دور الفرد في بناء المجتمع

لابد في المجتمعات التي تريد الارتقاء بنفسها من السعي أولاً لبناء الفرد الواحد في المجتمع والانطلاق منه لدائرة أوسع في شمولها للأفراد وتتسع في هذه الدائرة حتى تشمل المجتمع كله وعند ذلك فإن تحصيل العمـل كجماعة متكاملة يمكن أن يوجد حالة من التكامل الإيجابي الذي هو الأساس في بناء أي حضـارة وفي واقعنا الإسلامي فإن الحضارة الإسلاميـة تعدّ خير شاهد على ذلك، فالحضارة الإسلامية انطلقت من الفرد وكان الفرد مادتها الأساس بدءً بشخص النبي۵ وسلوكه المثالي وانتهاءً بالتشريعات السماوية التي جاء بها والتي ركزت كثيراً على الفرد كمادة للبناء الحضاري استطاعت أن توجد عملاً جماعياً استطاع أن ينقل المسلمين من بداوة الصحراء وجاهليتها إلى أن يكونوا من أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية أن لم تقل أعظمها فعلاً.

المجتمع العراقي مشاكل جمة

ويعاني المجتمع العراقي العديد من المشاكل الناجمة عن تجاهل الأفراد لدورهم في تركيبة المجتمع وعدم وعيهم إلى أنهم لبنة في البناء الاجتماعي يؤدي تصدعها إلى مشاكل في البناء كله ولا يستشعر الأفراد أو يتجاهلون كونهم جزء من المشاكل التي تسود المجتمع عموماً ولذلك فإنهم يشرطون لإصلاح أنفسهم صلاح المجتمع أولاً وهذه رؤية عكسية تماماً للإصلاح إذ أن المجتمع ما هو إلا مجموع الأفراد وبالتالي لا يمكن أن يصلح إلا عن طريق إصلاح أفراده فيشكو الكثير من ظاهرة الفساد الإداري واستشرائها في المجتمع وما تسببه من آثار سلبية عليه لكنه يمارسه بنفسه أما باستغلال منصبه فيكون فاسداً أو بدفع الرشى للآخرين فيكون مفسداً متذرعاً بان ذلك الطريق إنما هو لتخطي الروتين وانه الوحيد لإنجاز ما يريد وكذلك أيضاً ظاهرة الوساطة حيث ما من أحد إلا ويشكو من تأثيرها السلبي لكنك في الغالب تجد الأفراد يمارسوها بشكل كبير غير ملتفتين إلى أنهم جزء من هذه المشكلة وغير ذلك من المشاكل التي تضرب بالمجتمع.

الحكومة ودورها في الحل

مما لا شك فيه أن الحكومة التي خرجت من رحم البلاد وانبثقت عن عمل جماعي رائع وملحمة وطنية تمثلت بالانتخابات هي أول من تتوجه إليه الأنظار للبحث عن الحلول الناجحة لتجاوز مشاكل المجتمع، وعلى طريق الحل فانه لابد أولاً من تحديد المشاكل التي يعاني منها المجتمع عموماً بدقة تامة وتحدد منشأ هذه المشاكل بصورة دقيقة وهذه مهمة ليست باليسيرة كما تبدو لأول وهلة ولذلك فإنه لا يستطيع المسؤول الفلاني هنا أو هناك تحديد هذه المشاكل بشكل مستقل ومرتجل فضلاً عن معالجتها لذلك فانه لابد من تشكيل خلية عمل كبرى تضم من كبار المختصين في مختلف المجالات لتعكف على دراسة المجتمع العراقي وتحديد مشاكله للبداية في علاجها ومن ثم وضع برامج لمعالجة هذه المشاكل دفعة واحدة مع الأخذ بنظر الاعتبار الأولويات والتعاطي مع المشاكل بما يناسب حجمها تماماً مثل ما يفعل الطبيب مع مريض يشكو مثلاً من داء السكري وضغط الدم وطفحاً جلدياً فإنه يصف دواء لكل من الأمراض السالفة دفعة واحدة غايته انه يركز على الأوليين دون الأخير أن مثل هذه الخطوة ـ تحديد المشاكل ـ يمكن أن تعد الخطوة الأولى الصحيحة على طريق معالجة مشاكل المتجمع العراقي ومن المفيد جداً أن نستعين ببعض الخبرات في التخصصات المفقودة في سبيل معالجة هذه المشاكل لاسيما الخبرات المتميزة لوجود الشبه الكبير بين الوضع الذي نعيشه في العراق الآن وبين الوضع الذي عاشته المجتمعات المتقدمة في فترة سابقة فنكون بذلك قد بدأنا من حيث انتهى إليه الآخرون لا من الصفر.

وثانياً فإنه بعد تحديد المشاكل فإنه لابد من وضع الحلول الناجحة والمدروسة لهذه المشاكل وتأمين كل ما من شأنه إنجاح الهدف ومن غير الغريب أن يكون الحل لمشاكل بالحجم الذي يعيشه المجتمع العراقي حلا استثنائياً قد ينطوي على ما لا يرتضى في وضع طبيعي ونظراً إلى أن المجتمع العراقي مجتمع مسلم وان التشريع الإسلامي ركّز كثيراً على إصلاح الفرد والمتجمع من خلال التشريعات الإلزامية فإنه من المناسب جداً أن تأخذ عملية تفعيل المعالجات الإسلامية للمشاكل دورها في الحل وذلك من خلال نشر الوعي الإسلامي وبيان الآراء الشرعية في قضايا المجتمع المهمة مما سيكون له الأثر الكبير في تطوير الرقيب الذاتي لسلوك الفرد وهو جانب مهم جداً يغني في كثير من الأحيان عن الرقيب الخارجي فالجريمة مثلاً التي انتشرت في العراق عقب غياب الرقيب والقانون الخارجي بعد سقوط الصنم كانت أقل من معدلاتها كثيراً من الجريمة التي تجتاح المتجمعات المتحضرة فيما لو غاب القانون عن الشارع والأرقام التي نشرت عن مستويات الجريمة عقب التظاهرات التي غيبت سلطة القانون في تلك الدول تؤكد ذلك، لقد جرى الاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة بشكل واسع بينما لم يحصل ذلك في العراق حيث أن السلب طال الممتلكات العامة الحكومية مما يعني أن الرادع أو الرقيب الذاتي هو عامل مؤثر بشكل كبير في مجتمعنا لا تمتلك الدول المتقدمة نظيره وإضافة إلى ذلك فإنه لابد من ابتكار وسائل معالجة رديفة ووضع قوانين وتشريعات تعمل ضمن نظرية الثواب والعقاب فالمتميزين في الخدمة الاجتماعية لابد أن يشدّ على سواعدهم وثمرات العمل الفردي الصالح يمكن أن تترجم ببرامج توضح آثارها فيما لو عمت المجتمع بأسره وأما المقصرين فانه لابد من سن قوانين عقوبات صارمة جداً بحقهم أن المتجمع يعاني كثيراً من ممارسات السلوك الفردي الانتهازي الذي لا يراعي مصلحة المجموع لذلك فان قانوناً صارماً بحق هؤلاء ولو بشكل استثنائي لن يكون أمراً مستهجناً بل سيكون مقبولاً بدرجة عالية بل سيكون محل ترحيب كبير لقد اثبت العراقيون وعلى مدى أكثر من سنتين مرت أنهم شعب يمتلك الكثير من الخصائص الإيجابية وإذا ما تصدى لقيادتهم ساسة يتمتعون بدرجة عالية من الحرص على مصالحه فإنه سيتعافى بسرعة كبيرة من كل الآفات التي لحقت به طوال سنين من التخريب المقصود لسلوكياته وخصوصياته وتبقى الآمال معقودة على ما ستتمخض عنه الأيام القادمة من الخطوات نحو الحل التي ستتخذها الحكومة الوطنية.

الکاتب: أحمد عبد الحمزة الشيباني