ذكرى عاشوراء والحسين(ع) حقّ لشعوب الأرض

إذا ما تحدثنا عن عاشوراء الأخلاق والقيم والمبادئ الانسانيّة فهي أكثر ممَّا يصعب حصرها؛ اذ لا تخلو خطوة أو كلمة أو لحظة من لحظات ذلك اليوم الاّ وكانت متوّجة ومحمَّلة بكم وافر من المواقف الأخلاقيّة التي تغذِّي روح الانسان، سواء داخل معسكر الامام الحسين (ع)، أو من جهة تعامل الامام الحسين (ع) مع أعدائه. وبالمقابل الطريقة الخارجة عن اطار الانسانيّة التي تعامل بها الأعداء مع الامام الحسين وأهل بيته وأنصاره (ع).

من هنا يحقّ لنا بفخر أن نستذكر ونحيي ذكرى عاشوراء والحسين(ع)، كما هو حقّ لبقية شعوب الأرض أن تحيي وتستذكر وتقدِّس عظماءها وبالطريقة التي تراها؛ لأنّ الاُمّة الواعية هي التي لا تتنازل عن تأريخها، خصوصاً عندما يمسّ كرامتها وحريتها، وعندما يرتبط الأمر بالدفاع عن فكرها الذي آمنت به عن وعي وادراك وعن عظيم كالحسين (ع).

يقول الهندي «تاملاس توندون» : هذه التضحيات الكبرى، من قبيل شهادة الامام الحسين، رفعت مستوى الفكر البشري، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى الى الأبد، وتُذكر على الدوام. شهداء عاشوراء ها هم الى اليوم أحياء، نستذكرهم واحداً تلو الآخر في أيَّام احياء عاشوراء؛ لأنّ ذكراهم احياءٌ للانسان، أيّ انسان، ذلك الذي يترجم مفاهيم عاشوراء ويخرجها من اطارها التاريخي الى واقعنا الحالي.وما تبيان مظلوميّة هؤلاء الأحياء الشهداء، وشحذ العاطفة تجاههم؛ الأمر الذي دعا اليه أئمة الهدى (ع)، الاّ لترسيخ مبادئهم الاسلامية، واحياء قيمهم ومفاهيمهم الفكريّة والدينيّة والأخلاقية في نفس كل انسان.

من النقاط المهمة التي يجب أن نتذكرها دائماً عند الحديث عن الفاجعة الكربلائية انها قضية التآخي في الله والاعتصام في كل حدث وفي كل موقف من مواقف الحياة، وبما أن الحركة الحسينية هي حركة التآخي بين المؤمنين، فقد كان لخروج أهل بيت الحسين (ع) دلالة عميقة على الأبعاد الروحية لعملية التآخي تلك.

الأبيض والأسمر والأسود في جيش الامام الحسين(ع)، حكمة خفية أراد الامام(ع) اظهارها

فالكل يعلم أن الامام الحسين (ع) كان قائداً لجيشه الصغير المكون من بعض الشباب والرجال وحتى من النساء والأطفال، وكان ضمن جيشه الصغير وجوه عربية ووجوه غير عربية، وكان في جيشه البالغ على بعض الروايات (۷۳) شخصاً فقط، الأبيض والأسمر والأسود، وهذا يعني أن هناك فلسفة وحكمة خفية أراد الامام الحسين (ع) اظهارها وتوضيحها للناس من خلال ابراز أهل بيته (ع) للقيام بأدوارهم على رمال كربلاء. وعملا لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا اِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).سورة الحجرات- الآية:۱۳٫

حركة الحسين في خطّ الرسالة، حركة انسانية تتجاوز الجغرافيا وتكسر حواجز التاريخ، ولذلك فقد قال الأديب المسيحي «نطون بارا في كتابه «الحسين في الفكر المسيحي» عن هذه الحركة: «فجدير بقدسية رسالة الحسين(ع) أن يقدمها العالم الاسلامي كأنصع ما في تاريخ الاسلام الى العالم المسيحي .

فكان من أول اهتمامات القرآن الكريم أن يغرس في نفوس المسلمين مفاهيم التآخي الروحي، مركزاً على ذلك بآياته العديدة وأساليبه الحكيمة الفذّة.فمرّة يطلق التآخي في القرآن الكريم كعنوان أساس لعلاقات المؤمنين مع بعضهم البعض كما في قوله تعالى: (اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).سورة الحجرات- الآية:۱۰، وأخرى يؤكد عليه محذّراً من عوامل الفرقة، ومذكراً بنعمة التآلف والتآخي الاسلامي، بعد طول التناكر والتناحر الجاهليين، (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ اِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ اِخْوَانًا).سورة آل عمران- الآية:۱۰۳

وتنكشف الغيوم عن تلك الحكمة عندما ندرك أن الامام الحسين (ع) أراد أن يقول لنا ان المؤمنين والمسلمين أخوة لأن ثورته لا تعترف باللون الأبيض ولا باللون الأسود، وحركته لا تعترف بقومية دون أخرى، وانما كل الألوان وكل القوميات تسقط أمام ثورته وحركته لأن نهضته كانت من أجل الله ومن أجل كرامـة الانسان أينما كان فهو (ع) المحيي لشريعـة جـده (ص)، وجده بعث للناس كافة وكان رحمة للعالمين، واللافت للنظر في هذا السياق أن مفهوم التآخي يتسع في الاسلام ليشمل المسلمين وغيرهم، فالباحث في سلوك الرسول(ص) يكتشف أنه لم يكن يخص المسلمين من دون غيرهم بالتآخي، بل كان ينظر الى الانسان أينما كان وحيثما كان من منظور الاخوة الانسانية، وتلك هي الرؤية التي أمره الله تعالى أن يتعامل بها مع الناس أجمعين.

من ثَم فقد كان (ص) تعامل مع الآخرين من منطلق أنهم اخوة في الانسانية ولهم كل حقوق التآخي البشري، وهناك الكثير من الأدلة التي تثبت أنه (ص) لم يَقصر التآخي على العلاقة بين المسلمين بعضهم ببعض فحسب، بل لقد أعطى (ص) المثل والقدوة في ضرورة، بل حتمية التعامل مع الناس من منطلق التآخي الانساني.

صحيح أن القرآن الكريم قال: «اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» (الحجرات: ۱۰)، غير أن ذلك يجب ألا يفهم منه أن القرآن ينفي الاخوة والتآخي بين المسلمين وغيرهم، ويدل على صدق ما نقوله، قول الله تعالى في مطلع سورة النساء: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ اِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» (النساء: ۱) فالقرآن الكريم ينبه المؤمنين – بل ينبه الناس جميعًا – الى ضرورة الايمان بالتآخي الانساني، حيث يوضح لهم أنهم خلقوا جميعًا من نفس واحدة وبالتالي فأصلهم واحد.

تجسيد روح الوحدة الاسلامية، من ابرز مظاهر ثورة الامام الحسين (ع)

لذا من أبرز مظاهر ثورة الامام الحسين (ع) تجسيدها روح الوحدة الاسلامية نظراً الى قدسية هذه الثورة والأهداف السامية التي تسعى الى تحقيقها، فهذه الثورة الاصلاحية لم تكن ملكا لفئة دون أخرى، بل هي للانسانية جمعاء بلا تمييز بين عرق او لون. وانطلاقاً من هذه الحقائق، ان نهضـة الامام الحسـين (ع) كانت نبراساً لسائر النهضات التحريرية في العالم، كما مهدت الطريق أمام الثورات الأخرى مثل ثورة الزعيم الهنـدي «المهاتما غاندي» الذي استطاع أن يحرر الأمة الهندية من براثن الاستعمار الانكليزي البغيض، حيث وقف قائلاً بكل ثقة وصدق مخاطباً أبناء الهند: «على الهند اذا أرادت أن تنتصر، أن تقتدي بالامام الحسين».

ان الثورة الحسينية لم تكن في يوم من الأيام ارثاً للمسلمين فحسب، وانما الثورة الحسينية ارث لكل البشر باختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم وجنسياتهم ودياناتهم ومذاهبهم، ولذلك اذا أرادت الانسانية الجريحة أن تشفى من جراحها وأن تعافى من آلامها، فعليها أن تعيش كربلاءها المستمدة من كربلاء الحسين (ع)

فحركة الحسين في خطّ الرسالة، حركة انسانية تتجاوز الجغرافيا وتكسر حواجز التاريخ، ولذلك فقد قال الأديب المسيحي «نطون بارا» في كتابه «الحسين في الفكر المسيحي» عن هذه الحركة: «فجدير بقدسية رسالة الحسين(ع) أن يقدمها العالم الاسلامي كأنصع ما في تاريخ الاسلام الى العالم المسيحي، وكأعظم شهادة لأعظم شهيد في سبيل القيم الانسانية الصافية، الخالية من أي غرض أو اقليمية ضيقة، وكأبرز شاهد على صدق رسالة محمد (ص)، وكل رسالات الأنبياء التي سبقتها».

نعم، ان الثورة الحسينية لم تكن في يوم من الأيام ارثاً للمسلمين فحسب، وانما الثورة الحسينية ارث لكل البشر باختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم وجنسياتهم ودياناتهم ومذاهبهم، ولذلك اذا أرادت الانسانية الجريحة أن تشفى من جراحها وأن تعافى من آلامها، فعليها أن تعيش كربلاءها المستمدة من كربلاء الحسين (ع).

لذا يجب علينا الحفاظ على وحدتنا والتكاتف والتعاون في ما بيننا وعدم التفرقة والشقاق والتبعثر وأن ننضم جميعاً تحت راية رسول الله (ص) والذي كان هدفه تكوين مجتمع اسلامي متوحد كجسد واحد، اذا تألم عضو منه تألم سائر الاعضاء له.

الكاتب: السيد أبو القاسم الديباجي