النبي وأهل بيته » الخطب والرسائل » الإمام الحسن العسكري »

رسالة الإمام العسكري(ع) إلى إسحاق النيسابوري

حكى بعض الثقات بنيسابور أنه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمد عليه السلام توقيع : يا إسحاق بن إسماعيل سترنا الله وإياك بستره ، وتولاك في جميع أمورك بصنعه ، قد فهمت كتابك يرحمك الله ، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على موالينا ، ونسر بتتابع احسان الله إليهم وفضله لديهم ، ونعتد بكل نعمة ينعمها الله عز وجل عليهم .

فأتم الله عليكم بالحق ومن كان مثلك ممن قد رحمه الله ، وبصره بصيرتك ونزع عن الباطل ولم يعم في طغيانه نعمه .

فان تمام النعمة دخولك الجنة ، وليس من نعمة وأن جل أمرها وعظم خطرها الا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها مؤدى شكرها .

وأنا أقول الحمد لله مثل ما حمد الله به حامد إلى أبد الأبد ، بما من عليك من نعمة ، ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة ، وأيم الله أنها لعقبة كؤود شديد أمرها صعب ، مسلكها عظيم ، بلاؤها طويل ، عذابها قديم في الزبر الأولى ذكرها .

ولقد كانت منكم أمور في أيام الماضي عليه السلام إلى أن مضى لسبيله ، صلى الله على روحه ، وفي أيامي هذه كنتم بها غير محمودي الشأن ولا مسددي التوفيق .

واعلم يقينا يا إسحاق أن من خرج من هذه الحياة أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، انها يا ابن إسماعيل ليس تعمى الابصار لكن تعمى القلوب التي في الصدور ، وذلك قول الله عز وجل في محكم كتابه للظالم ” رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ” قال الله عز وجل ” كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ” .

وأية آية يا إسحاق أعظم من حجة الله عز وجل على خلقه وأمينه في بلاده وشاهده على عباده ، من بعد ما سلف من آبائه الأولين من النبيين وآبائه الآخرين من الوصيين عليهم أجمعين رحمة الله وبركاته .

فأين يتاه بكم وأين تذهبون كالانعام على وجوهكم عن الحق تصدفون ، وبالباطل تؤمنون ، وبنعمة الله تكفرون ، أو تكذبون ، ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غير كم الا خزي في الحياة الدنيا الفانية ، وطول عذاب الآخرة الباقية ، وذلك والله الخزي العظيم .

ان الله بفضله ومنه لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض عليكم لحاجة منه إليكم ، بل برحمة منه لا اله الا هو عليكم ، ليميز الخبيث من الطيب ، وليبتلي ما في صدور كم ، وليمحص ما في قلوبكم ، ولتتسابقون إلى رحمته ، وتتفاضل منازلكم في جنته .

ففرض عليكم الحج والعمرة وأقام الصلاة وايتاء الزكاة والصوم والولاية ، وكفاهم لكم بابا ، لتفتحوا أبواب الفرائض ، ومفتاحا إلى سبيله ، ولولا محمد صلى الله عليه وآله والأوصياء من بعده : لكنتم حيارى كالبهائم لا تعرفون فرضا من الفرائض ، وهل تدخل قرية الا من بابها ؟

فلما من عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيه صلى الله عليه وآله قال الله عز وجل لنبيه ”  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ” وفرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها إليهم ، ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم ومعرفتكم بذلك النماء والبركة والثروة وليعلم من يطيعه منكم بالغيب قال الله عز وجل ” قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى ” .

واعلموا أن من يبخل فإنما يبخل على نفسه ، وأن الله هو الغني وأنتم الفقراء إليه ، لا اله الا هو ، ولقد طالت المخاطبة فيما بيننا وبينكم فيما هو لكم وعليكم ، ولولا ما يجب من تمام النعمة من الله عز وجل عليكم : لما أريتكم لي خطا ولا سمعتم مني حرفا من بعد الماضي عليه السلام ، أنتم في غفلة عما إليه معادكم ، ومن بعد الثاني رسولي وما ناله منكم حين أكرمه الله بمصيره إليكم ، ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم بن عبده ، وفقه الله لمرضاته ، وأعانه على طاعته ، وكتابي الذي حمله محمد بن موسى النيسابوري ، والله المستعان على كل حال .

واني أراكم تفرطون في جنب الله فتكونون من الخاسرين ، فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله ولم يقبل مواعظ أوليائه ، وقد أمركم الله جل وعلا بطاعته ، لا اله الا هو ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وبطاعة أولي الامر عليهم السلام ، فرحم الله ضعفكم وقلة صبركم عما أمامكم .

فما أغر الانسان بربه الكريم ، واستجاب الله دعائي فيكم وأصلح أموركم على يدي ، فقد قال الله جل جلاله ” يوم ندعو كل أناس بامامهم ” وقال جل جلاله ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ” وقال الله جل جلاله ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ” .

فما أحب أن يدعوا الله جل جلاله بي ولا بمن هو في امامي الا حسب رقتي عليكم ، ما انطوى لكم عليه من حب بلوغ الأمل في الدارين جميعا ، والكينونة معنا في الدنيا والآخرة .

فقد يا إسحاق يرحمك الله ويرحم من هو وراءك بينت لك بيانا وفسرت لك تفسيرا ، وفعلت بكم فعل من لم يفهم هذا الامر قط ولم يدخل فيه طرفة عين ، ولو فهمت الصم الصلاب بعض ما في هذا الكتاب لتصدعت قلقا خوفا من خشية الله ورجوعا إلى طاعة الله عز وجل .

فاعملوا من بعد ما شئتم ، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون والعاقبة للمتقين والحمد لله كثيرا رب العالمين .

وأنت رسولي يا إسحاق إلى إبراهيم بن عبده وفقه الله ، أن يعمل بما ورد عليه في كتابي مع محمد بن موسى النيسابوري انشاء الله ، ورسولي إلى نفسك ، والى كل من خلفك ببلدك ، أن يعملوا بما ورد عليكم في كتابي مع محمد بن موسى انشاء الله ، ويقرأ إبراهيم بن عبده كتابي هذا ومن خلفه ببلده ، حتى لا يسألوني ، وبطاعة الله يعتصمون ، والشيطان بالله عن أنفسهم يجتنبون ولا يطيعون .

وعلى إبراهيم بن عبده سلام الله ورحمته ، وعليك يا إسحاق وعلى جميع موالي السلام كثيرا ، سدد كم الله جميعا بتوفيقه ، وكل من قرأ كتابنا هذا من موالي من أهل بلدك ، ومن هو بناحيتكم ، ونزع عما هو عليه من الانحراف عن الحق :

فليؤد حقوقنا إلى إبراهيم بن عبده ، وليحمل ذلك إبراهيم بن عبده إلى الرازي رضي الله عنه ، أو إلى من يسمي له الرازي ، فان ذلك عن أمري ورأيي انشاء الله .

ويا إسحاق اقرأ كتابنا على البلالي رضي الله عنه ، فإنه الثقة المأمون العارف بما يجب عليه ، واقرأه على المحمودي عافاه الله ، فما أحمدنا له لطاعته ، فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكلينا وثقتنا والذي يقبض من موالينا ، وكل من أمكنك من موالينا فاقرأهم هذا الكتاب ، وينسخه من أراد منهم نسخة انشاء الله تعالى .

ولا يكتم أمر هذا عمن يشاهده من موالينا ، الا من شيطان مخالف لكم ، فلا تنثرن الدر بين أظلاف الخنازير ، ولا كرامة لهم ، وقد وقعنا في كتابك بالوصول والدعاء لك ولمن شئت ، وقد أجبنا شيعتنا عن مسألته والحمد لله فما بعد الحق الا الضلال .

فلا تخرجن من البلدة حتى تلقي العمري رضي الله عنه برضاي عنه ، وتسلم عليه وتعرفه ويعرفك فإنه الطاهر الأمين العفيف القريب منا والينا ، فكل ما يحمل إلينا من شئ من النواحي فإليه المسير آخر عمره ، ليوصل ذلك إلينا .

والحمد لله كثيرا ، سترنا الله وإياكم يا إسحاق بستره ، وتولاك في جميع أمورك بصنعه ، والسلام عليك وعلى جميع موالي ورحمة الله وبركاته ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم كثيرا .

المصدر: رجال الكشي 2/ 844 رقم1088.