دور التخطيط في تنمية القيم والممارسات السلوكية

إن التغيير المادي يحتاج إلى تغير قيمي يواكبه لكي يتطور المجتمع نحو الأفضل، هذا ما يؤكد عليه المخططون الاجتماعيون عند قيامهم بعملية التخطيط من اجل التنمية فبقدر اهتمامهم بالجانب المادي يهتمون بالجانب القيمي، رغم ان كثيراً من العلوم الحديثة تتجنب فكرة القيم وتفترض أنها غير متأثرة بها فأن بحوث المجتمع على عكس ذلك تهتم بالقيم، ذلك ان الباحثين في هذا المجال يعترفون بان ثقافات المنظمات الإجتماعية في المجتمع ما هي إلا جزء من عملية النمو الاجتماعي الإنساني ويجب الاهتمام بها سواء في البحث أو الممارسة، وبدلا من أن تكون بحوث المجتمع مجرد بحوث وصفية بحتة عن كيف ولماذا فيما يتصل بالسلوك الإنساني فهي تهدف إلى التغيير في أتجاه مجموعة قيم محددة بشكل مسبق فالقيم تشير إلى تلك الأساليب المفضلة لتوجيه الناس، والمعايير هي قواعد للسلوك في مواقف معينة وكل من القيم والمعايير يخضعان للتغيير، غير أنا يجب ان نضيف إلى هذين المصطلحين مصطلحا آخر هو الأيديولوجية فإذا كانت مهمة القيم توجيه الفعل الاجتماعي ومهمة المعايير ضبط السلوك فإن الأيديولوجية عليها أن توجد الدافع المحرك للفعل الاجتماعي عن طريق تعريف الموقف الاجتماعي تعريفا مثالياً. أما السياق الذي توجد فيه القيم والمعايير والأيديولوجيات فهو يمكن ان يكون سياقا دينيا أو ثقافيا او اقتصاديا او سياسياً.

والتغيير القيمي يعني ان نحافظ على القيم الجيدة والإيجابية وأن ندخل قيما جديدة لكي يتطور المجتمع، فنعمل على التخلص من القيم السلبية مثل الغضب والغرور والقبلية والأخذ بالثار والتسرع في اتخاذ القرار وما إلى ذلك، وأن ننمي قيم الإيمان بالمبدأ والعقيدة والشجاعة والصبر والثقة العالية بالنفس والتعاون وغيرها من القيم التي تساعد على تغيير المجتمع نحو الأحسن والأفضل، إن أجسادنا لا ترسم لنا أهدافنا، بل قيمنا هي التي تحدد طبيعة استخدامنا لقدرتنا الجسمية والذهنية.

إن تغيير القيم او تنميتها عملية ضرورية لابد منها وذلك لان القيم تؤثر بالسلوك والممارسات السلوكية تأثيراً مباشراً بما ينعكس على تطور المجتمع سلباً أو إيجابا حسب نوع القيم السائدة فيه، وإذا كانت هذه الإستراتيجية او الهدف من تغيير القيم ، فآن الفكر السياسي السائد في المجتمع لابد ان يراعى عند القيام بتغيير او تنمية القيم مما يجعل التغيير يسير في طريق مفتوح، كما ان عملية تغير القيم والممارسات السلوكية تحتاج إلى عدة وسائل لتحقيقها منها مثلاً تعميق الوعي الاجتماعي والسياسي عند الأفراد وتبصيرهم بسلبيات القيم الضارة إيجابياً وإيجابيات القيم الإيجابية فضلاً عن ربط عملية التغير القيمي الإيجابي، أي تغيير القيم من سلبية إلى إيجابية بالجانب الديني أي أن تغيير القيم يخدم الدين ويعزز مواقعه في المجتمع ويمكنه من إصلاح الفرد والجماعة فضلاً عن ذلك ربط التغيير القيمي بالجانب الأخلاقي والجانب الوطني الذي يجعل من الفرد أداة في مواجهة التحديات السياسية والأمنية التي يواجهها المتجمع.

هذه الوسائل التي ذكرت قادرة على كبح جماح القيم السلبية وتعزيز ونشر القيم الإيجابية وإعطاء فرصة للمسؤولين والقادة الاجتماعيين والسياسيين من تحقيق الأهداف المنشودة، ويسرع من عملية التغيير القيمي. ان التنمية السليمة تهدف إلى خير الإنسان في الوقت الذي تركز على جهده فهو وسيلتها وهدفها في آن واحد، وتتطلب فكرة التنمية تغييرا جذرياً في فكر الإنسان وقدراته وسلوكه، يناقش القائمون على العملية الاجتماعية والسياسية في المجتمع حول احتياجات أجيال المستقبل والذي يترتب علية الاقتراح القائل بان اعتبارات تحقيق العدالة بين الأجيال في استعمال الموارد الطبيعية تتطلب من الأجيال الحاضرة أن تحول دون حدوث أي تدهور لا يمكن عكس اتجاهه، وفي مجتمعنا الإسلامي نلاحظ الإسلام عندما جاء فإنه لم يلغ كل القيم والعادات والتقاليد القديمة حيث بدأت القيم والعادات والتقاليد التي سادت في فترة ما قبل الإسلام تتغلغل في جسم المجتمع الإسلامي مما أدى إلى محاولات توفيقية بين الشرع الإسلامي من جهة والعادات والتقاليد من جهة أخرى الأمر الذي أدى إلى ظهور قيم وعادات جديدة تتماشى مع المجتمع كانت نتاجا لتصارع القديم والحديث، ومع تقدم العلم والمعرفة اصبح التغير القيمي مسؤولية الجميع وخاصة المخططون على كافة الأصعدة الذين يستطيعون ترسيخ القيم الإجتماعية والقضاء على القيم السلبية التي تعيق تقدم وتماسك المجتمع.

الکاتب: د . مكي عبد المجيد