دور الحوزات العلمية في عصرنا الحاضر[1]

الحمد لله كما هو أهله ومستحقه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: (مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[2].

1ـ إنّ الحوزات العلمية المعاصرة ومنذ عصر الغيبة الكبرى تَعدّ حاضنة الثقافة الشيعيّة، وعقلها المتفكّر والمتطور والمتحضّر، المواكب لكلّ عصر وفي كل مصر، آخذةً بنظر الإعتبار الحداثة والعصريّة مع الحفاظ على الأصالة والحفاظ على السنن والتراث العظيم في كل مجالات العلوم والفنون، والتي تبتني على الفهم والفقه الأكبر في العقائد وعلی ذات الإنسان وعقله، والفقه الأوسط في الأخلاق وتبتنی علی صفات الإنسان وقلبه، والفقه الأصغر في الأعمال وأفعال الإنسان وجوارحه.

وإعلم إنّ رأس الهرم في الحوزة هي المرجعية المباركة التي تنوب عن صاحب العصر والزمان نيابةً عامةً. بما ورد في النصوص المعتبرة المفيدة للعلم، وكان مراجع التقليد ولا يزال هم في رأس الهرم والقمّة الشامخة عند الشيعة الكرام.

2 ـ والملاحظ في سلوك الحوزويين منذ اليوم الأوّل، هو الإصرار على التراث العظيم كالأصول الأربعمأة، وحفظ سنن السلف الصالح، والذي يدعمه جهود وتضحيات الآف الفقهاء العظام، وعباقرة العلم وأساطين الفقه والأصول والعلماء الكبار، ولابدّ من حفظ ذلك وعض النواجذ عليه، وبذل النفس والنفيس لصيانته وبقائه حتى ظهور صاحبها الإمام المنتظر عليه‏السلام.

3 ـ ولابدّ من الإحتراز الأكيد عن الإختلاف المشين الذين يوجب تفتيت وحدة الحوزة وجمع شملها الميمون، ممّا يوجب ضعفها وتغلل الأعداء، ومن يتربص بها السوء في أوساطها، لإفشال برامجها المتطورة، وزعزعت أركانها، وتحطيم كيانها المرصوص بمعاول الفرقة والشقاق والنّفاق، فالحذر الحذار من الاختلاف الهدّام.

4 ـ من أكبر إمتيازات الحوزات العلمية عند الشيعة هو إستقلالها. بكل ماللإستقلال من معنى ، فإنها مستقلة في نظامها ومنظومتها وفي سياساتها وإقتصادها وشؤونها، لغنائها النفسي بعلومها ومعارفها الربانية المستمدة قوّتها وعزّتها من الثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة محمد وآل محمد عليهم‏السلام.

نسأل الباري جلّ وعلا أن يحفظ حوزاتنا ورجالها الأفذاذ، في كل المجالات الحوزوية، في التربية والتعليم، والتدريس، والتأليف والتصنيف، والقيام بالأمور الإجتماعيّة والثقافية، وما فيه نفع النّاس وهدايتهم وإرشادهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

ثمّ المحوزات المعاصرة إنّما هي منطلق ربّاني وإلهي، ومصدر شعاع علمي ومعرفتي لكلّ العالم حتى ربّات الحجول كما ورد في الحديث الشريف، فإن عالمنا اليوم بكلّ أطيافه وقوميّاته وتياراته الفكرية والسلوكية ينظر إلى الحوزويين بنظرة متلهفة ومتعطّشة للعلم والمعرفة، فلابد للحوزة من الإستقبال الفكري للأمة الإسلاميّة جمعاء بل وللبشرية، وإرشاد الأنظمة السياسية وهدايت الحكومات، وإرشاد الناس وموعظتهم وسوقهم في حياتهم المعاشية والعادية إلى السعادة والهناء والعدل والإحسان والحريّة والكرامة الإنسانية، الحوزات برجالها الأخیار ورثت الأنبياء والأوصياء، ومن أبرز أوصاف الأنبياء إستقلالهم في العلوم، وهداية النّاس، وإقامة العدل والقسط، وحينئذٍ كل من ينتمي إلى الحوزة منذ يومه الأوّل ويتشرف بهذا الوسام العظيم أنه طالب حوزوي فإنّه سلك طريقاً إلى الجنّة، وتضع الملائكة أجنحتها له تبركاً به، وتستغفر له ما في الكائنات حتى الحیتان في البحر. وكان من ورثة الأنبياء في التربية والتعليم.

وإذا كانت الحوزات ـ والعياذ بالله ـ تمدّ يدها إلى نظام سياسي كالدّولة والحكومة، فإنها لا تتمكن من أن تعمل بمسؤوليتها الإلهيّة، وأن تحافظ على إرث النبوة والإمامة، بل تكون من وعاظ السلاطين وأُجراء الدّولة الحاكمة کما کان علیه وعّاظ خلفاء الجور.

5ـ ولذا ورد في الحديث الشريف: «من اكتسب بغير فقه فقد إرتطم» و«التاجر فاجر ما لم يتفقّه» فهذا من التمثيل ولا ينحصر بالتجارة والكسب، بل الأمر كذلك في السلطات الثلاث في الدولة والحكومة، فان السلطة التشريعية إذا لم تتفقه فقد ترتطم وتکون من الهالكين، وكذلك السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، فلابد من محوريّة الفقه في تعاملهم وتفاعلهم مع قضايا الحياة والمجتمع والدولة والأُمّة. وعلى كل الأصعدة ومن كل الجوانب والجهات. فالسياسة التي لا تحوطها الفقاهة، فإنها ترتطم وتتحطم وتبتلى بالسفاهة وخفة العقل، وكذلك الاقتصاد یرتطم بالرّبا القاتل والنظام الفاشل.

فمن مسؤوليات الحوزات العلمية أن تقف أمام من يحفر الحفيرة للضرر والإضرار، وكذلك عليها أن تطّم الحفائر الهالكة.

6ـ تكامل الفقه:

ثم لابدّ للفقه الحوزوي من تكامله في قواعده وأصوله، في دائرتي العقل النظري والعقل العملي، أي في النظرية والتطبيق. من المفروض أن يكون فقهاً يموج بالحيويّة والنشاط، وعناصره الحیویه لا فقهاً میتاً وفیه تقلید الماضین والجمود علی أفکارهم وأرائهم وفقاواهم، وغلق باب الاجتهاد الحي، بل الفقه بحیاته يتلائم مع العصرنة والحداثة مع حفظ الأصالة، ويتفاعل مع المجتمع بكل طبقاته ومع الأنظمة السياسية ومع الحكومات ايجاباً أو سلباً، فإذا كان الفقيه يبحث عن البقاء على تقليد الميت فلمن قلّد حياً ثم مات، فإنّه يبحث عن تقليد الدولة إذا كانت تعمل بفتاوى مرجع ثم مات، فهل يجوز البقاء على تقليده؟

ثم رأس المال العلمي في فقاهة الحوزة وإجتهادها هو علم أصول الفقه، فإن هندستها تبتني على المباني والقواعد والأدلّة التي عرفت بالأدلّة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، إلاّ ان الإجماع يدخل في السُّنة إن كان كاشفاً عن قول المعصوم عليه‏السلام ودونه يدخل في الظن المطلق وهو ليس بحجة، فليس الإجماع في عرض السنة بل مصداق من مصاديقه، والعقل وأن كان في مستقلاته حجة إلاّ انه يطرح في الأُصول بلون خفيف وباهت، فلابد من تقوية هذا الجانب من تكميله وتتميمه، فإن العلم على ثلاثة أقسام:

قسمان يطرحان في الاصول وهما: العلم الإستدلالي وهو الحجة، والعلم العادي المفيد للإطمئنان، فإنّه بمنزلة العلم الحقيقي، وأما الوهم والقياس المخرج وما شابه ذلك فهو خارج من الأُصول وليس بحجة في مذهب أهل البيت عليهم‏السلام.

وهناك علم آخر يعرف بالعلم الملكوتي، وهو علم الإمام الغيبي، فهل يكون حجة نظير العلم العادي والـمُلكي، وهل يكون سنداً وحجةً للفقه كذلك، وقد أشار إلى ذلك المحقّق الكبير الشيخ كاشف الغطاء قدس‏سره، فإنّه يستدل على عدم الأخذ به، بما ورد عن الرسول الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قال: «إنّما اقضى بينكم بالبينة والإيمان» فلم يحكم بعلمه الملكوتي، إلاّ أنّه كان يحذّر النّاس بما يؤخذونه بالبينه والإيمان، أنّه إذا كان غير مطابق للواقع فإنّه یکون جمرة وقطعة من نار جهنم، ولا يقال أنّه أُخذ بالحكم النبوي فيكون حلالاً؟!

فلا يستدل بعلم النبي أو الإمام المعصوم عليه‏السلام الملكوتي والغيبي، كخروج الإمام الحسين عليه‏السلام، فإنّه كان من العلم الملكوتي، وبهذا يقال بتقسيم العلم بنحو آخر: فان منه ما هو حجة كالعلم الواقعي والعادي، ومنه ما هو دون الحجة كالوهم والقياس المخرّج، ومنه ما فوق الحجة كالعلم الملكوتي الّذي تستمد حجيته من وراء الغيب.

8ـ العقل النظري والعقل العملي:

ثم ما يدرك تارة من الفكر كالتصور والتصديق، وأخرى من النّية كالعزم والإرادة، والأوّل من العقل النظري وهو ما يُعلم، والثاني من العقل العملي وهو ما يُعمل، والأوّل انعقاد المحمول بالموضوع وهو العلم، والثاني عقد العلم بالقلب وهو الإيمان والعقيدة، وكم عندنا من العلماء من ليس له مشكلة علمية في قضية عقديّة، إلاّ إنه مبتلى بالمشكلة العملية في تلك القضية، فإنّه يقيم الأدلّة القاطعة على أنّ الغيبة كمن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، ولكنه في مقام العمل لم يكره ذلك بل يستغيب من دون مبالاة.

والعقل العملي (ما عبد به الرحمن وأُكتسب به الجنان)، فلو إنعقد العلم بالقلب عقد مستحكماً كان إيماناً راسخاً، لا تحرّكه العواصف كالشبهات والشكوك والنفاق والشرك، وإلاّ فربّما يكون العلم واليقين ويكون الإنكار، الأوّل بالعقل النظري والثاني بالعقل العملي ومنه قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)[3] فربما يعلم بالشي إلاّ انه لا يعتقد به.

9ـ الجوارح والجوانح:

ثم الجوارح بالنسبة إلى العقل العلمي النظري، والعقل العملي، على أربعة أقسام: فان العقل النظري مسؤول عن المدركات العلمية، والعقل العملي مسوول عن الحركة الجوارحية، والجوارح هي الأعضاء الخارجية ويقابلها الجوانح وهي من باطن الإنسان لها ما للجوارح من أحكام.

ثمّ من الآت المعرفة والعقل النظري العلمي: السمع والبصر، فمن كان سالماً في عينه، ويرى الحيّة السّامة القاتلة مثلاً، فإنّه علم بذلك، وهنا يأتي دور العقل العملي، فإنّه مع سلامة رجله يتحرك ويركض ويفرّ منها، وهذا هو الصنف والقسم الأوّل من عمل الجوارح في آلياتها المدركة كالعين والنّظر، والمحرّكة كاليد والرّجل.

وربما يرى الحيّة مع شلل في رجله، فإنّه لا يتحرك وإن علم، وهذا هو العالم المتهتك الّذي لا يعمل بعلمه. والقسم الآخر، ومن الناس يتحرك برجله ويركض، إلاّ أنّه من دون أن يرى الحيّة، فهذا عنده العمل من دون علم، وهو الجاهل المتنّسك، ومن الناس من لا يرى لعميه، ولا يتحرك لشلله، فهذا الشّقي بعينه، وهو الجاهل المحض، وعلاجه بالعلم والعمل ما لم يكن جهله مركباً.

والإيمان هو الّذي يوجب العمل وليس العلم، فالطمأنية والتفاعل إنّما هو نتيجة العقل العملي، فربما يعلم إلاّ انه لا يكون العلم باعثاً ومثیراً للنشاط، ومما يوجب العزيمة والحركة، فهذا هو العالم الّذي لا يعمل بعلمه.

10ـ قطع القطّاع:

وفي علم أصول الفقه إذا قيل قطع القطّاع ليس بحجة، فإنّه يقصد منه ذلك الصنف الّذي يعمل من دون علم، فهو كالأعمى الّذي يرکض ، فإنّه لا محالة يرتطم ويقع في حفرة أو غير ذلك من المهلكات.

ولذا ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه‏السلام: العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان، فبعلم الأديان حياة النفوس، وبعلم الأبدان حياة الاجساد، وإعلم ان الأديان أشرف من الأبدان وحراسة الأديان أوجب من حراسة الأبدان[4].

وإذا قيل في أصول الفقه: إنّ تمايز العلوم بالأغراض لا بالموضوعات والمحمولات، فإن نتيجة الجمع بينه وبين الحديث الشريف: أن علم الأبدان كالطب إذا كان غرض الطبيب من ذلك التقرب إلى الله سبحانه والعمل بسمؤوليّته كما لو ذهب إلى جهات الحق ليداوي المجروحين، فهذا من علم الأديان، وإذا كان الفقيه لا يذهب إلى جبهة الحق ليقوم بمسؤوليته ويبقى في مدرسته وكتابه، فهذا من علم الأبدان.

فالطبيب إذا جعل علمه في خدمة الحق وعمل بأمر الحق، كان من علم الدين، ثم الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وهذا يعني أنّ عليك أن يخرج ريشك وجناحك، ثم عليك بالطّيران، وإذا كانت الملائكة أولى أجنحة مثنى وثلاث، فكذلك أنت يا طالب العلم.

10ـ الغرض من طلب العلم:

ثم الغرض من العلم في حوزاتنا العلمية المباركة هو الإنذار كما هو صريح الآية الكريمة ـ آية النّفر ـ (وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ) فياترى أي خطيب وإمام جمعة وعالم ومدرّس ومبلّغ يكون كلامه ناقذاً أو منذراً، فإنّ النّبي الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم عندما كان ينذر قومه يحمّر وجهه، فكان منذراً ومبشراً وسراجاً منيراً، وشاهداً ومشهوداً.

فالعالم الّذي يعمل بعلمه، وآمن بما علم بإيمان راسخ وملكات فاضلة، فإنّه بإنذاره يتأثر النّاس ويتغيّر الفرد والمجتمع إلى الأفضل، وإلى الورع والتقوى والصلاح والإصلاح، والله الهادي إلى الصواب، وهو من وراء القصد.

11ـ وفي الختام:

بلطف الله وتوجهات النبي وآله وعناية صاحب الزّمان الإمام الحجة ولي الله الأعظم عجل الله فرجه الشريف لا زالت وستبقى حوزاتنا المباركة مستقلة إستقلالاً تاماً، غنيّة بما عندها، وإنّما تحتاج إليها الأُمّة علی اختلاف أطیافها وطبقاتها، کما تحتاج إلیها الأنظمة والدّول، فإنّه من ساس أوقضى أوقنّن بغير فقه فقد إرتطم وضلّ وأضلّ، وإذا تفاعلت الحوزة العلمية في تقديم خدماتها للدوّلة الإسلاميّة، فإنّه من باب ِ (سيد القوم خادمهم) وإذا قيل لطالب العلم عليك بالدّرس، وأنا أتكفّل رزقك، فإنّه يطمئن قلبه، وإنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وإذا كان الناس يطلبون رزقهم، فإن طالب العلم الرزق يطلبه، فهو مطمئن البال ما دام يطلب العلم لله، ومن تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله دُعي في ملكوت السماوات عظيماً، وهذا من العقل العملي، ويتعلق بالعقد القلبي، ولا يكون إلاّ بالإيمان الكامل بالعلم النافع والعمل الصالح.

(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الاْءِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

اللّهم وفقنا لما تحب وترضی وأسعدنا في الدارین واحفظ حوزاتنا من کل بلاء وشین، وأرحم علمائنا الماضین واحفظ الباقین، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين

__________

[1] إقتباس من محاضرة لأحد المشايخ الكبار.

[2] التوبة: 122.

[3] النمل : 14 .

[4] الأثنى عشرية: 12.

الكاتب: السید عادل العلوي