دور الأسرة في تجسيد القيم

دور الأسرة في تجسيد القيم

قيل في تحديد التربية: هي مساعدة الولد، بإعداد بيئات صالحة، كي يكتسب أنماطاً سلوكيّة وعادات إنسانيّة سلمية: جسديّة ونفسيّة وعقليّة واجتماعيّة وروحيّة… في سبيل نموّ شخصيّته ككلّ، نموا كاملاً متكاملاً، وذلك بتحقيق توازن مستمرّ في شخصيّته، منسجماً مع بيئته، متفاعلاً معها، فاعلاً بها، ومتطوّراً بصورة صحيحة وطبيعيّة”.

النافذة الأولى على العالم:

والبيئات التي تحكم مسار التربية هذه: الأسرة، المدرسة والمجتمع بكلّ تنوّعاته وأدواته، وجميعها تعمل في الإنسان بشكل متداخل ومتشابك ومعقّد، لتنتج منه شخصيّة متمايزة بقدرات واستعدادات وميول محدّدة، فإذا ما عاش الولد في بيت دافئ، ومدرسة ناهضة، ومجتمع مسؤول ومتوازن، انعكس ذلك إيجاباً على سلوكه وأدائه وفعاليّته.

ودور الأسرة في تجسيد القيّم في شخصيّة الولد من خلال المحبّة والتواصل الذي يتّسم بالحكمة والموعظة الحسنة، يكتسب أهمية بالغة، لكون الأسرة تمثّل النافذة الأولى التي يطلّ منها على العالم، والمدرسة الأولى التي يعيش فيها الحبّ والحنان، ويأخذ منها مبادئ النطق والتفاهم، ويمارس فيها تمارين المشي واللعب، كما تمثّل المجتمع الذي يملك فهي القدرة على التكيّف والتفاعل.

فالطّفل عادة يقضي ما بين ثلاث وأربع سنوات في حضن أمّه، وكنف أبيه، يخضع خلالها لأنماط من السّلوك والعادات التي ترسخ في عمق شخصيّته، لتساهم في تكوينها وتشكيلها، حتّى اعتبر بعض المربين أن هذه المرحلة حاسمة في بعض جوانبها لأن الطفل يكون في طور التقليد “سريع التقبّل لما يسمع، وسريع التطبّع لما يألف”. وفي هذا الإطار قال بعضهم مبالغاً: “أعطني السنوات الستّ وخذ الباقي”.

تحديد معالم الشخصية:

وبما أن الطّفل هو نتاج أسرة مكوّناتها الأساسيّة الأب والأم، فإن الكثير من معالم شخصيّته تحدّدها طبيعة التربية التي يخضع لها، التربية الناتجة عن الإطار الثقافي والاجتماعي والأخلاقي والسلوكي الذي يعتمده الأبوان في تعاملها.

لذا نجد أن التوجّه يؤكّد على المحيط الذي سينتج عنه الطفل، أي الزوج والزوجة بالدرجة الأولى، فهو الذي سيحضن الطفل ويرعاه، ليتفاعل معه، ويتكيّف بأجوائه، وهو الذي سيقتبس عنه أخلاقه وثقافته ومفاهيمه، فالإسلام ـ مثلاً ـ يؤكّد على حسن اختيار الزوج والزوجة، وضرورة التوقّف طويلاً أمام العناصر الروحيّة والعلميّة والأخلاقية من الشخصيّة أكثر من المظاهر الماديّة والجماليّة: قال تعالى في كتابه العزيز: (وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) .

وفي حديث للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع بعض أصحابه يقول: “إيّاكم وخضراء الدّمن”. قالوا: ي‍ا رسول الله… وما خضراء الدّمن؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: “المرأة الحسناء في المنبت السوء”. وفي خطاب موجّه إلى الآباء والأمّهات وكل من يعنيه مستقبل الفتى والفتاة، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.

وبنتيجة الزواج يخرج الجنين إلى الحياة ليواجه مشكلاتها وتعقيداتها… ودور الأسرة يختصر في إعداده وتأهيله ورعايته ليكون نموّه سليماً، ولينطلق ويمارس مسؤولياته بعلم ووعيّ وحكمة..

التربية المتوازنة:

وعلى أساس هذا تنصح الأسرة بالتربية المتوازنة التي تركّز علي:

ـ الرعاية الجسديّة كي ينمو الطفل قويّ البنية، صحيح الجسم، مكتمل الحيويّة، وهنا يجب الاهتمام بالتغذية المتنوعّة، والراحة التامّة، والنوم الكافي، والنشاط المدروس. ـ الرعاية النفسيّة، أي أن يعيش الاستقرار النفسي، والأمن الذاتي، من خلال الجوّ الأسري الذي ينتجه أبوان متحابّان متفاهمان، يغمرانه بالمحبّة الكافيّة، والعاطفة المتوازنة والرعاية الواعية، وهذا ما ترسم حدوده الآية القرآنية: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم:۲۱٫ ـ الرعاية الفكريّة: وتنجم عن الجوّ الثقافي والروحي الذي يميّز حياة الأسرة، والذي يمكن أن يستجيب لغريزة حب الاستطلاع عند الطفل، من أجل أن يكتشف محيطه، ويعرف طرق التكيّف مع مكوّناته.

وهنا تتلخّص وظيفة الأهل باغناء بيئة الألعاب التربوية المتنوعة، وتوفير القصص الطفولية المسلية، والحرص على الإجابة عن أسئلته، وتوسيع دائرة معارفه بالرحلات والزيارات إلى موقع حضاريّة هامّة.

ـ الرعاية الخلقيّة: التي من خلالها يأخذ الطفل عن أبويه القيّم الخلقيّة السائدة بالتقليد والمحاكاة، وهذا يفرض على الآباء أن يجسّدوا القدوة الصالحة فيلتزموا الصدق في القول، والأمانة في الفعل، والوفاء بالوعد، والتعاون والطاعة والكلام الحسن والاحترام… كل ذلك من أجل أن تتجذّر هذه الأخلاق في عمق شخصيته، لتتحوّل إلى عادات متأصّلة، من الصعوبة التحلّل منها في مستقبل حياته.

ثقافة الأهل:

انطلاقاً من هذه الأنماط من الرّعاية، ومن أجل أن ينمو الولد سليماً جسدياً، ومستقراً نفسياً، ومتوازناً عقلياً، ومتكيّفاً اجتماعياً، ومتميزاً خلقياً، ومنسجماً روحياً، على الآباء والأمّهات أن يجتهدوا في أن يوفّروا لأنفسهم:

۱ ـ حداً أدنى من الثقافة الطبية الكفيلة بحماية الطّفل في الحالات الطارئة على الأقل.

۲ ـ حداً مقبولاً من الثقافة النفسية التي يتعرفون فيها على: ـ الخصائص العمرية لكل مرحلة من مراحل النمو. ـ الحاجات التي تتطلبها كل مرحلة. ـ أسباب المشكلات النفسية والسلوكية، ومظاهرها وطرق معالجتها.

۳ ـ مستوى علمياً يستطيعون من خلاله أن يواكبوا عمليّة تحصيلهم التعليمي، على الأقل في مرحلة التعليم الأساسي.

۴ ـ معرفة والتزاماً بمفردات القيم الأساسية المرغوبة في شخصية الولد.

الكاتب: الدكتور محمد رضا