خدیجه

ذكرى المرأة العظيمة

إنّ كلّ ذي فكرة ثورية جديدة طامحة إلى التغيير والبناء الإنسانيّ العادل، أشدّ ما يكون حاجةً إلى النصير المعين، فكيف الأمر.. ومحمد صلّى الله عليه وآله صاحب رسالة إلهية لا مجال للتخلّي عنها أو إراحة النفس من ثقل عبئها.. بإجازة عند التعب من الكفاح ؟!

كان الناصرُ ـ في الظرف المدلهمّ ـ هو المؤمن بنبوة النبيّ ورسالته؛ فالأمر يتعدّى العلاقة العاطفية، وعلاقة القُربى، وصورةَ التضامن البيتيّ. كان الناصر يعني نُصرةَ النبيّ ورسالته نصرةً نهائية، تحت شعار السماء والأرض « لا إله إلاّ الله … ».

إنّ المؤلفين الباهتين يَعرضون صورة الحقيقة الإيمانية الأولى بهذه البساطة: « وكان أول مَن آمن به زوجه خديجة بنت خويلد، وابن عمّه عليّ بن أبي طالب »! وكأنّ الموضوع موضوع حشوة خبرية في سطر أو سطرين! لقد كان إيمان خديجة وعليّ إيماناً عجائبياً ينمّ عن الوعي العالي والجسارة الشديدة، فهو من طراز أفعال التمرّد على المجتمع والقيم السائدة. التمرّد الذي يعني الانتماء إلى العاصفة واختيار طريق المخاطر.

ولقد كان النبيّ يذكر لخديجة هذا الموقف العظيم بالشكر والامتنان، إذ كانت بحقٍّ خير زوجات النبيّ على الإطلاق.

إنّها « خديجة » زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسنده في محنة الرسالة والكفاح، وأمّ « فاطمة » الكوثر المحمديّ العظيم.

دَعُونا ـ أيها الأصدقاء ـ نَكُن في هذه اللحظات مع خديجة الكبرى في مكة أيّام المصاعب والأهوال.

في عصر الأصنام الجامدة الهامدة التي تطلّ على المدن والقرى العربية مثل حيوانات مُنوَّمة إلى الأبد.. كانت إرهاصات النبوّة والبدء بالرسالة وتلقّي وحي الله تثير ألف اتّهام وألف شكّ. وكان الرسول صلّى الله عليه وآله يستعدّ لحمل المسؤولية المصيرية الحاسمة التي لا تتوقف عند حدّ.

كان محمّد صلّى الله عليه وآله يرى أن الدروب الاعتيادية لن تكون دروبه، وكذلك الكعبة والبيوت والشوارع والعلاقات؛ لأنّ الرسالة الموحى بها سوف تفجّر كلَّ شيء. سوف تثور ثائرة أسياد قريش وأتباعهم، وسوف تنتصب بوجهه ـ في كل شارع ومكان ـ حرب التسفيه والاستنكار والمقاومة والعَداء والحرب. سوف تهبّ جميع شياطين الإنس والجنّ ـ وما اكثرَها ـ ضدّه، مسلّحةً بكافة أسلحتها المنوّعة. سوف يقف بوجه نور الكلمة المحمدية جميعُ القوى الصنميّة التي صنعت عالَم العبودية من ذهبٍ ومال، وزوّدته بأدوات البطش الباطشة.

المصدر: شبكة الإمام الرضا(ع)