رؤية-اللّه-تعالى-بالبصر

رؤية اللّه تعالى بالبصر(1)

المبحث الأوّل: معنى الرؤية البصرية

الرؤية البصرية عبارة عن: انعكاس صورة المرئي على العين عن طريق وصول النور النابع أو المنعكس من الأشياء إلى العين، ثمّ انتقال هذا النور على شكل أمواج عصبية إلى الدماغ من أجل تحليله وتفسيره وتعقّل شكل وصورة المرئي.

تنبيه :

ما يجدر الالتفات إليه عند دراسة الخلاف الواقع بين المسلمين حول رؤية الله تعالى هو أنّ الرؤية التي وقع الاختلاف حول إمكانها أو استحالتها هي الرؤية بمعنى إدراكه تعالى عن طريق حاسّة البصر، أمّا تفسير رؤية الله بالإدراك المعرفي أو الكشف الشهودي (الرؤية القلبية) أو العلم الحضوري فهو مما لم يقع الاختلاف حول إمكانه ولا خلاف في جوازه.

الصفحة 123

المبحث الثاني: عقيدة الشيعة وأهل السنّة حول رؤية الله تعالى

عقيدة الشيعة :

قال الشيخ المفيد: “لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار، وبذلك شهد العقل ونطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمّد(عليهم السلام)، وعليه جمهور أهل الإمامة وعامّة متكلّميهم… والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك”(1).

عقيدة أهل السنّة :

قال أبو الحسن الأشعري: “وندين بأنّ الله يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر”(2).

وجاء في كتب الحديث لأهل السنة:

ورد عن جرير بن عبدالله قال: كنّا عند النبي(صلى الله عليه وآله)، فنظر إلى القمر ليلةً ـ يعني البدر ـ فقال: “إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر…”(3).

قال النبي(صلى الله عليه وآله): “إنّكم سترون ربّكم عياناً”(4).

____________

1- أوائل المقالات، الشيخ المفيد: قول 25: القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار، ص 57.

2- الإبانة، أبو الحسن الأشعري: باب في إبانة قول أهل الحق والسنّة، ص 17.

3- صحيح البخاري : ج1، كتاب 9 : كتاب مواقيت الصلاة، باب 17 : باب فضل صلاة العصر، ح554، ص138.

صحيح مسلم: ج 1، كتاب 5: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب 37: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، ح 211 (633)، ص 367.

4- صحيح البخاري: ج 4، كتاب 98: كتاب التوحيد، باب 24: باب قول الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة)، ح 7435، ص 453.

الصفحة 124

الصفحة 125

المبحث الثالث: أدلة نفي رؤية الله بالبصر

الأدلة العقلية على استحالة رؤية الله بالبصر:

1- تستلزم رؤية الله عن طريق حاسّة البصر إثبات الجهة له تعالى، وبما أنّه تعالى منزّه عن الجهة، فلهذا تكون رؤيته أمراً محالاً.

بعبارة أخرى:

تستلزم الرؤية البصرية أن يكون المرئي مقابلاً للرائي(1)، وكلّ مقابل فهو في جهة من الجهات، وبما أنّه تعالى منزّه عن الجهة، فلهذا تستحيل عليه الرؤية(2).

2- لا تتحقّق الرؤية البصرية إلاّ عن طريق وصول الأشعة من المرئي إلى العين، ويستلزم هذا الأمر أن يكون المرئي جسماً.

وبما أنّ الله منزّه عن الجسمانية، فلهذا تستحيل رؤيته عن طريق حاسّة البصر(3).

3- لا تتحقّق الرؤية البصرية إلاّ عن طريق انطباع صورة المرئي في العين، وبما أنّه تعالى منزّه عن الصورة، فلهذا تستحيل رؤيته عن طريق حاسّة البصر.

4 ـ رؤية الله عن طريق حاسّة البصر لا تخلو من أمرين:

____________

1- أو في حكم المقابل للرائي، كرؤية الإنسان المرئيات التي حوله عن طريق المرآة.

2- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الأوّل، الفصل الرابع، في الرؤية، ص 74 ـ 75.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، باب الكلام في التوحيد، الفصل الخامس، ص 52 ـ 53.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثاني، البحث العاشر، ص 76.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة العشرون، ص 411.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، الفصل الحادي عشر، ص 163.

3- انظر: الرسائل العشر، الشيخ الطوسي: رسالة في الاعتقادات، رقم 14، ص 105.

الصفحة 126

أوّلاً: أن تقع على كلّ الذات الإلهية.

فيستلزم أن تكون الذات الإلهية محدودة ومحصورة في ناحية من النواحي، ولكنّه تعالى منزّه عن المحدودية والحصر.

ثانياً: أن تقع على بعض الذات الإلهية.

فيستلزم أن تكون الذات الإلهية مركّبة وذات أجزاء، ولكنّه تعالى منزّه عن التركيب والأجزاء.

فلهذا نستنتج استحالة رؤية الله عن طريق حاسّة البصر.

النتيجة :

القول برؤية الله عن طريق حاسّة البصر تستلزم نسبة الجهة والمحدودية والجمسانية والشكل والصورة إلى الله، وبما أنّه تعالى منزّه عن هذه الأمور، فلهذا نستنتج استحالة وقوع الرؤية البصرية عليه تعالى.

الأدلة القرآنية على نفي رؤية الله بالبصر :

1- { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [ الأنعام: 103 ]

و “الإدراك” المضاف إلى “البصر” يفيد “الرؤية”، وقد بيّنت هذه الآية بأنّه تعالى منزّه عن الرؤية البصرية(1).

2- { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني… } [ الأعراف: 143 ]

و “لن” تفيد النفي الأبدي، فيثبت من قوله تعالى لموسى(عليه السلام): { لن تراني } أنّه تعالى لن يُرى بالبصر أبداً(2).

____________

1- انظر: التبيان، الشيخ الطوسي: ج 4، تفسير آية 103 من سورة الأنعام، ص 223 ـ 224.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 67.

المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في أنّه تعالى ليس بمرئي و…، ص 122.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، استحالة الرؤية على الباري تعالى، ص 241.

2- انظر: التبيان، الشيخ الطوسي: ج 4، تفسير آية 143 من سورة الأعراف، ص 536.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 68.

نهج الحقّ وكشف الصدق، العلاّمة الحلّي: المسألة الأولى، ص 48. اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، الفصل الحادي عشر، ص 164.

الصفحة 127

ولو كان الله ممكن الرؤية بحاسّة البصر لكان النبي موسى(عليه السلام) أولى الناس برؤيته(1).

وتوجد مناقشات أخرى حول هذه الآية سنذكرها لاحقاً.

____________

1- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثاني، البحث العاشر، ص 77.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون