دور-أهل-البيت-في-تفسير-القرآن-الكريم

دور أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير القرآن الكريم

العترة الطاهرة ورثة الكتاب وحملة علم الرسول (ص):

العترة الطاهرة ورثة الكتاب وحملة علم الرسول ( صلى الله عليه وآله ): قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض )..،وقال : ( ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا… ) (۱) .

حديث متواتر بين الفريقين ، قاله ( صلى الله عليه وآله ) خطابا لجميع أمته عبر العصور… فقد هداهم الى معالم الحياة التي ان ساروا على هديها اهتدوا وبلغوا السعادة …، وان حادوا عنها هووا وجلبوا لانفسهم الشقاء . ( مثل أهل بيتي كسفينة نوح ، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى ) (۲) .

ومعنى عدم افتراق أحدهما عن الاخر : أن الاهتداء بأحدهما واغفال الاخر، مما لا يمكن لسالك سبيل الرشاد، فلئن كان موضع الكتاب من الدين موضع عرض أصول التشريع فان البيان والتفصيل من وظيفة العترة الطاهرة ( ع ) من أهل بيت الرسول ( صلى الله عليه وآله ).

وكما كان موضع النبي من القرآن الكريم موضع بلاغ وبيان ، فكذلك موضع أهل بيته الطاهرين ( ع ) موضع أداء وايفاء، انهم خلفاؤه في أداء رسالة الله عز وجل في الارضين ، والايفاء ببيان شريعته في الخافقين .

فهم باب علمه ، ومستودع حكمته ، والمؤدون عنه ، والشهداء على الخلق ، ليكون الرسول عليهم شهيدا. قال الصادق ( ع ) في قوله تعالى ( فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ، ( نزلت في أمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) خاصة ، في كل قرن منهم امام منا شاهد عليهم ، ومحمد شاهد علينا.. ) (۳) .

قال الإمام أمير المؤمنين علي ( ع )  ( ان الله طهرنا وجعلنا شهداء على خلقه ، وحجته على من في أرضه ، وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا…) (۴) .

وقال الإمام الصادق (ع ): في قوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا..)، ( هم آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) …) (۵) .

قال الإمام الباقر ( ع ) لعمرو بن عبيد: ( فانما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل ، فاذا احتاجوا الى تفسيره ، فالاهتداء بنا والينا يا عمرو ) (۶) .

وقال الإمام الكاظم ( ع ): (نحن الذين اصطفانا الله . فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء ..) (۷) .

وقال الإمام الصادق ( ع ) : في قوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون ) (۸) ، ( كتاب الله الذكر، وأهله آل محمد الذين أمر الله بسؤالهم ، ولم يؤمروا بسؤال الجهال …، وسمى الله القرآن ذكرا، فقال : ( وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون ) (۹) .

والاية وان كانت نزلت بشأن أهل الكتاب خطابا لمشركي العرب ، لكن تأويلها عام شامل (۱۰) ، ومن أظهر مصاديقها الائمة من أهل البيت ( ع ).

ومن ثم لما سأل عبيدة السلماني وعلقمة بن قيس والاسود بن يزيد النخعي ، الإمام أمير المؤمنين ( ع ): من يسألون اذا أشكل عليهم شي ء من القرآن ؟ قال : ( سلوا عن ذلك آل محمد…) (۱۱) .

قال الإمام الصادق ( ع ): ( انا أهل بيت لم يزل الله يبعث منا من يعلم كتابه من أوله الى آخره …) (۱۲) .

وقال الإمام أبو جعفر الصادق ( ع ): ( ان العلم الذي نزل مع آدم ، لم يرفع ، والعلم يتوارث .وكان على عالم هذه الأمة .. قال : وانه لم يهلك منا عالم قط الا خلفه من أهله من علم مثل علمه ، أو ما شاء الله …) (۱۳) .

وفي ذلك يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ): ( يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ، ينفون عنه تأويل المبطلين ، وتحريف الغالين ، وانتحال الجاهلين ، كما ينفي الكير خبث الحديد ) (۱۴) .

أهل البيت(عليهم السلام) في حياة الرسول(ص):

كان علي (ع ) مثل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومثله الظاهر المتمثل فيه شخصيته الكريمة ..، والذي قال فيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( انك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، الا أنك لست بنبي … ) (۱۵) .

يعني أنه كان يحمل في طيه ذلك الحس المرهف الذي كان النبي منعما به ، سوى أنه ليس بنبي . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ): ( ان لعلى علما بكتاب الله وسنتي ، ليس لاحد من أمتي . يعلم جميع علمي . ان الله علمني علما لا يعلمه غيري ، وأمرني أن أعلمه عليا، ففعلت …). قال ( وان الله علمه الحكمة وفصل الخطاب …) (۱۶) .

قال علی ( وليس كل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يسأله فيفهم ، وكان منهم من يسأله ولا يستفهم ..، وكنت أدخل عليه كل يوم دخلة ، وكل ليلة دخلة ، فيخليني فيها أدور معه حيث دار. وقد علم أصحاب رسول الله أنه لم يكن يصنع ذلك بأحد غيري ، اذا سألته أجابني ، واذا سكت أونفدت مسائلي ابتدأني ، فما نزلت عليه آية من القرآن الا أقرانيها وأملاها على ، فكتبتها بخطي ، ودعا الله أن يفهمني اياها ويحفظني . فما نسيت آية من كتاب الله منذ حفظتها. وعلمني تأويلها، فحفظته وأملى على فكتبته . … ثم وضع يده على صدري ودعا الله أن يملا قلبي علما وفهما وفقها وحكما ونورا، وأن يعلمني فلا أجهل ، وأن يحفظني فلا أنسى …) (۱۷) .

واختلف جماعة في قراءة آي من القرآن ، فجاء بهم ابن مسعود الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعلى ( ع ) عنده ، فقرأ كل قرأته … فأسر النبى الى على ، فقال على : ( رسول الله يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم …). قال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد (۱۸) .

وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يحفظ عليه ما نزل من الايات اذا كان غائبا.. قال سليم بن قيس الهلالى وقد عده النجاشى من الطبقة الأولى من زمرة السلف الصالح (۱۹) :

جلست الى علي (ع ) بالكوفة في المسجد والناس حوله ، فقال : ( سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، فو الله ما نزلت آية من كتاب الله الا وقد أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلمني تأويلها…) فقال ابن الكوا وهو عبد الله بن عمرو اليشكرى ، عالم نسابة ، ومسائله مع أمير المؤمنين ( ع ) معروفة : فما كان ينزل عليه وأنت غائب ؟ قال : ( بلى ، يحفظ على ما غبت عنه ، فاذا قدمت عليه قال لي : يا على أنزل الله بعدك كذا وكذا، فيقرئنيه ، وتأويله كذا وكذا فيعلمنيه ..) (۲۰) .

نعم ، لم يكن أحد أمس برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من علي ( ع ) في سبيل اكتساب المعالي ، كما لم يأل النبي ( صلى الله عليه وآله ) جهدا في تربية على وتعليمه وتهذيبه ، حتى أصبح مستودع علمه ، وينبوع حكمته .. الامر الذي كان معروفا في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ومشهودا للجميع .. ومن ثم قال ( صلى الله عليه وآله ): ( على عيبة علمي ).

وهذا العلم الذي علمه النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد توارثه أولاده الاطيبون الائمة من أهل بيته ( ع ).

قال الإمام الصادق ( ع ): ( ان الله علم نبيه التنزيل والتأويل ، فعلم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا وعلمنا، والله ..) (۲۱) .

وهكذا امتد العلم واستمر في ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) باقيا، لا ينقطع ..

شهادات وافادات :

هناك شهادات ضافية من الصحابة ، وافادات وافية من التابعين لهم باحسان ، تنبؤك عن مدى فضيلة هذا البيت الرفيع ، ومكانته السامية في أفق العلم والمعرفة والكمال ، بما جعلهم مراجع الأمة في كل أدوار تاريخ الاسلام المجيد.

هذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وهو من أكبر الصحابة قدرا، وأجلهم شأنا، تراه يشهد شهادته العالية برفعة مقام شاخص هدا البيت الإمام أمير المؤمنين ( ع )، وأنه تتلمذ عليه فيما تلقاه من العلوم والمعارف ، حتى في حياة الصادع بالرسالة الامين ، صلوات الله عليه وآله .

أخرج أبو جعفر الطوسي في أماليه ، باسناده الى ابن مسعود، قال : قرأت على النبي ( صلى الله عليه وآله ) سبعين سورة من القرآن ، أخذتها من فيه .. وقرأت سائر القرآن على خير هذه الأمة وأقضاهم بعد نبيهم على بن أبي طالب (ع ) (۲۲) .

وأخرج ابن عساكر في ترجمة الإمام باسناده الى عبيدة السلماني ، قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطايا.. فقال له رجل : فأين أنت من على ؟ قال : به بدأت ، اني قرأت عليه … (۲۳) .

وأخرج ابن زاذان عنه قال : قرأت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تسعين سورة ، وختمت القرآن على خير الناس بعده . قيل له : من هو؟ قال : على بن أبي طالب … (۲۴) .

وهو القائل : ان القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف الا له ظهر وبطن ، وان علي بن أبي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن … (۲۵) .

وأخرج الحاكم الحسكانى باسناده الى علقمة ، عن عبد الله قال : كنت عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسئل عن على فقال : (قسمت الحكمة عشرة أجزأ، فأعطي على تسعة أجزأ،وأعطي الناس جزءا واحدا … (۲۶) .

الى غيرها من شهادات راقية بشأن علم هذا البيت وشاخصه الرفيع (ع ). وبعده من ألمع الصحابة صفحا، وأشرقهم وجها عبد الله بن عباس ، ترجمان القرآن ، حبر هذه الامة ، وبحرها الزاخر بالعلوم والمعارف ، يرى أن كل ما أخذه في تفسير القرآن فهو عن الإمام على بن أبي طالب (ع )، ليس عن غيره .

وهو القائل : قسم علم الناس خمسة أجزأ ، فكان لعلى منها أربعة أجزأ، ولسائر الناس جزء، وشاركهم على في الجزء، فكان أعلم به منهم . (۲۷)

أخرج الحاكم الحسكاني باسناده الى ابن عباس ، قال : دعا عبد الرحمان بن عوف نفرا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فحضرت الصلاة ، فقدموا على بن أبي طالب ، لانه كان أقرأهم . (۲۸)

وأخرج ابن طاووس عن طريق النقاش بالاسناد الى ابن عباس قال : وما علمي وعلم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) في علم على الا كقطرة في سبعة أبحر. (۲۹)

ولنقتصر على شهادة هذين العلمين ، وهما أعلم الصحابة بعد علي ( ع )، وكفى شهادتهما لجلاء الحق الصراح . وشهادات أخر منهما ومن غيرهما يأتي صفوها عند الكلام عن منزلة الإمام لدى الاصحاب .

وأما افادات التابعين فهي أكثر وأوسع من أن تستوعب ، فلنذكر منها نماذج ، فما لا يدرك كله لا يترك جله :

أخرج ابن عساكر باسناده الى مسروق بن الاجدع قال : انتهى العلم الى ثلاثة : عالم بالمدينة ، وعالم بالشام ، وعالم بالعراق .. فعالم المدينة على بن أبي طالب ، وعالم الكوفة عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء . قال : فاذا التقوا، سأل عالم الشام وعالم العراق عالم المدينة ، وهو لم يسألهم .. (۳۰)

أنظر الى هذا الوصف الجميل كيف جعل المرجعية الكبرى في العالم الاسلامي ذلك اليوم ،خاصة بزعيم أهل البيت ، باب مدينة علم النبى ( صلى الله عليه وآله ) الإمام أمير المؤمنين ( ع ) وهو القائل : جالست أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) فوجدتهم كالاخاذ يعني الغدير من الماء آفالاخاذ يروي الرجل ، والاخاذ يروي الرجلين ، والاخاذ يروي العشرة ، والاخاذ يروي المئة ، والاخاذ لو نزل به أهل الارض لاصدرهم . (۳۱)

يعني عليا ( ع ) الذي ينحدر عنه السيل ،ولا يرقى اليه الطير. وأخرج أيضا باسناده الى عبيدة السلماني ، قال : صحبت عبد الله بن مسعود سنة ، ثم صحبت عليا، فكان فضل ما بينهما في العلم كفضل المهاجر على الاعرابي . (۳۲)

وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : ما رأيت أحدا أقرأ لكتاب الله من علي بن أبي طالب ( ع ). (۳۳)

وهو الذي أقرأ عاصما القراءة التي تلقاها من على ( ع ) ، وأقرأها عاصم حفصا بالذات ، وهي التي درج عليها المسلمون ، ولا يزالون .

وأخرجها ابن الجذرى أيضا عنه ، وزاد : وهو من الذين حفظوه أجمع بلا شك عندنا. (۳۴)

ويعجبني هنا أن أنقل وصفين جميلين عن دور أئمة أهل البيت ( ع ) في تفسير القرآن والعلم بتأويله ، ذكرهما علمان لامعان من أعلام النقد والتحقيق في عالم الاسلام ، هما: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ۴۶۷ ـ ۵۴۸ هـ ) ، صاحب الملل والنحل .

والاخر: ابن حجر، أحمد بن محمد الهيثمي (۹۰۹ ـ ۹۷۴)، صاحب الصواعق : قال الشهرستانى : وخص الكتاب بحملة من عترته ( صلى الله عليه وآله ) الطاهرة ونقلة من أصحابه الزاكية الزاهرة ، يتلونه حق تلاوته ، ويدرسونه حق دراسته ، فالقرآن تركته ، وهم ورثته ، وهم أحد الثقلين ، وبهم مجمع البحرين ، ولهم قاب قوسين ، وعندهم علم الكونين .. والعالمون …،

وكما كانت الملائكة عليهم السلام معقبات له من بين يديه ومن خلفه تنزيلا، كذلك كانت الائمة الهادية ، والعلماء الصادقة معقبات له من بين يديه ومن خلفه تفسيرا وتأويلا. ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ).

فتنزيل الذكر بالملائكة المعقبات ، وحفظ الذكر بالعلماء الذين يعرفون تنزيله وتأويله ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه ، ومجمله ومفصله ، ومطلقه ومقيده ، ونصه وظاهره ، وظاهره وباطنه ، ويحكمون فيه بحكم الله ، من مفروغه ومستأنفه ، وتقديره وتكليفه ، وأوامره وزواجره ، وواجباته ومحظوراته ، وحلاله وحرامه ، وحدوده وأحكامه .. بالحق واليقين ، لا بالظن والتخمين ..

أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب . ولقد كانت الصحابة متفقين على أن علم القرآن مخصوص بأهل البيت ( ع )، اذ كانوا يسألون على بن أبي طالب ( ع ):

هل خصصتم أهل البيت دوننا بشي ء سوى القرآن ؟ فكان يقول : (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، الا بما في قراب سيفي ). قال : فاستثناء القرآن بالتخصيص ، دليل على اجماعهم بأن القرآن وعلمه ، وتنزيله وتأويله مخصوص بهم …

ولقد كان حبر الامة عبد الله بن عباس رضي الله عنه مصدر تفسير جميع المفسرين أو قد دعا له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأن قال : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )، تتلمذ لعلي ( ع ) حتى فقهه في الدين وعلمه التأويل … قال : ولقد كنت على حداثة سني أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعا مجردا، حتى دفقت فعلقته على استاذي ناصر السنة أبي القاسم سلمان بن ناصر الانصاري رضي الله عنهما تلقفا.

ثم أطلعتني مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم رضي الله عنهم على أسرار دفينة وأصول متينة في علم القرآن ، وناداني من هو في شاطى ء الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة الطيبة : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ).

فطلبت الصادقين طلب العاشقين ، فوجدت عبدا من عباد الله الصالحين ،كما طلب موسى ( ع ) مع فتاه : ( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). فتعلمت منه مناهج الخلق والامر، ومدارج التضاد والترتيب ، ووجهي العموم والخصوص ، وحكمي المفروغ والمستأنف ، فشبعت من هذا المعاء الواحد دون الامعاء التي هي مكل الضلال ومداخل الجهال ، وارتويت من شرب التسليم بكأس كان مزاجه من تسنيم ، فاهتديت الى لسان القرآن ، نظمه وترتيبه وبلاغته وجزالته وفصاحته وبراعته .. (۳۵) .

ويقول عند تفسير قوله تعالى : فالقرآن ( هدى للناس ) عامة ، ( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) خاصة ، وهدى ، وذكر للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ولقومه أخص من الاول والثاني ( وانه لذكر لك ولقومك ). وقال ابن حجر في مقارنة لطيفة بين الكتاب والعترة والسبب في تسميتهما ثقلين : سمى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) القرآن وعترته ثقلين ، لان الثقل كل نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك ، اذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية ، والاسرار والحكم العلية ، والاحكام الشرعية .ولذا حث ( صلى الله عليه وآله ) على الاقتداء والتمسك بهم ، والتعلم منهم ، وقال : ( الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت ..).

وقيل : سميا ثقلين ، لثقل وجوب رعاية حقوقهما. ثم الذين وقع الحث عليهم منهم انما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله ، اذ هم الذين لا يفارقون الكتاب الى الحوض . ويؤيده الخبر السابق : ( ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم ).وتميزوا بذلك عن بقية العلماء ، لان الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة .. وقد مر بعضها..

وسيأتي الخبر الذي في قريش ( وتعلموا منهم فانهم أعلم منكم )، اذا ثبت هذا لعموم قريش ، فأهل البيت ( ع ) أولى منهم بذلك ، لانهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش .

وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت اشارة الى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به الى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك .. (۳۶)

ولهذا كانوا أمانا لاهل الارض كما يأتي ويشهد لذلك الخبر السابق : (في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ..). ثم أحق من يتمسك به منهم امامهم وعالمهم علي بن أبي طالب ( ع )، لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته ..

ومن ثم قال أبو بكر: علي عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أي الذي كان قد حث على التمسك بهم ، فخصه .. والمراد بالعيبة والكرش فى الخبر السابق انهما موضع سره وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته .. (۳۷) .

ــــــــــــــــــــــــــ

(۱) الفيروز آبادي في الفضائل الخمسة ۲: ۴۳ ـ ۵۶٫

(۲) المصدر نفسه ۵۶ ـ ۵۹٫

(۳) الكافي ۱ / ۱۹۰، والاية ۴۱، النساء.

(۴) بصائر الدرجات ۸۳ / رقم ۶٫

(۵) المصدر نفسه ، ۴۶ / رقم ۱۲، والاية ۳۲، فاطر.

(۶) تفسير فرات : ۲۵۸ / رقم ۳۵۱٫ وعمرو بن عبيد هذا من زعماء المعتزلة ، ومن العلماء الزهاد، وهو كثير التردد على أئمة أهل البيت ( ع )، وله منهم مواقف مشرفة . قال حفص بن غياث : ما وصف لي أحد الا وجدته دون الصفة الا عمرو بن عبيد، فوجدته فوق ما وصف لي .. قال : وما لقيت أحدا أزهد منه .مات سنة ۱۴۲ (تهذيب التهذيب ، ۸: ۷۰)

(۷) بصائر الدرجات / ۱۱۴ / رقم ۳، والكافي / ۱ / رقم ۷٫

(۸) النحل : ۴۳، والانبياء: ۷٫

(۹) بصائر الدرجات رقم ۱۹، والكافي ۱: ۲۹۵ / رقم ۳، وشواهد التنزيل للحسكاني /۳۳۴، والاية : ۱۶، النحل .

(۱۰) لان لحن الكلام ارشاد الى حكم العقل بوجوب رجوع الجاهل الى العالم أيا كان ، اذا كان انما ينطق عن صدق وعن علم . ومن ثم استند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الى هذه الاية في قوله : ( لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه ، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ) الدر المنثور ۴ : ۱۱۹ .

(۱۱) المصدر نفسه / ۱۹۶ / رقم ۹٫

(۱۲) المصدر نفسه / ۱۹۶ / رقم ۶٫

(۱۳) الكافي ۱:۲۲۲ / رقم ۲٫

(۱۴) اختيار معرفة الرجال : الكشي : ۴ / رقم ۵، والكير: زق أو جلد غليظ ذو حافات ينفخ به الحداد.

(۱۵) نهج البلاغة ۱ : ۳۰۱ ( صبحي الصالح )، الخطبة القاصعة ، رقم ۱۹۲٫

(۱۶) في حديث طويل مع ابنته فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها… رواه سليم في كتابه : ۷۱٫

(۱۷) كتاب سليم : ۱۰۶٫

(۱۸) ابن شهر آشوب في المناقب ۲: ۴۲، وتفسير الطبري ۱: ۱۰، ومستدرك الحاكم ۲ :۲۲۳ ـ ۲۲۴٫

(۱۹) توفي مختفيا عن الحجاج حدود سنة ۹۰٫

(۲۰) كتاب سليم برواية أبان بن عياش البصري التابعي : ۲۱۳ ۲۱۴٫

(۲۱) المولى الفتوني في مرآة الانوار: ۱۵٫

(۲۲) أمالي الطوسي ۲: ۲۱۹٫ واذ كنا نعرف أن السور المكية لا تعدو ستا وثمانين سورة ،يعرف مدى سابقة تعلم ابن مسعود من علي (ع ) في وقت مبكر جدا..

(۲۳) تاريخ دمشق ترجمة الإمام ۳: ۲۵ ۲۶ / رقم ۱۴۰۹٫

(۲۴) المصدر نفسه : رقم ۱۰۵۱، وراجع سعد السعود لابن طاووس : ۲۸۵، والبحار ۸۹:۱۰۵٫

(۲۵) أخرجه ابن عساكر أيضا. المصدر / رقم ۱۰۴۸٫

(۲۶) شواهد التنزيل ۱ : ۱۰۵ / رقم ۱۴۶٫

(۲۷) تاريخ دمشق ترجمة الإمام ۳ : ۴۵ ۴۶٫

(۲۸) شواهد التنزيل ۱:۲۳ / رقم ۱۶٫

(۲۹) سعد السعود: ۲۸۵٫

(۳۰) تاريخ دمشق ترجمة الإمام ۳ : ۵۱ / رقم ۱۰۸۶٫

(۳۱) التفسير والمفسرون للذهبي ۱ : ۳۶٫

(۳۲) تاريخ دمشق ترجمة الإمام ۳: ۴۹ / رقم ۱۰۸۱٫

(۳۳) المصدر نفسه ۲۷ / رقم ۱۰۵۲٫

(۳۴) غاية النهاية ۱ : ۵۴۶ / رقم ۲۲۳۴٫

(۳۵) راجع مقدمته في التفسير الذي عنونه باسم (مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار) مخطوط.

(۳۶) في هذا التعبير وهذا التشبيه دقيقة لا تخفى على أهل الدقة والنظر.

(۳۷) راجع : الصواعق المحرقة ، الطبعة الاولى : ۹۰٫