الأمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت معادية لأهل البيت(عليهم السلام) بصورة علنية.
وهذا ما يثير هذا التساؤل: لماذا هذا العداء لأهل البيت(عليهم السلام)؟
لماذا هجم القوم على دار فاطمة ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
لماذا اقتحموا دارها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها؟
لماذا ابتعد الإمام علي(عليه السلام) عن الساحة السياسية، وقلّ دوره في الأمّة؟
لماذا سنّ معاوية سنّة سب ولعن الإمام علي(عليه السلام) على المنابر؟
لماذا لم يُسمح بدفن الإمام الحسن(عليه السلام) بجوار قبر رسول الله؟
لماذا رُمي جثمان الإمام(عليه السلام) بالسهام بأمر من عائشة؟
لماذا قُتل الإمام الحسين(عليه السلام) بصورة فجيعة مع أهل بيته في أرض كربلاء؟
ولماذا كان عموم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) محاربين في ظلّ حكومة بني أُميّة وبني العبّاس؟
هذه التساؤلات كلّها ـ من دون شك ـ تلفت نظر الإنسان الباحث والواعي، فيعرف أنّ المسألة هي مسألة صراع حقّ وباطل.
وليست الشورى التي يتباهى بها أهل السنّة إلاّ شعاراً لم يُعمل بها لا في خلافة أبي بكر ولا في خلافة عمر ولا عثمان ولا في خلافة بني أُميّة وبني العبّاس.
وكلّ ما أصاب الأمّة الإسلاميّة من أوّل يوم بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى يومنا هذا من نكبات ومصائب وتخلّف، فإنّه لم يكن إلاّ لابتعاد الأمّة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وتركهم لأبواب الهدى، والتجائهم إلى ما تملي عليهم أهواءهم ومصالحهم الدنيوية الدنيئة.