المتفرقة » المستشرقون وآرائهم »

رأي المستشرقين حول النبي الأكرم(ص)

۱ـ قال المستشرق إدوارد كيب بن:

إن المعاني الجميلة المرسومة في وجه النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) كان لها الأثر الكبير في نفوس الناس ، فكان عندما يتحدث مع الناس ينجذبون إليه ويذعنون إليه ، ولا فرق في ذلك كون المستمع واحداً أو أكثر .

ولقد كان مؤدباً وملتزماً ومتواضعاً لا يفرق في المعاملة ، فالغني والفقير عنده سواء ، وكان قوي الذاكرة ذكياً صريحاً ، ولديه ثـقة بنفسه ، ولا يتردد في الإقدام على عمل ما ، وهذه الأخلاق السامية غطت أفكاره أنحاء العالم .

۲ـ قال المستشرق آلفونس دولا مارتين:

إذا أخذنا بنظر الاعتبار عظمة الأهداف التي حققها نابغة من البشر بالرغم من الوسائل البسيطة المتيسرة له فلا نجد في تاريخ الإنسانية غير محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

حيث أنه حرك ثلث سكان العالم وأوجد نهضة كبرى في الأفكار والعقائد والنفوس ، ودعا إلى الإسلام الذي ينفي عبادة الآلهة المزيفة التي تتوسط بين الخالق والمخلوق ، وحث على العقائد الحقة .

كما أنه ( صلى الله عليه وآله ) شيّد في الجزيرة العربية فكراً منطقياً بالرغم من شيوع الهرج والمرج في أوساط المجتمع الجاهلي آنذاك .

ولم يستطع نبي مثله ( صلى الله عليه وآله ) أن يحدث ثورة مقدسة وخالدة بمدة قصيرة جداً ، إذ لم يمضِ على رسالته أكثر من مئتي سنة حتى وصلت إلى بلاد مصر ، والحبشة ، وشمال أفريقيا ، وأكثر جزر البحر الأبيض المتوسط ، وجزء من فرنسا ، وقسماً كبيراً من أراضي إسبانيا .

۳ـ قال المستشرق استانلي لين بول:

كان النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ذا موهبة خاصة في قوة فكره ، وجماله ، وصفاء نفسه ، وكان من أخلاقه عيادة المرضى ، وتشييع الجنائز .

وكان يستجيب إذا دعاه أحد إلى وليمة ، ويخيط ثوبه بنفسه ، ويحلب شاته ، ويقوم بأشغاله المنزلية بنفسه ، وإذا صافح أحداً لا يرفع يده من يد صاحبه إلا أن يكون الطرف المقابل هو الرافع .

وكان يعامل من هم تحت رعايته بكل وفاء ، وكل من رآه أو عاشره أحبه ، ولم أرَ مثله في التاريخ ، لا من قبل ولا من بعد ، ويعتبر قرآنه النازل باللغة العربية آية من آيات الروعة والجمال .

وبالإضافة إلى ذلك كان النبي محمداً ( صلى الله عليه وآله ) شجاعاُ ، متواضعاً ، وعبداً حقيقياً لله عز وجل ، وكان كثير الصوم والصلاة .

وعلى أي حال فهو عادل ومنصف يحب الجميع ، وبالرغم من أنه لم يدرس في مدرسة ، استطاع بقوة شخصيته وأخلاقه خلال مدة ( ۳۲ ) سنة أن يقيم شريعة الإسلام التي تعتبر من أكبر الشرائع وأكمل الحضارات ، إلا أن ما يؤسف له أن المسيحيين في أوربا بشكل عام يحملون عنه ( صلى الله عليه وآله ) تصورات واهية .

۴ـ قال المستشرق بارتلمي هيلر:

كان النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) أعقل العرب واكثرهم تديناً وعطفاً على الآخرين ، وبهذه الأفضلية صار عظيماً .

ونحن نعتبر دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) قومه لهذا الدين العظيم نعمة كبيرة أنعمها الباري عز وجل عليهم .

۵ـ قال المستشرق بولن فيلرز:

كان النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) مشرِّعاً كبيراً وذكياً ، إذ أتحف العالمين بديناً مهذّباً .

وكان ( صلى الله عليه وآله ) الممثّل الحي للعنايات الإلهية ، أرسله الله تعالى المطَّلع على كل شيء لينقذ المسيحيين الضالين عن عبادة الأصنام ، ويجعل الفُرس عبدَة الشمس مطيعين لدين التوحيد .

منح الله تعالى محمداً ( صلى الله عليه وآله ) صفات أخلاقية رفيعة وعالية ، وأعطاه فصاحة فوق مستوى البشر ، مكَّنته من أن يغيِّر أجهل الناس وأعقلهم ، وأن ينقلهم من ضلال الجاهلية إلى الاعتقاد بالدين الإسلامي .

۶ـ قال المستشرق تولستوي:

لا شك في أن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) من المصلحين العظام الذين قدموا للبشرية خدمات جديرة بالذكر ، وكفاه فخراً أنه أنقذ مجتمعاً اعتاد على سفك الدماء والعادات الشنيعة ، آخذاً بيده نحو الرقي والحضارة الإنسانية ، وهذا العمل الفريد مما يعجز عنه أي إنسان عادي .

ولعظمة شخصية النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) فهو يستحق الإحترام والإكرام ، وسَتَسُود شريعته في المستقبل أطراف العالم لأنها تنسجم مع العقل والحكمة .

۷ـ قال المستشرق توماس كارليل:

إن أعداء محمد ( صلى الله عليه وآله ) لو ينظرون إليه نظرة حقيقية خالية من الأهواء سيفهمون جيداً أن هذا الرجل العظيم كان يحمل أفكاراً هي في الواقع فوق الطمع الدنيوي وحب الجاه والتسلط .

وعلى رغم أنف الأعداء لم يكن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) رجل شهوة أو لذة ، لكن الظالمين والمعاندين اتهموه بذلك ، أو ليس من الظلم أن نصف شخصاً مثل النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) باتباع الشهوات والملذات ؟! بينما هو في الواقع بعيد كل البعد عن ذلك .

إن الضجة المفتعلة من بعض النصارى التي تدعي بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) تزوج بتسع نساء نرد عليها بأن نقول : إن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) تزوج أكثر من واحدة بسبب ظروف أملتها عليه الرسالة الإسلامية ، وتلك قضية واضحة لا تحتاج إلى بيان .

ثم إنه وفي ريعان شبابه في سن ( الخامسة والعشرين ) هذا السن الذي تبرز فيه الشهوة اقترن بخديجة ( رضوان الله عليها ) وهي أرملة عمرها أربعين سنة ، واكتفى بها ولم يتزوج بأخرى حتى ماتت ( رضوان الله عليها ) قبل الهجرة بثلاث سنوات .

وفي الوقت الذي كان الزواج بعشر نساء أمراً شائعاً بين عرب الجاهلية ، فكيف يمكننا القول بأن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) كان صاحب لذة أو شهوة .

ثم إن هناك مسألة مهمة أخرى ، وهي ثـقل النبوة ، وهذه المسؤولية العظيمة التي كان يحملها النبي ( صلى الله عليه وآله وآله ) بالإضافة إلى إدارة دفة السياسة وتربية الناس والدفاع عن الإسلام ، وتحمل المعاناة في هذا السبيل ، فكيف يكون مثل هكذا شخص مشغول ليل نهار في إقامة الدين وتقوية أركانه أن يكون رجل شهوة أو لذة ؟!

ولا شك أن القرآن الكريم مشتمل على آيات كثيرة وبليغة في التوحيد وتعظيم مقام الألوهية ولكن الأمر الوحيد الذي برأيي يستحق التقدير والإعجاب هو النظرة الثاقبة للنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) بأسرار الأمور والتي تبدو واضحة وجلية من خلال الآيات القرآنية تاركة أثرها العميق في قلوب ذوي الفطرة السليمة .

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار السلوك العقلائي للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فذاك راجع إلى موهبة العقل التي منحها إياه الباري عز وجل .

طوبى لنبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) الذي سعى بلباسه وطعامه الخش نحو إصلاح العالم وتبليغ دين التوحيد ، فتحمل ما تحمل من الأذى في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته ، غير طامع بشهرة أو سلطة أبداً ، معتبراً تلك الأهداف النبيلة التي سعى لتحقيقها واجباً عينياً لا بد من أدائها .

۸ـ قال المستشرق جان ديون بورت:

لابد من الاعتراف بالنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) كمصلح ديني ومشرّع للقوانين ، فقد ظهر في القرن السابع الميلادي بالجزيرة العربية ، وهو بلا شك من أكبر الشخصيات التي يحق لقارة آسيا أن تفتخر به .

۹ـ قال المستشرق رودلف يوكل:

كل من عاشر نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله ) نقل عنه أنه كان محبوباً ومحترماً ، دائم الذكر لله سبحانه ، أمضى عمره في سبيل إقامة العدالة الإنسانية ، ولم يكن تأثيره مقتصراً على محبيه بل كان غير المحبين يكنون له كل الإحترام والتقدير أيضاً .

وأما الاتهامات الموجهة في أوربا لنظام تعدد الزوجات الذي دعا إليه الإسلام ، فإن هذا التشريع برأيي قد حل مشكلة كانت قد ظهرت في صدر الإسلام ، وهي كثرة النساء بسبب الحروب التي كان يقتل فيها الرجال ، لذا حث الرسول على الزواج من النساء لحل تلك المشكلة والعمل على إيواء اليتامى الذين مات آباؤهم .

۱۰ـ قال المستشرق رينولد ألين نيكلسون:

بعد بعثة النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) أُزيح ستار الظلام عن أهل الجزيرة العربية ، وأطلّوا على الأساس المحكم للسُّنَن التأريخية ، بفضل ضهوره المبارك .

۱۱ـ قال المستشرق فولتير:

في سنة ( ۱۷۶۳م ) عندما كانت أفكار فولتير تمرُّ بنقطة تحوّل ، اكتملت عنده الصورة الجديدة لشخصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، الذي كان رافضاً له على الدوام ، فيقول : بدون شك أن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) رجلٌ عظيمٌ ، تربَّى في أحضانه رجال عِظام .

وكان مشرِّعاً ، عاقلاً ، فاتحاً للعلم ، حاكماً ، نافذ الكلمة ، تقياً ، ورعاً ، أحدث ثورة كبرى في أرجاء العالم .

وفي سنة ( ۱۷۷۶ م ) ردَّ بنفسه على رواية كتبها ضد الإسلام ، بعنوان ( فناتيسم ) ، قائلاً : أنا أسأت كثيراً بحق محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

ولأن كتاباته الأولى عن الإسلام كانت تحت تأثير الكُتَّاب المسيحيين المغرضين ، عبَّر عن ذلك بغضب قائلاً : لا بُدَّ من إحراق جميع الكتب التي أُلِّفت من قِبَل الكُتَّاب المسيحيين بخصوص المسلمين .

۱۲ـ قال المستشرق كوستاولوبون:

استناداً إلى ما قاله المؤرخون العرب : أن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) كان رجلاً مفكراً ، قليل الكلام ، سليم القلب ، عاملاً بالأدب في سلوكه وتصرفاته ، وحتى بعد امتلاكه المال والقدرة لم يتغير ، بل ظل على نفسه في أداء وظائفه الخاصة .

واستطاع النبي ( صلى الله عليه وآله ) من تحقيق هدفه المقدس للأمة العربية التي كانت لا هدف لها ، وهذا الهدف الذي استطاع النبي ( صلى الله عليه وآله ) من تحقيقه بعظمة شخصيته ، تلك العظمة التي تبدو واضحة في هذا البناء الشامخ .

ونحن إذا أردنا أن نقيّم الرجال بمقدار ما قدموا من أعمال وآثار حسنة فمن المسلّم أن يكون النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) أعظم رجل في التأريخ .

واستطاع النبي ( صلى الله عليه وآله ) منذ بعثته حتى وفاته أن يجمع كلمة الأمة العربية تحت راية دين واحد ، بعدما كانت أمة مشتتة ، وهذا بحد ذاته معجزة كبرى من معاجز النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

۱۳ـ قال المستشرق لورد درهن:

إن الحوادث الغيبية التي تنبأها القرآن الكريم هي حوادث حقيقية ، وقد وقعت بالفعل وتدعو إلى العجب ، فكيف لنبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) الذي لم يدرس ولم يتعلم عند أحد أن يخبر بمثل هذه المعجزات التي تدل على صدق نبوته .

۱۴ـ قال المستشرق ماكس مولر:

عن قريب سيفهم المسيحيون أن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) كان أحد المصدّقين والمؤيَّدين لتعاليم النبي عيسى ( عليه السلام ) ، وعندها ستحل بهم الدهشة على العداء الذي نصبوه للمسلمين في القرون الماضية .

۱۵ـ قال المستشرق نوفاليس:

إنّ توصل النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلى أسرار القوانين التي تحكم المجتمع البشري يعتبر من أكبر المعجزات ، وبحق يمكننا القول : إن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) نبي الحق ، مرسل من قبل الله تعالى .

۱۶ـ قال المستشرق نيس:

يا ابن مكة ، يا ابن سلالة العظام ، يا معيد مجد الآباء والأجداد ، يا مخلّص العالم من عبودية الآلهة المزيفة ، لم يفتخر بك العالم وحده ، وإنما خالق هذا العالم قد أثنى على مواهبك وقدر مساعيك .

يا وارث إبراهيم ، ياهادي أهل الأرض إلى السلام ، فصاروا مشغوفين بحبك ، كما أنك علمتهم شعار الإخلاص في القول والعمل ، يا رسول الله إقبل شكري وثنائي .

۱۷ـ قال المستشرق واشنطون إيرونيك:

لم يكن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ساعياً إلى الجاه أو السلطان ، فقبيلته قريش وهي قبيلة معروفة في مكة ، وبعهدتها إدارة البيت الحرام ، فإنه بالفراسة التي كان يتمتع بها والمكانة التي يحتلها في النفوس تمكن أن يصل إلى ما يريد .

كما أنه كان يعلم إذا عرض عليهم الدين الجديد سيفقد الجاه والاحترام ، لكنه سار لتحقيق أهدافه واضطر إلى الهجرة في سبيل الله من بلده مكة إلى المدينة ، وفي نهاية المطاف استطاع العودة إلى وطنه وكسر شوكة المشركين والمعاندين .

وأقبلت عليه الدنيا بجميع مغرياتها لكنه كما كان في السابق لم يغير سلوكه وأخلاقه ، ولعل تواضعه إزداد وعزوفه عن الدنيا وزخارفها صار أشد ، وهذا مما يدفع عنه أي مجال للتهمة أو الشبهة ، وبسبب ذلك آمنت بالإسلام واعتقدت به .

وان الإنتصارات العسكرية التي حققها النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) لم تصبه بالغرور لأن الدوافع التي كانت تدفعه لم تكن دوافع شخصية وإنما كانت إلهية .

۱۹ـ قال المسشرق جرجس في كتابه (مقالة في الإسلام):

إن محمداً رسول الإسلام (عليه السلام) كان صالح الاخلاق ولم يكن على الشر والخبث كما يصفه به خصومه.

ثم قال: (قال جيبون: عقيدة محمد خالصة ليس فيها لبس ولا إبهام، والقرآن شاهد عدل وبرهان قاطع على وحدانية الله سبحانه.

لقد هجر نبي الإسلام (عليه السلام) عبادة الأصنام والبشر، سواء أكانوا من النجوم أم من الكواكب السيارة، أم من غير ذلك، بناء على القاعدة العلمية الصحيحة وهي: إن كل قابل للتلاشي لا بد أن يبيد ويفنى، وكل مولود لا بد أن يموت، وكل بازغ لا بد له من أفول.

كانت لمحمد (صلى الله عليه وآله) حماسة حكيمة، اعترف بمبدع هذا الكون، وعبده على عقيدة أنه أبدي غير محدود، بلا صورة، ولا مكان ولا ولد، ولا شبيه، يعلم خطايا الأفكار وأسرار القلوب، وجوده من نفسه، وصفاته وعلمه وكماله من نفسه).

وفي الختام قال: (وهذه الحقائق السامية مبنية على وجه معقول بغاية الإحكام في تراجم القرآن، فكل من يۆمن بالله إيمانا علميا فلسفيا، قادر على أن يشارك المحمديين في اعتقادهم المقبول).

۲۰ـ قال المستشرق أميل دير مانجم في كتابه (حياة محمد):

إن محمدا لم يكن شخصيا إلا رجلا أميا خلوا من الثقافة تقريباً كجميع بني بلدته في عصره، ولكنه كان يعلم أن الإله رحيم رحمة لا حدّ لها، فاجهد نفسه في أن يعلو على الطبيعة البشرية، وأن يقهر في نفسه الميول الانتقامية).
ثم قال: (إن إخلاص محمد لا يمكن أن يكون في العصر الحاضر موضع شك، فإن حياته كلها تشهد أنه كان يۆمن برسالته إيمانا عميقا، وأنه تقبلها -لا بغير بطولة- كعبء يجب عليه أن يتحمل ثقل أوزاره).
وقال: (إن قوة عبقرية محمد الإنشائية واتساعها، وذكاءه العظيم ونظره الصائب إلى الحقائق، وسيادته لنفسه، وقوة إرادته، وحكمته واستعداده للعمل، وحياته الواقعية، كل ذلك يجعل الزيف في مبدأ رسالته يستحيل القبول. فكيف يتصور أن ينقلب كاذبا فجأة، ذلك الذي كان نجاحه يظهر له كبرهان ساطع على تأييد الإله لدعواه، وكيف يمكن أن يجرأ على تشويه رسالته في الوقت الذي كان يرى فيه أنها مقدسة مۆيدة من الإله).
وقال: (وهكذا نهض محمد رسول الإسلام ليدعو بني جنسه إلى دين واحد هو دين الإله الواحد، وليوقظ جزءا من آسيا وأفريقيا، وليحرر من عبودية الجامدين كل الذين يفهمون رسالته الحقيقية، ولكي يحرر فارس التي كان النعاس يشملها، ولينعش المسيحية الشرقية التي شوهتها المجادلات البيزنطية الخالية من الحماسة، ومن الاعتقاد المجرد من الوحدة).
وقال: (إن محمدا كان يجهل كل ما ليس علما مطلقا، وكان أمياً بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، وليس معناها، فيما أرى، العامية أو الخلو عن التأدب، وإنما الأمي هو بالأحرى الرجل النقي الذي جمع بين الطبيعة وما فوق الطبيعة، والبرئ من الأحكام المتسرعة، ومع ذلك فقد نهض لكي يدعو العلماء إلى أن يفهموا ما يقولون، وليقوّم الطرق الملتوية التي يضل فيها من يزعمون أنهم حكماء).
ثم قال: (إن الناس حالة سماعهم خطب محمد المهمة، وكتاباته الملتئمة مع عصره، قد أحسوا بجاذبية تصلهم بالسر الخفي الذي يقودهم إليه، فخضعوا للإله، فرأوا كيف يستطيعون أن يهذبوا وجودهم المۆقت، وهكذا وجدوا فيه مثالا حياً لا يستطيع الفلاسفة ولا رجال الحكومة أن يقدموه).
وقال: (إن محمداً رسول الإسلام قد أوجدت دعوته في جزيرة العرب تقدماً غير قابل للاعتراض، سواء أكان ذلك في دائرة الأسرة أم في دائرة المجتمع أم الناحية الصحية، وإن حظ المرأة قد تحسن، وإن الفحش والزواج المۆقت، والمعاشرة الحرة (الزنا) قد حظرت وقد حرم ايضاً إكراه الإماء على أتخاذ الفحش وسيلة لثراء مواليهن، كما كان متبعاً في ذلك العهد (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً) القرآن.
ثم قال: (إن محمداً قد أباح الرق، ولكنه نظمه، وضيق حدوده، وجعل العتق عملاً خيراً، بل كفارة عن بعض المعاصي).
وأخيرا قال: (إنه لم يكن ليستطيع أن يغير أخلاق شعبه تغييراً تاماً، ولكنه نجح في أن يقومها في نقط كثيرة).