دليل العقل في التشريع الإسلامي والتشريع الغربي

الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية وعلم الأصول هو العلم الذي تبحث فيه الأدلة التفصيلية للفقه وعليه يمثل علم أصول الفقه في الاصطلاح المعاصر البحث المعرفي ابستمولوجي لعلم الفقه ويمثل من منظور آخر الفلسفة الواقعية للإسلام .

ويرتبط البحث المعرفي الفقهي (الأصول) بالبحث المعرفي الإسلامي من هنا سنقوم بدراسة تطبيقية موجزة حول البحث المعرفي الإسلامي والبحث المعرفي الغربي .

تؤسس المعرفة الغربية اعتبارها وقيمتها على التضاد بين المادة والروح الذي بشرت به الفلسفة اليونانية (۱) وقد سرى هذا التضاد فيما بعد الى المعرفة الالتقاطية اليهودية المسيحية للغرب ، التي افرزت التضاد بين السياسة والناس والعقل من جهة وبين الدين والأخلاق ، من جهة أخرى فكانت القطيعة بين الدين والسياسة أو الكنيسة والدولة احدى مظاهره .

وتكرست القطيعة اثر تسرب النزعة العقلانية المثقلة بميتافيزيقية (كانت) وواقعية (ديكارت) وميكانيكية (نيرتوني) الى العلوم الطبيعية والاجتماعية والسياسية والقانونية ، وتحولت القطيعة الى صراع انتهى بانتصار العقلانية وهزيمة المعيارية الأخلاقية ، ففقدت الفلسفة والأخلاق اعتبارهما ، وفي نهاية الامر انتصرت المادة وظهرت فكرة اصالة المادة ووحدتها ورسخت الثورة الصناعية التيار الجديد ، فنشات نظريات ومدارس في الحقوق الطبيعية والحقوق الايجابية والحقوق على أساس المباني الاجتماعية والحقوق على أساس المباني الاقتصادية وحقوق الحقوقيين ، والديموقراطية الشعبية وغيرها والمنتمية جميعها الى مرجعية معرفية واحدة هي انفصال الحقوق عن الدين والقيم المعنوية (۲) فاصبحت الحقوق تصاغ عبر الانتخابات والقوانين والدستور والقرارات البرلمانية .

ان التضاد بين المادة والروح في اطار المنظومة المعرفية الغربية انتهى الى انتصار المادة وتاصيلها وهو ما انعكس على المستوى القانوني فادى الى مذهب اصالة الإنسان .

وبموجب اصالة الإنسان الفرد ، تقوم النظريات القانونية (وهكذا الاقتصادية) بالاهتمام بالمطالب والرغبات الفردية من خلال التشريعات التي تضمن تحقيقها دون اي معيار أخلاقي ، لذلك كان من الطبيعي ، مثلا ، تدوين قوانين تعطي كامل الحرية للشاذين جنسيا في ممارسة سلوكياتهم المنحرفة .

وقد عززت المسيحية العقلانية الغربية لان (المسيحية الغربية لا تعدو كونها ايمانا عاطفيا يفتقد الاطار الايديولوجي العقلي ، ويتعارض مع العقل والعلم لذلك شددت العقلانية المادية الغربية على معارضة العاطفة المسيحية) (۳) ، ومن هنا اقام الغرب عقلانيته على أساس معارضة الدين .

اما الإسلام فقد اقام منظومته المعرفية على أساس اصل التوحيد فاقصت معرفته التوحيدية التضاد بين المادة والروح ، والعقل والدين ، والإنسان والله ، والطبيعة وما وراها ، والعلم والدين ، والسياسة والدين فالعقلانية في الإسلام ليست انعكاسا للتضاد في البحث المعرفي وانما هي نتيجة للدين الإسلامي نفسه ، فهذه العقلانية واضحة جدا في القرآن والسنة وقد تجلت حجية العقل في المذهب الشيعي بشكل لا نظير له في المذاهب الاخرى ، وعلى رغم ظهور اتجاهات معارضة باشكال متعددة وفي مراحل تاريخية مختلفة ، الا ان التنافس في النظام التشريعي الشيعي انتهى بانتصار الأصوليين على الإخباريين .

وقد قبلت المذاهب الإسلامية الأخرى وبالتحديد في السنوات الاخيرة حجية العقل (باستثناء المذهب الظاهري وأتباعه من الوهابية) .

وليس هناك تضاد أساسي بين البحث المعرفي الإسلامي في الطبيعيات والبحث المعرفي الإسلامي في الالهيات والتشريع فقد حل اصل الوحدة والتوافق والانسجام والتكامل والاستمرار في البحث المعرفي الإسلامي محل التضاد وهذا نتيجة وحدة واصالة واقعية الوجود ، فالوحدة مصدر المعرفة ووحدة الحياة الإنسانية ومن ثم وحدة الظاهر والباطن والعلم والدين ، والدين والسياسة وغير ذلك .

ففي المنظومة الفكرية الإسلامية والنظام التشريعي الإسلامي يجب ان لا تتقدم الرغبات الفردية على رغبات المجتمع وان لا تتقدم هذه الأخيرة على حدود الله وتتجاوزها ومن ثم يجب ان لا يكون في هذا النظام التشريعي أي تضاد بين الرغبات الفردية والارادة الالهية .

ان علم الأصول الذي يمثل في حقيقته الفلسفة القانونية للإسلام يعكس المنظومة المعرفية والعقيدية في الإسلام ، وثمة فروق واضحة على صعيد علم الأصول بين المذاهب الإسلامية ، وقد سلط ابن رشد مزيدا من الضوء على هذه النقطة في رسالة (فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) (۴) .

ويجب الانتباه الى ان هناك افرادا وجماعات في داخل الدائرة الإسلامية رأوا ان هناك تضادا بين الدين والعقل في الإسلام ، من امثال : النوبختي مؤلف (الرد على المنطق) ، والغزالي مؤلف (تهافت الفلاسفة) ، وابن حزم ، والامام الجويني ، والخوارزمي ، وتاج الدين الشافعي ، وابن تيمية الحنبلي مؤلف (الرد على عقائد الفلاسفة) ، وابن قيم الجوزية مؤلف (مفتاح دار السعادة) ، والاشاعرة والظاهرية والاخباريين والوهابيين ، الا ان هؤلاء الافراد والجماعات لا يشكلون سوى اقلية ضئيلة في التطور العام للبحث المعرفي الإسلامي والفقهي وللفلسفة الإسلامية (۵) .

فالتطور العام للفكر الإسلامي ثمرة التوافق بين العلم والعقل وبين الإسلام وكان للفقه الأصولي دائما الدور الأساس في ظهور واتساع التشريع في الإسلام حتى في المذاهب الفقهية السنية .

وقد ذكر ان السر وراء معارضة بعض المفكرين المسلمين للفلسفة والمنطق يكمن في معارضتهم للقبول الناجز الخالي من النقد والتأمل ، بهدف زيادة أحكام الفلسفة والمنطق الإسلاميين (۶) .

هنا يجب ان نشير الى ان المفكرين المسلمين الذين قالوا بالترابط والانسجام بين الدين والفلسفة والعقل والعلم وهم يشكلون أكثرية المفكرين المسلمين ينقسمون الى قسمين رئيسين :

الف : الذين قالوا بالتوافق الكامل مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد .

ب : الذين قبلوا التوافق ضمن شروط ومحددات معينة .

وقد تصور بعض الكتاب اثر مطالعتهم (تهافت الفلاسفة) للغزالي انه يعارض التوافق المذكور ، في حين انه سعى لتعزيز هذا التوافق حتى انه صاغ شكل الرابطة بين الدين والحكمة والعرفان وتؤكد هذه النظرية مطالعة كتبه الأخرى مثل (مقاصد الفلاسفة) و(القسطاس المستقيم) و(معيار العلم) ، بل قيل : ان ابن رشد تاثر في (فصل المقال) بأفكار الغزالي وساعد المفكر محمد عبد الكريم الشهرستاني صاحب (الملل والنحل) المعاصر للغزالي على تعزيز العقلانية في الإسلام اذ كان معتقدا بان كلا من الدين والفلسفة يستهدفان الوصول الى الحقيقة ، ولما كانت الحقيقة واحدة فلا يعقل ان يقع التضاد بين اجزائها وقد قبلت جميع المدارس الكلامية والقانونية المعتبرة العقلانية في البحث المعرفي الإسلامي لارتكازها على الأصول الأساسية للعقيدة الإسلامية ، على ان علم الأصول في الاتجاه الأصولي الشيعي عبر اكثر من غيره عن هذه الحقيقة .

فاعتبار العقل المصدر الرابع المستقل (وليس المعارض) للفقه ، والمصدر المساعد الى جوار المصادر الثلاثة الأخرى ، والأخذ بقاعدة تلازم حكم العقل والشرع كلها تعكس خصيصة البحث المعرفي الفقهي لدى الشيعة .

وبسبب عرض المسائل الاقتصادية والسياسية في الإسلام عبر نظامه القانوي (الفقه) فان ايضاح هذا النظام يساعد على تفعيل النظامين الاقتصادي والسياسي .

ان الإطار الواسع لحجية العقل وحجية الإجماع في التشريعات الإسلامية يعني ان النظام التشريعي الإسلامي يعتمد العقل والمشاركة الشعبية مع الفارق العقائدي والتاريخي والثقافي بينه وبين العقلانية والديموقراطية الغربية .

اذ يتمثل التعارض الأهم بين النظامين في الرؤية المعرفية والمنهجية ، فالنظام الاشتراكي والسياسي في العلمانية الغربية يرتكز على أصالة المادة والقدرة الفردية (الليبرالية) ، بينما يرتكز النظام التشريعي والسياسي والاقتصادي في الإسلام على المعرفة التوحيدية ، وفي نهاية الامر على اصالة الروح والقيم المعنوية .

ان الاعتماد على العقل والشورى والمشاركة الشعبية ليست امورا مستجدة بل يعود تاريخها الى عصر نزول القرآن والسنة النبوية وعصر ابن رشد وقد عكست احاديث من قبيل (لا تجتمع أمتي على خطأ) و(اختلاف أمتي رحمة) هذه الحقيقة .

وكما اشرنا فقد عبر علم الأصول وبالتحديد بين الأصوليين الشيعة عن واقعية وعقلانية البحث المعرفي الإسلامي ، وهو ما تجلى في قاعدة التلازم بين حكم العقل والشرع التي اهتم بها الشيخ الأنصاري اهتماما خاصا .

تقسم الأدلة والمصادر الفقهية الى قسمين :

الأدلة الشرعية ، والأدلة العقلية وقد ورد تاييد الأدلة العقلية باشكال مختلفة حتى في المذاهب السنية ، الا ان الشيعة التزمت رسميا بحجية العقل على الصعيد الفقهي .

ان بعض بحوث علم الأصول تتشكل من المسائل العقلية والمنطقية ، مثل المسائل العقلية غير المستقلة ، كوجوب مقدمة الواجب ، ومباحث التضاد ، وامتناع اجتماع الامر والنهي ، ومباحث المستقلات العقلية ، مثل الحسن والقبح ، والمباحث المرتبطة بالأصول العقلية العملية مثل الاستصحاب والبراءة والاشتغال ، والمباحث المرتبطة بالتعارض والتعادل والتراجيح ، واخيرا المباحث المرتبطة بالاجتهاد التي تتمتع بأهمية خاصة في الفقه الشيعي كما تجلت عند الشيخ الانصاري (۷) .

ولا ينكر دور العقل في تأسيس قواعد فقهية تستند الى الروايات مثل قاعدة لا ضرر ، وقاعدة العسر والحرج ، وقاعدة عدم جواز تكليف ما لا يطاق ، وقاعدة دفع الضرر قبل الوقوع ، وقاعدة الأولوية وقاعدة دفع الافسد بالفاسد ، وقاعدة أولوية دفع الضرر من جلب المنفعة ، وقاعدة تقديم المانع على المقتضي ، والكثير من القواعد الاخرى ، بل انه لم يكن من الممكن تأسيس هذه القواعد الفقهية دون الاستناد الى العقل ايضا .

ويؤكد هذا ايضا وجود قواعد وأصول عقلية في علم الأصول مثل قاعدة امتناع التكليف بالمحال والتكليف بالمعدوم ، ومسائل الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة والمباحث المرتبطة بالارادة ، والجبر والاختيار .

ويرسخ هذا التأكيد أكثر تأسيس علم علل الشرائع وفلسفة التشريع الى جوار علم الأصول .

ان الهدف الأساس لتأسيس علم أصول الفقه هو إقامة الأطر العقلانية والمنطقية ووضع القواعد والأصول العقلية لاستنباط الأحكام الشرعية .

ويذكر ان المؤسسين الأوائل لعلم أصول الفقه كانوا من العلماء الشيعة (۸) ويرى محمد ابو زهرة ان أول من الف في علم الأصول كان هشام بن الحكم الملقب بشيخ المتكلمين صاحب (الألفاظ ومباحثها) ويونس بن عبد الرحمان صاحب (اختلاف الحديث) (۹) ، وان دراسة العقلانية في النظام التشريعي عند المسلمين عموما وعند الشيعة بالخصوص تقتضي القاء الضوء على تاريخ ظهور علم الأصول وتحولاته ومسالة حجية العقل باعتباره احد المصادر الفقهية الأربعة .

قد يعود اعتماد العقل والاجتهاد الى عصر النبي (صلى الله عليه واله) نفسه ، وهو ما يؤيده الحوار الذي دار بين النبي (صلى الله عليه واله) ومعاذ بن جبل عشية توجهه الى اليمن ، فقد سأله النبي (صلى الله عليه واله) : (بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله قال : فان لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله (صلى الله عليه واله) قال : فان لم تجد ؟ قال : اجتهد رأيي (۱۰) وواضح ان النبي (صلى الله عليه واله) اقر في هذا الحوار الاجتهاد واعتماد حكم العقل .

وجا في حديث آخر قول الرسول (صلى الله عليه واله) لابن مسعود :

(اقض بالكتاب والسنة اذا وجدتهما ، فان لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك) (۱۱) .

ولا يلاحظ في المؤلفات الشيعية القديمة من قبيل الامالي (املاأت الائمة (ع) على الصحابة) و(أصول آل الرسول) للسيد الشريف الموسوي هاشم بن زين العابدين الخونساري ، و(الأصول الأصلية) تأليف السيد عبد الله شبر ، و(الفصول المهمة) تأليف محمد بن الحسن بن الحر العاملي ، ما يدل صراحة على اعتبار حجية العقل دليلا فقهيا مستقلا ، رغم ان هذه المؤلفات اعتمدت الدليل العقلي فلم تكن الأحكام عند الشيعة قد انتظمت في منظومة فقهية واحدة حتى أواسط القرن الرابع ، اذ كان مؤسسوا المعارف الإسلامية وبخاصة فقهاء الشيعة منهمكين في تحليل المباحث الكلية للتشيع وتأسيس نظام فقهي مستقل ، فلم يتوفروا على فرصة تشكيل حجية العقل لانشغالهم بطرح المسائل الاعتقادية والفقهية في اطارها العام .

وليس هناك في مؤلفات الحسن بن أبي عقيل العماني (ابن أبي عقيل في القرن الثالث الهجري) ومحمد بن احمد ابن الجنيد (المتوفى عام ۳۸۱ هـ) ما يثبت اتخاذهم حجية العقل دليلا شرعيا مستقلا.

ومن المحتمل جدا ان يكون العالم الشيعي المشهور ابو عبد الله محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (۳۳۶ـ ۴۱۳) أول من صاغ الفقه والأصول عند الشيعة هو أول فقيه ومجتهد شيعي طرح حجية الدليل العقلي بصورة منتظمة ، مع انه لم يتناول العقل بصفته دليلا مستقلا انما عرضه كدليل مؤيد ومعين ، فقد نقل عنه تلميذه الشيخ ابو الفتح الكراجكي (المتوفى عام۴۴۹) في (كنز الفوائد) ان أدلة الفقه المستقلة تنحصر في الكتاب والسنة ، لكنه أضاف قائلا: علاوة على هذه الأدلة الأصلية ثمة أدلة ثلاثة مؤيدة ومعينة لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة وهي :

۱ـ الدليل العقلي .

۲ـ دليل الزمان .

۳ـ الأخبار والروايات المختلفة (۱۲) .

وقد انتهج تلميذ الشيخ المفيد المعروف علي ابن الحسن الموسوي المشهور بالسيد المرتضى علم الهدى (المتوفى سنة ۴۳۶) طريقة أستاذه ولكن بتفصيل أكثر ، فقد قام بتوسيع علم الأصول وتعميق البحث في الدليل العقلي في كتابه الشهير (الذريعة الى أصول الشريعة) .

كذلك كان موقف شيخ الطائفة محمد بن حسن الطوسي (المتوفى سنة۴۶۰) في (عدة الأصول) من الدليل العقلي اذ لم يعترف به رسميا .

وقد ذهب الى ان المعلومات البشرية تنقسم الى قسمين :

۱ـ الضروريات .

۲ـ المكتسبات ، والتي تتفرع عنده الى فرعين :

أـ المكتسبات العقلية أو العقليات .

ب ـ المكتسبات النقلية أو المسموعات .

ثم شطر العقليات الى :

۱ـ عقليات خالصة أو مستقلات عقلية .

۲ـ مكتسبات نصف مستقلة وهي التي عرفت بغير المستقلات العقلية .

وقد رأى ان المعتبر من هذه جميعا هو المكتسبات العقلية الخالصة أو المستقلات العقلية لكن في علم الكلام وليس في الفقه (۱۳) الا انه وافق على اعتبار الدليل العقلي بعنوان الحسن والقبح مستقلا عقليا .

مع هذا فان جهود هذه المجموعة أدت الى التأسيس الرسمي لأصل حجية العقل ولعل السبب وراء عدم الطرح المباشر لحجية العقل في المصادر الشيعية حتى ذلك الوقت يكمن في اعتبار العقل وحجيته من المسائل الفلسفية والكلامية وليس من الموضوعات الفقهية فاصل حجية العقل وكونها دليلا كان قائما على مسالة الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة العقلية ، وقد بحثت هذه المسائل في البداية من قبل متكلمي المعتزلة .

وتوقفت عند الشيعة عجلة الاجتهاد الشرعي وعلم الأصول ومن ثم حجية العقل عن الدوران طوال قرن من الزمان بعد شيخ الطائفة الطوسي ، حتى ظهر الفقيه الشيعي الكبير محمد بن ادريس (۵۵۸ـ ۵۹۸) صاحب (السرائر) ، الذي صرح لأول مرة بحجية العقل ودلالته معتبرا إياه احد الأدلة الأربعة المستقلة في الفقه الشيعي لكن أحاطه بمجموعة من المحددات وخصه في الموارد التي يغيب فيها النص الصريح ، والحكم القطعي من الكتاب ، والسنة والاجماع (۱۴) .

بمعنى ان ابن ادريس اعترف بالدليل العقلي لكن في حال غياب الأدلة الثلاثة الاخرى .

ويبدو ان جميع الأصوليين الشيعة بعد ابن ادريس قبلوا العقل دليلا فقهيا مستقلا ، ليصار الى الاعتراف الرسمي بكون حجية العقل مسالة أصولية وفقهية ايضا بعد ان كانت مسالة كلامية فقط فنجم الدين جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق (المتوفى سنة ۶۷۶) صاحب (نهج الوصول الى معرفة الأصول) اكد ان الأدلة الفقهية تتمثل بالكتاب والسنة والإجماع والعقل يقول العلامة الحلي في (التهذيب) :

(الفعل قد يكون حسنا وهو ما يكون للفاعل القادر عليه ان يفعل والذي لم يكن علما صفة تؤثر في استحقاق الذم ، قد يكون قبيحا ، وهو الذي ليس له فعل أو الذي على صفة لاتؤثر في استحقاق الذم ، وهو قول أو فعل أو ترك فعل أو ترك قول ينبئ عن اتضاح الغير والحق انهما عقليان خلافا لقول الاشاعرة) (۱۵) .

نستخلص من هذا المقطع :

۱ـ ان في العقل أقوال وأفعال حسنة وقبيحة فيجب على العقل ان يقوم بالفعل الحسن ويمتنع عن فعل القبيح .

۲ـ يمكن للحسن والقبح العقليين ان يكونا معياريين لأحكام الوجوب والحرمة .

۳ـ العقل قادر على كشف الحسن والقبح ، وهما على نوعين حقيقي مطلق ونسبي (۱۶) .

۴ـ ضرورة كشف حسن وقبح الأعمال والأقوال .

۵ـ استقلال العقل في كشف الحسن والقبح الذي يستتبع حكما شرعيا بالوجوب أو النهي .

۶ـ وعليه يقضي العقل بلزوم فعل الحسن ووجوبه الشرعي ولزوم الابتعاد عن القبح شرعا.

وبكلمة أخرى نخلص الى حجية العقل وقاعدة ملازمة العقل والشرع .

ان كون العقل في النظام القانوني أو التشريعي الإسلامي حجة ومصدر أو دليلا لا يعني استقلاليته في التشريع حيال النص الصريح المعتبر والا صار اجتهادا في مقابل النص ، انما يعني قدرة العقل على ادراك الحسن والقبح الذاتي وعلى كشفه عن ارادة الشارع الحقيقية فلقد قبل فقهاء الشيعة الأصوليون حجية العقل على أساس الكاشفية في الموارد الاتية :

۱ـ كشف الأحكام الواقعية أو المستقلات العقلية مثل تقديم الاهم على المهم .

۲ـ المساعدة على كشف مفاد الكتاب والسنة التي تشكل مباحث الأصول اللفظية من الأصول الفقهية .

۳ـ إثبات حجية الامارة الظنية المستندة الى العلم مثل إثبات حجية الخبر الموثق الذي يشكل بحثا مهما من التعادل والتراجيح .

۴ـ تحديد الوظيفة الظاهرية في الموارد التي يتعذر فيها الوصول الى الحكم الواقعي عبر مباحث الأصول العلمية (البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب) والتي تسمى ايضا بالأصول العقلية ، وقد تبنى الشيخ ‌الأنصاري هذه الموارد .

اذا كان معيار قبول أصل حجية العقل يتمثل في الاستفادة من العقل فان احد فقهاء الشيعة وهو الشيخ الأنصاري مثلا سبق الاخرين في الاستفادة من العقل في النظام التشريعي الإسلامي فعلاوة على كثرة استفادته من العقل في كتابه الفقهي (المكاسب المحرمة) فانه أصل حجية العقل في (فرائد الأصول) .

ان الشيخ الأنصاري لا يعتقد بقدرة العقل على كشف مناطات الأحكام ، فهو يقول : (نعم الانصاف ان الركون الى العقل فيما يتعلق بادراك مناطات الأحكام لينتقل منها الى ادراك نفس الأحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الامر) (۱۷) .

وهذا الراي في حقيقته بيان لقاعدة (ليس كلما حكم به الشرع حكم به العقل) والدليل على ذلك قبول الشيخ الأنصاري الاصل القائل : (كل ما حكم به العقل (قاطعا) حكم به الشرع) ، ويقيم بين هاتين المسالتين نسبة العموم والخصوص وليس نسبة التساوي .

ــــــــــــــــــ

۱ـ راجع : رابطه دين و فلسفه در اسلام الفصل الثالث ، طبعة تبريز .

۲ـ راجـع لمزيد من التفصيل : علي سامي النشار ، (مناهج البحث عند مفكري الاسلام) ، وكذلك المصدر السابق .

۳ـ السيد حسن الصدر، تاسيس الشيعة العلوم الاسلامية (بتصرف) .

۴ـ كنز الفوائد (ابو الفتح كراكجي) : ۱۸۶ اصول الفقه (للمظفر) ۳ : ۱۲۲ .

۵ـ عدة الاصول (محمد بن حسن الطوسي) ، ۲ : ۱۲۵ ـ ۱۲۷ .

۶ـ السرائر : ۴ .

۷ـ المعتبر في شرح المختصر: ۵ .

۸ـ .

۹ـ الفقه الجعفري (محمد ابو زهرة) : ۴۸ طبعة مصر .

۱۰ـ المعالم الجديدة للاصول (محمد باقر الصدر) : ۸۴ ـ ۸۶ .

۱۱ـ قوانين الاصول (لابي القاسم القمي) : ۲۵۷ .

۱۲ـ الحدائق الناظرة ۱ : ۳۰ .

۱۳ـ المصدر السابق .

۱۴ـ السرائر .

۱۵ـ التهذيب .

۱۶ـ .

۱۷ـ الفرائد (للشيخ الانصاري) : ۱۲ ، الطبعة الحجرية ـ قم .