رؤية-اللّه-تعالى-بالبصر

رؤية اللّه تعالى بالبصر(2)

أحاديث لأهل البيت(عليهم السلام) حول نفي رؤية الله بالبصر :

1- جاء شخص إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أميرالمؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟

فقال(عليه السلام): ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره.

قال: وكيف رأيته؟

قال(عليه السلام): ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان(2).

2- قال الإمام علي(عليه السلام): “انحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفاً”(3).

3 ـ وقال(عليه السلام) حول الله تعالى: “… ولا بمحدث فيبصر…”(4).

4- وقال(عليه السلام): “الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر”(5).

5- سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول الله تبارك وتعالى هل يُرى في

____________

2- الكافي، الشيخ الكليني: كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية، ح 6، ص 98. التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 8 ، ح 6، ص 106.

3- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2، ح 13، ص 51.

4- المصدر السابق: باب 2، ح 34، ص 76.

5- نهج البلاغة، الشريف الرضي: خطبة 185، ص 360.

الصفحة 128

المعاد؟

فقال(عليه السلام): “سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً… إنّ الأبصار لا تُدْرِك إلاّ ماله لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية”(1).

6- سئل الإمام الصادق(عليه السلام): إنّ رجلاً رأى ربّه عزّ وجلّ في منامه، فما يكون ذلك؟ فقال(عليه السلام): “ذلك رجل لا دين له، إنّ الله تبارك وتعالى لا يُرى في اليقظة، ولا في المنام، ولا في الدنيا، ولا في الآخرة”(2).

7- سئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام):… إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسّم الكلام لموسى(عليه السلام) ولمحمّد(صلى الله عليه وآله) الرؤية.

قال(عليه السلام): “… كيف يجيىء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } { ولا يحيطون به علماً } { وليس كمثله شيء } ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني…؟!”(3).

8- سئل الإمام الرضا(عليه السلام): هل رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربّه عزّ وجلّ؟

فقال(عليه السلام): “نعم، بقلبه رآه، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي: لم يره بالبصر، ولكن رآه بالفؤاد”(4).

____________

1- الأمالي، الشيخ الصدوق: المجلس (64)، ح 674 / 3، ص 495.

2- المصدر السابق، المجلس (89)، ح 974 / 6، ص 708.

3- الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية، ح 2، ص 96.

4- التوحيد، الشيخ الصدوق: ب 8 ، ح 17، ص 112.

الصفحة 129

المبحث الرابع: مناقشة أدلة القائلين بامكان رؤية الله بالبصر

الدليل العقلي :

ملاك الرؤية هو “الوجود”، وكلّ موجود يصح رؤيته، وبما أنّه تعالى موجود فيمكن رؤيته(1).

يرد عليه :

ملاك الرؤية ليس “الوجود” بما هو وجود، بل هو الوجود المقيّد بقيود، منها كونه جسماً مادّياً واقعاً في إطار ظروف خاصّة، لتصح رؤيته.

ولهذا توجد أُمور من قبيل: العلم، الإرادة، العقل، النفس، اللذة، والألم موجودة، ولكنّها لا ترى بالعين(2).

مناقشة الأدلة القرآنية التي تمسّك بها القائلون بإمكان رؤية الله :

الآية الأولى :

{ وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة } [ القيامة: 22 ـ 25 ]

الاستدلال :

استعمال “النظر” مع حرف “إلى” يعني “الرؤية”.

واستعمل “النظر” في هذه الآية مع حرف “إلى”، فيكون معنى الآية بأنّ أصحاب

____________

1- الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري: باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، ص 26.

2- انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 69.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة العشرون، ص 413.

الصفحة 130

الوجوه المبتهجة تنظر إلى ربّها يوم القيامة، وهذا ما يثبت إمكانية رؤية الله تعالى(1).

يرد عليه :

1- “النظر” لا يفيد “الرؤية” دائماً; لأنّ حقيقة “النظر” في اللغة هو تقليب حدقة العين نحو الشيء طلباً لرؤيته(2)، وقد يقلّب الإنسان نظره طلباً للعثور على شيء، ولكنّه لا يراه، ولذلك يقال: “نظرت إلى الهلال فلم أره”(3).

2- البراهين العقلية والقرآنية، على استحالة رؤية الله بالبصر ـ والتي أشرنا إليها سابقاً ـ تلزمنا اتّباع تفسير يجنّبنا الوقوع في محاذير القول برؤية الله بالبصر.

وقد فسّر لنا أهل البيت(عليهم السلام) هذه الآية بتقدير مضاف محذوف(4).

فيكون الأصل: وجوه يومئذ ناضرة إلى [ ثواب ] ربّها ناظرة.

والنظر إلى الثواب ـ في الواقع ـ كناية عن توقّع مجيئه وانتظار قدومه من الله تعالى(5).

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول تفسير قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة } : “يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها”(6).

____________

1- انظر: الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري: باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، ص 22.

2- ورد في الصحاح للجوهري: 2 / 830: “النظر: تأمّل الشيء بالعين”.

وجاء في مفردات ألفاظ القرآن للراغب: ص 812 (مادة نظر): “النظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته”.

3- انظر: الأمالي، الشريف المرتضى: ج 1، المجلس الثالث، ص 36. الاقتصاد في شرح الاعتقاد، الشيخ الطوسي: القسم الأوّل، الفصل الثاني، ص 76.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثاني، ص 70.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: القول في أنّه تعالى ليس بمرئي، ص 128.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة العشرون، ص 412.

4- من أمثلة حذف المضاف وقيام المضاف إليه مكانه في القرآن الكريم:

(واسأل القرية) [يوسف: 82]

أي: واسأل أهل القرية، لعدم إمكان السؤال من أحجار القرية وبيوتها.

(وجاء ربّك والملك صفاً صفاً) [الفجر: 22]

أي: وجاء أمر ربّك; لأنّ الحركة من لوازم الجسمانية، والله تعالى منزّه عن ذلك.

5- ورد في لسان العرب: 14 / 191 (مادة نظر): “ويقول القائل للمؤمّل يرجوه: إنّما ننظر إلى الله ثمّ إليك، أي: إنّما أتوقّع فضل الله ثمّ فضلك.

6- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 8 ، ح 19، ص 113.

الصفحة 131

دعم سياق الآية لهذا المعنى :

توجد في هذه الآية أمور متقابلة:

التقابل الأوّل: { وجوه يومئذ ناضرة } ، ويقابلها: { وجوه يومئذ باسرة }

أي: وجوه يومئذ مستبشرة ومبتهجة، ويقابلها وجوه يومئذ كالحة وعابسة.

التقابل الثاني: { إلى ربّها ناظرة } ، ويقابلها: { تظن أن يفعل بها فاقرة }

وهنا يتمّ رفع الإبهام الموجود في الفقرة الأولى عن طريق التأمّل في الفقرة الثانية التي تقابلها.

لأنّ التقابل الموجود بين هاتين الآيتين يرشدنا إلى تفسير الفقرة الأولى بما يقابل الفقرة الثانية.

والمقصود من الفقرة الثانية: { تظن أن يفعل بها فاقرة }

أي: إنّ الطائفة العاصية ذات الوجوه الكالحة والعابسة نتوقّع أن ينزل عليها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها.

ومن هنا يتبيّن مقصود الفقرة الأولى: { إلى ربّها ناظرة }

أي: إنّ الطائفة المطيعة ذات الوجوه المستبشرة والمبتهجة تتوقّع عكس ما تتوقّعه الطائفة العاصية، فهي تتوقّع ثواب الله ورحمته وكرمه وفضله تعالى.

فنستنتج بأنّ “النظر” في هذه الآية كناية عن “التوقّع والانتظار”.

النتيجة :

محور البحث في هذه الآية هو: “توقّع الرحمة” و “توقّع العذاب”.

والعباد المطيعون لله يتوقّعون الرحمة.

والعباد العاصون لله يتوقّعون العذاب.

وليست الآية بصدد الحديث عن رؤية الله البصرية أو القلبية.

ومن هنا نستنتج بأنّ مصطلح “النظر” استخدم في هذه الآية كناية عن التوقّع والانتظار.

الصفحة 132

تنبيه :

قيل: بأنّ الانتظار يوجب الغم والتنغيص والتكدير، ولكن الآية جاءت لبيان النعم، فلهذا لا يصح تفسير النظر بمعنى الانتظار في هذه الآية (1).

يرد عليه :

“الانتظار” الذي يورث الغم والتنغيص والتكدير هو انتظار النعم مع عدم الاطمئنان من الحصول عليها، وهذا ما يؤدّي إلى الإزعاج والتوتّر والقلق.

ولكن هذه الآية تشير إلى انتظار النعم بعد البشارة الإلهية بها واطمئنان الحصول عليها، وهذا لا يوجب الغم، بل يوجب الفرح والسرور ونضارة الوجه(2).

بعبارة أخرى:

“الانتظار يوجب الغم… في وعد من يجوز منه خلف الوعد.

أمّا إذا كان وعد من لا يخلف الوعد ـ مع علم الموعود بذلك ـ فإنّه لا يوجب الغم، بل هو سبب للفرح والسرور ونضارة الوجه”(3).

____________

1- انظر: الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري: باب الكلام في إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، ص 21.

2- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة العشرون، ص 412 ـ 413.

3- إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، دليل الأشاعرة على الرؤية، ص 248 ـ 249.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون