مهدی

دولة الإمام المهدي(ع) ورسالات الأنبياء

حينما نطالع القرآن الكريم ونتأمّل، نجد هنالك حقيقة مُسلمة يؤكد عليها القرآن وهي ان الرُسل جميعاً جاؤوا من أجل اقامة حكومة عادلة يعمها القسط والعدل وان الامامة كانت دائماً على مدى التاريخ جزءاً من مهمة الرُسل، وجزءاً من رسالات الأنبياء، وان كل رسالة كانت تتضمن امامة، وان كل رسالة كانت تصحبها إمامة ضمنها، إمامة لإقامة القسط والعدل في مجتمع الانسان. قال الله تعالى في كتابه الكريم (لقد أرسلنا رُسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالسقط) هذه الآية تؤكد بصراحة ان جميع الرُسل بُعثوا من أجل أن يقوم الناس بالقسط، فقيام مجتمع القسط في العالم كلّه هو الغاية التي كان يدعو لها الأنبياء والرّسل على مدى التاريخ، وإذا طالعنا سائر آيات الكتاب الكريم وجدنا ان الرسالة تتضمن مسؤولية اقامة المجتمع العادل على وجه الأرض ولعلّ فرقها الأساس عن النبوة المحضة يتمثّل في أنّ النبوّة المحضة هي عبارة عن ابلاغ أمر الله ونهيه.

أمّا الرسالة فليست هي مجرد ابلاغ الأمر والنهي وإنما هي ابلاغ الأمر والنهي مع تنفيد وتطبيق الشريعة الإلهية على وجه الأرض في صورة اقامة مجتمع عادل تحكمه الفضيلة والتقوى.

عندما نطالع آيات سورة الشعراء نجد أن القرآن الكريم يحكي عن لسان الأنبياء جميعاً أنهم دعوا الناس إلى تقوى الله وإلى اطاعتهم (إنّا أرسنا نوحاً… إنّا أرسلنا هوداً… إنّا أرسلنا صالحاً… إنّا أرسلنا شعيباً…) وعلى مدى التاريخ فماذا كانت دعوة هؤلاء الأنبياء جميعاً؟

كانت دعوتهم تتلخص بكلمتين اتقوا الله وأطيعوني أنا القائد الذي بُعثت إليكم من قبل الله سبحانه وتعالى، بُعثت إليكم لأقودكم من أجل اقامة مجتمع القسط والعدل، بُعثت من قبل الله لأقيم حكومة العدل والقسط فأطيعوني في الدعوة إلى تقوى الله وإلى اطاعة الرسول بما هو حاكم وقائد وولي للأمر، الذي يشهد لهذا المفهوم الذي يشهد ان المراد من «أطيعوني» هو اطاعة الرسول بما هو قائد سياسي يدعو إلى اقامة الحكومة العادلة وإلى اقامة مجتمع القسط الذي يدل على ذلك قرائن كثيرة في هذه الآيات، منها:

إنّ الطاعة هنا نُسبت إلى النبي نفسه (اتّقوا الله وأطيعون) ولم تقل الآية اتقوا الله وأطيعوهُ وإن كانت طاعة النبي والرسول طاعة لله سبحانه لكن في نسبة هذه الطاعة إلى الرسول دلالة على ان هذه الاطاعة هي اطاعة الحكم اطاعة للرسول بما هو حاكم وليست اطاعة للرسول فقط بما هو مُبلغ لأمر الله ونهيه، والقرينة الأخرى التي تدل على ان هذه الاطاعة هي اطاعة للرسول بما هو حاكم قوله تعالى في ضمن هذه الآيات نفسها في سورة الشعراء حينما يحكي رسالة صالح (ع) ماذا يقول صالح لقومه (اتّقوا الله وأطيعوني ولا تطيعوا أمر المسرفين الّذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) هذه التقابل الذي تقيمه هذه الآيات بين اطاعة الرسول وبين اطاعة المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون والتي تدل على ان الرسول كانت مهمته تتلخص في ان يرفض طاعة المفسدين وان يدعو الناس والجماهير إلى رفض طاعة المُسرفين والمفسدين والدعوة إلى طاعته هو كحاكم عادل يدعو إلى اقامة مجتمع القسط والعدل، هذه الآيات كالصريحة في ان دعوة الأنبياء إلى طاعتهم إنما كانت دعوة إلى طاعتهم بما هم حُكّام سياسيين يدعون إلى قيادة سياسية تطبق العدل والقسط في مجتمع الانسان، يقول تعالى: (فاتّقوا الله وأطيعوني ولا تطيعوا أمر المسرفين الّذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون).

وحينما نطالع الآيات القرآنية الكثيرة الأخرى نجدها جميعاً تؤكد على هذا المفهوم، بل لو دقّقنا في آيات القرآن وتأملنا لوجدنا ان القرآن الكريم كلما دعا إلى التوحيد وكلما دعا إلى عبادة الله الواحد إنما أراد من التوحيد ما يشمل توحيد الطاعة أيضاً فحينما يقول الأنبياء (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) يقصدون بذلك اعبدوهُ في كل سكناتكم وفي كل حركاتكم والعبادة التي نفهمها من قرآننا معناها الذي نفهمه من القرآن الكريم ومن آيات الكتاب ان العبادة تعني التسليم لله سبحانه وتعالى في كل فعل اختياري يقوم به الانسان عن شعور ووعي.

معنى العبادة أن يكون الانسان مطيعاً لله سبحانه وتعالى في كل فعل اختياري يقوم به عن ارادة ووعي، ومضى التوحيد في العبادة بمعنى التسليم لله سبحانه وتعالى واطاعته ورفض اطاعة غيره، فكل اطاعة لغير الله سبحانه إذا لم تنته إلى طاعة الله فهي طاعة للطاغوت بتصريح الآيات القرآنية وبصراحة في الروايات الكثيرة التي وردت عن المعصومين سلام الله تعالى عليهم كل طاعة في الأمور الاختيارية، كل تعبد بأمر انسان ما لو يكن هذا التعبد ولم تكن هذه الطاعة بإذن من الله سبحانه وتعالى وبسماح له لو لم تكن هذه الطاعة تنتهي إلى طاعة الله سبحانه وتعالى فهي خارجة عن عبودية الله سبحانه وتعالى هذا المفهوم يمكن أن نفهمه من آيات الكتاب بوضوح.

كل هذا وغير ذلك يدلنا على ان الرُسل جميعاً جاؤوا من أجل اقامة مجتمع لا يُطيع غير الله سبحانه، مجتمع لا تكون القوة والقدرة للأمر والنهي فيه إلاّ لله سبحانه وتعالى، يقول عزّ وجلّ: (ولله الحمد في الاُولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون) فلله الحكم هو الذي يحكم ويأمر وينهى، هو الذي يُطاع وليس غيره.

هذا المفهوم نفهمه من مجمل آيات الكتاب الكريم، فإذا عرفنا ان الرسالات كلّها جاءت لتقيم مجتمع القسط والعدل فإذا وصلنا في سلسلة هذه الرسالات إلى الرسالة الخاتمة وهي رسالة نبينا محمّد (ص) هذه الرسالة الخاتمة هي الرسالة التي على عُهدتها ان تقيم المجتمع القسط الذي يستمر إلى أبد الدهر، مجتمع القسط الذي يحكم إلى النهاية لأن الرسالة رسالة خاتمة ليست هذه الرسالة رسالة تنتظر رسالة أخرى بعدها تُكملها أو تقوم بدورها أو تحل محلها، فهي رسالة خاتمة ومعنى الرسالة الخاتمة يعني أنها الرسالة التي تقيم مجتمع القسط الذي دعا إليه الأنبياء وبه تتحقق أهداف الأنبياء وبه تتحقق الغاية التي بُعث من أجلها الأنبياء.

لابدّ لهذا المجتمع الذي يقيمه الرسول (ص) والذي جاء لتحقيقه الرسول أن يكون المجتمع الذي به وإلى ساحله ترشو سُفن المجتمع البشري إلى نهاية الحياة، هذا هو المفهوم الذي نفهمه من قرآننا ونفهمه من سنة النبي (ص) مما لا مجال فيه للشك والريب.

إذن فلا بدّ للامامة التي تتضمنها هذه الرسالة ان تكون امامة مستمرة إلى قيام هذا المجتمع الذي سوف يستقر استقراراً نهائياً على وجه هذه الأرض، لابدّ لهذه الامامة من أن تكون امامة يتحقق على يديها هذا الحكم، وهذه الغاية الكبرى التي بُعثت من أجلها الأنبياء (ع) على مدى التاريخ ولذلك كان لابد للامامة التي تتضمنها رسالة النبي (ص) أن تكون امامة مستمرة من بعده وتشير إلى نقطة وهي ان الآية الكريمة أكدت ان الامامة أمر منزل من الله سبحانه وتعالى، يقول عزّ وجلّ: (لقد أرسلنا رُسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) الكتاب هو التشريع ولكن الميزان هو قوة الامامة يشهد لهذا كثير من آيات القرآن الكريم، فالانسان الذي يتتبّع آيات القرآن ويتتبع أحاديث النبي (ص) يعرف ان المقصود بالميزان هو قوة الامامة وهي تلك القوة التي بها يُصبح انسان ما فِعله وقوله وحركاته وسكناته ميزاناً لرضا الله سبحانه وتعالى، ميزاناً للحق والعدل، «عليٌّ مع الحق والحق مع عليّ، يدور معه حيثما دار» هذه هي حقيقة الميزانية التي تمثلت في أمير المؤمنين سلام الله تعالى عليه بعد الرسول وهذه الحقيقة كانت متمثلة في سُلوك الرُسل، الذين كانوا هم الموازين وفي روايتنا الكثير مما يدل على انه المقصود بالموازين والميزان هم الأنبياء والأوصياء.

الإمامة هي الميزان، الامامة حينما كانت هناك رسالة الامامة ضمن الرسالة كان الرسول (ص) رسولاً اماماً في وقت واحد، كان قد أُنزل عليه الكتاب وقد أُنزل عليه الميزان ولكن الكتاب خُتم بنبينا محمّد (ص)، أما الميزان فالمجتمع البشري بحاجة إلى الميزان على مدى الدهر، ولأن المجتمع البشري بحاجة إلى تطبيق العدل على مدى الدهر ولأن المجتمع البشري بحاجة إلى اقامة القسط على مدى الدهر واقامة القسط والعدل، لذا فهو بحاجة إلى إمامة مستمرّة وإلى ميزان قائم على مدى الدهر، هذا الميزان هو الذي يتمثل في الأئمة المعصومين (ع) وهذا الذي يتمثل في الإمام المهدي صاحب العصر صلوات الله تعالى عليه ولذلك جاءت الروايات تؤكد على انه لو لم يبق من عمر هذه الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يظهر ذلك الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، لأنه لو لم يظهر هذا الذي وعد الله به، لو لم يظهر هذا الإمام الذي وعدنا الله سبحانه وتعالى به لأنتفت النتيجة والغاية التي بُعثت الأنبياء والرّسل من أجلها وهي إقامة المجتمع العادل ومجتمع القسط على وجه هذه الأرض، يقول عزّ وجلّ: (انّا أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) أرسلنا كل هؤلاء ليقوم الناس بالقسط، هذه هي الغاية التي بُعث من أجلها الرُسل والأنبياء فلا بدّ لهذا الإمام الذي هو الميزان الذي به يُوزن الحق وبه يُوزن العدل وبه وبسلوكه وبهدايته وبقيادته وبامامته يُطبق العدل الصريح والعدل المحض على وجه هذه الأرض ولابدّ من ظهور هذا الإمام لكي تتحقق الغاية التي وعدنا الله سبحانه وتعالى بها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعجِّل في فرجه وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، إنّه سميع مجيب.

الکاتب: الشيخ محسن الأراكي