۳۱۴

دورتا (هدى) – ألمانيا – مسيحي

ولدت في ألمانيا ، وكانت منذ طفولتها تتمتّع بشخصيّة نشطة وفعّالة ومتطلّعة نحو الأفضل ، وكانت كثيرة الاستفسار حول أسباب وحكمة ما يجري حولها.

في رحاب الدوافع الفطريّة:

تقول “دورتا”: كنت أشعر منذ الصغر بدافع فطري يحفّزني لمعرفة الحقيقة، والسير على ضوئها ، وكنت أرفض مبدأ الوطنيّة ، لأنّني كنت أرى أنّ قيمة كلّ إنسان هي مقدار وعيه وثقافته ، وأنّ الانتساب الوطني ليس فيه قيمة ذاتيّة لرفع مستوى الإنسان ، فلهذا كنت اختلط في المدرسة بأبناء الجاليات الأخرى ، وكان اعتقادي أنّ لكلّ جالية ثقافتها الخاصّة وأدلّتها على مبادئها وأفكارها ، ولا ينبغي أن ننظر في تقييمنا إلى أفكار الآخرين من نظرة شخصيّة قاصرة و متعصّبة ، بل علينا أن يكون رابطنا الوحيد مع أبناء الجاليات الأخرى هو الحوار والتفاهم والبحث الموضوعيّ المتجرّد عن كافّة التعصّبات والرؤى الضيّقة ، ولهذا كنت أخالف بشدّة جميع تيّارات العنصريّة التي كانت في بلدنا.
وبعد استلام شهادة الدبلوم ، سافرت إلى إيطاليا; لأواصل دراستي في العاصمة “روما” في فرع الفنون ، ولكن لم تمض فترة إلاّ ورأيت أنّ هذا الفرع لا يشبع رغبتي، ولا يتلاءم مع نفسيّتي ولا ينسجم مع رؤاي ، فانصرفت عنه ، وسجّلت اسمي في نفس الجامعة في فرع معرفة الشرق ، وكان هدفي من ذلك تلبية رغبتي في التعرّف على الأمم والطوائف الأخرى، ومعرفة مناهجهم المعرفيّة وكلّ ماله صلة بهم من عادات وتقاليد وثقافة وغير ذلك.

التعرف على الإسلام:

تضيف “دورتا”: كانت المرحلة الأولى في ذلك الفرع عبارة عن دراسة اللغة العربيّة ، وكانت هذه المرحلة هي التي تعرّفت فيها على الإسلام ومعارفه.
ومن ذلك الحين تبيّن لي عظمة هذا الدين، وقوّة كيانه ورصانة مبادئه، وأفكاره، وكانت مطالعاتي تزداد يوماً بعد يوم حول الإسلام حتّى أحسست يوماً أنني قلباً مسلمة ، ولكنّني كنت أتهيّب إبداء ذلك في الواقع الخارجيّ ، فكنت أحاول أن أكبت النداء القلبي الذي كان يدعوني إلى الالتزام العملي بالإسلام.
كما أنّني كنت غير واثقة بأنّني أطيق صيام شهر رمضان ، وكنت متردّدة في قرارة نفسي هل أنا قادرة على الصمود والثبات وتحمّل استهزاء الأخرين بعد ارتدائي للحجاب الإسلاميّ ، وكنت أعيش هذه الحالة ، حالة الصراع أيّام قبل شهر رمضان ، فلمّا حلّ الشهر قرّرت أن أختبر نفسي في الصيام ، فصمت اليوم الأوّل من هذا الشهر، واليوم الثاني والثالث وفي الثالث اتّخذت قراري النهائي فأعلنت إسلامي وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، وسمّيت نفسي “هدى” ، ويشهد الله أنّني لم أندم بعد ذلك أبداً على ما قمت به.

ما بعد الاستبصار:

وفي اليوم الأول من إسلامي فقدت الكثير من أصدقائي ، ولكنّهم بعد ذلك تعوّدوا على ما أنا عليه ، ثمّ وفّقني الله للزواج من الأستاذ الذي كان يدرّسنا المادّة العربيّة ، فشيّدنا معاً أسرتنا على تقوى الله ، وواصلت دراستي بعدها بقوّة حتّى نلت شهادة الدكتوراه من جامعة “روما”.
وفي الحقيقة أنّ الفضل في ذلك يعود إلى زوجي ، فهو الذي أعانني على الدراسة ، وهو الذي كنت دوماً أتواصى معه بالحقّ وبالصبر من أجل المحافظة على إيماننا وصمودنا إزاء القوى المضادّة التي تسعى لأن نكون معها في انتزاع ثوب الكرامة الانسانيّة.