رسالة في التقية

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة:

مسألة التقيّة من المباحث المهمّة القرآنيّة التي تُعدّ من القواعد الفقهيّة ، وتتفرّع عليها فروع كثيرة وهي التي تعرف بها الإماميّة وصارت دثارهم وشعارهم من جانب ، مع أنّها من ناحية اُخرى كانت وسيلة للتشنيع عليهم ، وحيث إنّه لم يستوفِ البحث عنها في كتب القوم وعن موارد جريانها وأقسامها وأنواعها إلاّ في كلمات الشيخ الأعظم وبعض مَن تأخّر عنه ، كان اللازم البحث عنها وعن الاُمور المرتبطة بها . والسبب الوحيد لتشنيع العامّة وعلمائهم على الإماميّة ، هو عدم الإطّلاع عن حقيقتها وعدم الوصول إلى مغزاها ، كما أنّ هذا هو العلّة الأساسيّه لسائر المباحث الاختلافيّة بيننا وبينهم ، فالواجب التدبّر فيها حقّ التدبّر .

والعجب أنّ علماء العامّة لم يصلوا إلى حقيقتها وسمعوا من هذا البحث الدقيق ماهو المشهور بين العوام منهم ، فهجموا علينا هجمة جهل وعناد من دون مراجعة إلى كتبنا الفقهيّة الإستدلاليّة ، فقال بعض منهم أنّها مساوقة للكذب ، وذهب بعض آخر إلى أنّها مساوقة للنفاق ، وكيف يكون كذباً ونفاقاً والقرآن الكريم ينادي بمشروعيّتها ويحكي عن استعمالها عند الأنبياء؟

ثمّ إنّه قد ذكر الآلوسي في تفسيره(۱) بياناً طويلاً لنفي التقيّة وردّها ، ونحن نجمعه في ضمن اُمور ونجيب عنه:

الأمر الأوّل: أنّ كلمات الإماميّة مضطربة في هذا الموضوع من حيث الحكم الشرعي ، فقال بعض منهم بالوجوب ، وذهب بعضهم إلى الاستحباب ، ومال ثالث إلى الجواز ، والإضطراب دليل على عدم تنقيح الموضوع عندهم وكاشف عن عدم دليل معتبر .

وفيه: أنّهم لم يعلموا أنّ الموضوع الواحد يصلح أن يكون متعلّقاً للأحكام المختلفة بالجهات المتعدّدة ، والتقيّة تنقسم بحسب الحكم التكليفي إلى الأحكام الخمسة وسيأتي تفصيلها ، إنّ شاء الله تعالى .

الأمر الثاني: أنّ في كلمات أئمّة الإماميّة كعليّ(عليه السلام) وبنيه ، ما يُبطل مشروعيّة التقيّة فضلاً عن استحبابها وفضلها لقوله(عليه السلام): «علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك» وأيضاً قوله(عليه السلام): «إنّي والله لو لقيتم واحداً وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت» .

وفي هذه الكلمات دلالة على الزوم اختيار الصدق وإن كان مضرّاً ، ودلالة على أنّ الأمير لم يخف وهو منفرد عن حرب الأعداء وهم جموع ، ثمّ قال بعد هذه العبارات: كيف يفسّرون قوله تعالى: (إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ الله أتْقاكُمْ) بأكثركم تقيّة .

وفيه أوّلاً: أنّ التقيّة ليست بكذب ولا يصدق عليها تعريف الكذب ، لأنّ من مقوّمات الكذب هي المخالفة للواقع والتقيّة ليست كذلك ، لأنّها مع تحقّق شرائطها تكون مأموراً بها بالأمر الإضطراري وهو أمر واقعي ثانوي ، فالعمل على طبق التقيّة عمل بالحكم الواقعي الثانوي وإلاّ يلزم أن يكون جميع الموارد الاضطراري موجباً للكذب .

ثانياً: أنّ الكذب من مقولة الخبر والتقيّة ليست بخبر ، اللّهمّ إلاّ في التقيّة في الأقوال ، فتأمّل .

وثالثاً: سلّمنا كونها من مصاديق الكذب ، لكنّ المراد من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الضرر الذي لم يبلغ حدّ القتل ولا يكون هتكاً للعرض ، فلو كان الكذب موجباً لحفظ النفس فبما أنّ حفظها أهمّ من قبح الكذب فيرجع عليه ، ومسألة الأهمّ والمهمّ وترجيحه عليه من القواعد العقليّة العقلائيّة التي لا يعتريها ريب .

ورابعاً: أنّ المراد من الأتقى في الآية الشريفة هي التقيّة من الله تبارك وتعالى التي يعبّر عنها في الشريعة بالتقوى التي حثّ عليها الكتاب والسُنّة ، وسيأتي أنّها خارجة عن بحث التقيّة المبحوث عنها في الفقه .

الأمر الثالث: الاستدلال ببعض الروايات التي تدلّ على عدم جواز التقيّة في المسح على الخفّين .

وفيه: أنّ المسح على الخفّين ونظيره من موارد الاستثناء ، ونحن نقول أيضاً بعدم جريان التقيّة فيها .

الأمر الرابع: الإحتجاج بما رواه الكليني عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: «إنّ الله عزّ وجلّ أنزل على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً ، فقال جبرئيل: يا محمّد هذه وصيّتك إلى النجباء .

فقال: ومن النجباء؟

فقال: عليّ بن أبي طالب وولده وكان على الكتاب خواتم ، إلى أن قال: وفي الخاتم الخامس: وقل الحقّ في الأمن والخوف ولا تخش إلاّ الله تعالى» .

وهذه الرواية صريحة بأنّ اُولئك الكرام ليس دينهم التقيّة كما تزعمه الشيعة .

وفيه: أنّ التقيّة ـ كما سيأتي ـ مشروعة فيما إذا لم ينجرّ إلى الفساد في الدين ، وفي بعض الموارد يحتمل أنّ سكوت الإمام(عليه السلام)موجب لفساد الدين ، فيجب عليه إظهار الحقّ ، وبهذا البيان يظهر فساد ما قال أيضاً(۲): لو كانت التقيّة واجبة لم يتوقّف إمام الأئمّة عن بيعة خليفة المسلمين ، فتدبّر في فساده .

فيا عجباً من هذه الاستدلالات الموهونة البعيدة عن المتفقّه فضلاً عمّن يسمّى بالفقيه ، ومن الواضح أنّ بُعد العامّة عن الفقه الأصيل هو السبب لهذه الإحتجاجات .

وكيف كان إنّ الشيخ الأعظم قد دقّق النظر وأتمّ الفكر في مبحث التقيّة .

وأكثر ما يوجد في كتب الفقهاء المتأخّرين عنه من التحقيقات فيها قد اُخذت جذورها من كلماته ، سيّما مبحث الإجزاء ، فإنّه قد استدلّ بروايات معتبرة لم نرَ الإستدلال بها قبل الشيخ في كلمات من تعرّض لهذا البحث كالمحقّق الثاني في رسالته والشهيد الأوّل في قواعده .

وهذه الرسالة التي بين يديك كتبتها أداءً لبعض حقوقه الكثيرة على جميع المجتهدين وإجابة لطلب بعض الأعزّاء الكرام من المسؤولين في المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم ، واُهديها إلى روحه الشريف الذي يكون الإجتهاد مرهوناً له والفقه موسّعاً ومُحقّقاً بتحقيقاته ، وأرجو من الله تعالى أن يتقبّلها بقبول حسن ومن القرّاء الكرام أن ينظروا فيها بعين دقّة وإغماض «وإليه يصعد الكلم الطيّب» .

الكاتب: الشيخ محمد فاضل اللنكراني