المتفرقة » المقالات » المتفرقة »

رفض المساومة في نشيد المقاومة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد وآله الطاهرين .

أمّا بعد : فمن الواضح كما يشهد بذلك التأريخ البشري ، أنّ تقدّم الاُمم وازدهار بلادها ، إنّما هو بحضاراتها الأصيلة المنبثقة من ينابيع الفطرة السليمة والعقل السليم ، والمتبلورة في العلم النافع ، والعمل الجادّ ، والسعي المتواصل .

فالاُمّة ـ بكلّ طبقاتها وأفرادها ـ التي تحمل بين حنايا تأريخها المجيد روح الحضارة وواقع التمدّن الحقيقي غير المزيّف ، هي التي تعيش بعزّة وكرامة وشرف ، بتقدّم وازدهار ، ويسعدُ أبناؤها في ظلالها الوارفة وفي دوحتها الغنّاء وواحتها الفيحاء .

ما هي الحضارة

إنّ الحضارة تشمل الفنّ والعادات والتقنية وشكل السلطة وكلّ شيء آخر يدخل في طريقة حياة المجتمع . فهي طريقة حياة نشأت بعد أن بدأ الناس يعيشون في مدن أو مجتمعات نظّمتْ في شكل دول وفي ظلّ قوانين .

وقد بزغت أقدم الحضارات عام ( ۳۵۰۰ ) قبل ميلاد المسيح في الشرق الأوسط في وادي دجلة والفرات ، وفي وادي النيل في مصر والسودان ، وفي وادي السند فيما يسمّى الآن ( باكستان ) . فأنشأ الناس أنظمةً للكتابة ، ونظماً جديدة للحكم ، وأحرزوا تقدّماً في العلوم والتقنية ، وتفوّقوا في الحِرَفِ المهنيّة والفنون الجميلة .

قيل : والحضارات مَثَلها مثل الكائنات الحيّة تتولّد وتنضج وتزدهر ، ثمّ تموت ، وأنّ الحضارة الغربيّة تموت ، وستحلَّ محلّها حضارة آسيويّة جديدة .

إلاّ أ نّه إنّما تموت الحضارات لو بنيت على اُسس بشريّة فانية ، أمّا إذا كان أساسها الوحي وكان ارتباطها بالسماء فإنّها خالدة بخلود السماء .

والحضارة العربيّة ترجع في التأريخ القديم إلى سنين قبل ظهور الإسلام الحنيف ، إلاّ أنّ فجر الحضارة العربيّة الحقيقيّة لم يطلّ إلاّ مع الدعوة الإسلاميّة ، عام ۶۲۲ م ، وذلك أنّ الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله) بنى اُسس دولة حضاريّة رشيدة عالميّة تستمدّ قوّتها من روح القرآن الكريم ، كتاب الله الخالد ، ومن تعاليمه وسننه وسيرته الطيّبة ، وهما للدين والدنيا معاً ، حتّى قالوا : إنّ الإسلام جاء قوّة جديدة في عالم قديم . وسيبقى إلى يوم القيامة ، فحلال محمّد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة . فالحضارة الإسلاميّة خالدة بخلود كتابها المجيد ، وانطباقها مع الفطرة الإنسانيّة ، فهي دائمة ما دام الإنسان . الحضارة الإسلامية :

انتشر الإسلام من الجزيرة العربيّة ليعمّ العالم ، فترسّخت اُسس حضارة إسلاميّة رائعة في عقل وقلب الإنسان الفرد ، وفي ضمير الجماعة والمجتمع ، فأخرجت الناس من الظلمات إلى النور ، ووضعت الأساس لبناء الإنسان وصنعه من جديد في ظلّ حكومة الإسلام .

وكان الوحي المقدّس هو الذي يعيد صياغة الفرد في معتقداته وأفكاره ، ويزكّيه ويربّيه تربيةً صالحة ، ويؤسّس الصرح الشامخ الذي يقوم عليه بناء الاُمّة الإسلاميّة . . . ولا تزال نصوص الوحي والسيرة المتمثّلة بقول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره ، هي التي تحكم حضارة الاُمّة الإسلاميّة وتقوّمها .

وجعل الإسلام رابطة العقيدة والدين هو الأصل الأوّلي الذي تجتمع وتفترق عليه الناس . وأنكر ورفض كلّ العصبيّات والطبقيّة والعنصريّة والقبليّة وما شابه ذلك .( يَـرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات)( ۲( . إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ ((۳) . واهتمّ غاية الاهتمام بالعلم والعدل والجهاد والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة والمثل العليا .

فأقام المسلمون حضارة عالميّة جعلتهم في طليعة الشعوب الحضاريّة ، ولا يزال .

فالحضارة قوّة مولّدة في تحرّك المجتمع نحو التمدن وصعود سلّم الإكبار والإجلال ، من الازدهار والتطوّر في كلّ جوانب الحياة .

دور الثقافة والأدب في بناء الحضارات

اللّبنات الاُولى والاُسس الأوّليّة في كلّ حضارة ، إنّما هي بثقافتها المتفاعلة والدافعة نحو الأمام ، ونحو الانسجام الفكري المتعالي ، والإدارة الصحيحة .

والخيوط الذهبيّة الاُولى في كلّ ثقافة هو الأدب المتشعّب الأطراف والمترامي الجوانب ، والذي يتجلّى بلغة الاُمّة ، وأمثالها الشعبيّة ، ومسرحيّاتها وقصصها وأشعارها ، وغير ذلك .

والأدب : يطلق على ما تنتجه الأذهان والأقلام من النثر الفنّي الجميل والقصصي الرائع ومن النظم الفائق . وبمعناه الأوسع ، الأدب يعني ظرافة العمل ولطافته وحكومة الخصال المحمودة والعادات الطيّبة والتقاليد الحسنة ، وربما يطلق على الثقافة العامّة .

.والأدب الخاصّ : هو الفكرة والتعبير ، أو المعنى والمبنى ، وأنّه مجمل مولدات الفكر البشري ، المعبّر عنها بالاُسلوب الفنّي على اختلاف موضوعاتها ، وذلك بالفنّ والجمال .

ومن بدائع الأدب الإنشاد ، المتمثّل بالشعر والنثر ، وله شعب : كالغناء والغزل والفخر والرثاء والزهد والمدح والهجاء والوصف وشعر الحماس والمقاومة .

الأدب : تعبير راق عن المشاعر والأفكار والآراء والخبرة الإنسانيّة ، وهو في معناه العامّ يشمل كلّ ما كتب عن التجارب الإنسانيّة عامّة ، ويشمل أيضاً الكتابات المختلفة من معلّقات العرب وملاحم الإغريق ، وما سجّله المصريّون القدماء .

الأدب بمعناه الخاصّ : عبارة عن أحد الفنون الجميلة ، وله أنواع : كالرواية والقصّة القصيرة والمسرحيّة والشعر ، وهو يقوم على وزن وقافية .

والأدب بمعناه المجازي يدلّ على جملة المعارف التي تسمو بالذهن والتي تبدو أكثر صلاحيّة في تحسين العلاقات الاجتماعيّة ، وخاصّة اللغة والشعر وما يتّصل به ، وأخبار العرب في الجاهليّة .

فالشعر الذي يعني أحاسيس الاُمّة وشعورها المرهف من لسان الشاعر وقريحته النابعة ، إنّما هو مظهر من مظاهر الأدب ، في كلّ اُمّة وشعب .

والأدب إنّما يعني تجلّيات الثقافة ، التي هي أساس الحضارة ، التي تتّسم برمز بقاء الاُمّة وسعادتها .

والشعر الهادف الرسالي له دور كبير وفعّال في حركة الاُمّة ، ونشاط الشعوب ، ووعي الجماهير ، فكم من قصيدة أدبيّة حماسيّة أثارت في النفوس لهيبَ الثورة وشعلة الانتفاضة . وكم من قصيدة عبّرت عن مشاعر رفيعة وأحاسيس مرهفة ، وما أروع المقولة الخالدة : إنّ مِنَ الشعر لحكمة .

الشعر والشاعر والأدب الإسلامي

أجل : الشعر الهادف الإيماني إنّما هو جوهرة ربّانية أودعها الله في وجود الشاعر ، كي يصوغها الشاعر بقوافيه ونظمه الرائع ليوصل النداء الإلهي إلى الخلق والناس ، بشعره الإيماني الرسالي ، فإنّه ينطق على لسانه روح القُدُس . فيكون في أشعاره الرساليّة المستوحاة من الإيمان بالمبدأ والمعاد ، لسانه لسان الله جلّ جلاله .

ومن أروع الأشعار ما فيه الحماس ، ووعي الناس ، وإحياء الفضائل والمكارم ، ويشرح روح الفداء والتضحية ، كأناشيد المقاومة .

فالحضارة الإسلامية من أغنى الحضارات وأقدمها ، وإنّها الخالدة بخلود كتابها المقدّس القرآن الكريم .

والثقافة الإسلامية المستمدّة معانيها ومفاهيمها وعلومها وفنونها من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، من أروع وأكمل وأعظم الثقافات في العالم طوال الأحقاب المتمادية وعلى مرّ العصور السالفة ولا زالت . . . .

والأدب الإسلامي من أجمل الآداب وأكملها على مرّ العصور وفي كلّ بقاع العالم ، فإنّه الغنيُّ بلغتِهِ وجوهره ، يسعد من أخذ به ، ويصل إلى قمّة الكمال .

والشعر الإسلامي الرسالي يزيدك المعرفة والحكمة ، ويحلّقُ بك إلى سماء الفضائل والمعالي ، وتعيش في رحاب كلماته ونظمه في الملكوت الأعلى مع القدّيسين ، إذ ينطق روح القدس على لسان الشاعر الرسالي المخلص .

والشعر الحماسي الإسلامي يعطي الزخم الجبّار والوسيع في تحرّك الاُمّة والجماهير نحو سوح القتال ، ولظى الحروب ، وخوض المعارك بشجاعة وبطولة ، وتضحية وفداء .

كما يعلّم الناس كيف يرفضون الظلم والظالمين ، ويجابهون الباطل والطغاة ، وهذا من أبرز صفات أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من صدر الإسلام وحتّى ظهور صاحب الأمر المهدي من آل محمّد (عليهم السلام) ، فلا يساومون أحداً على حساب المبادئ والقيم والمثل ، فإنّ الحياة عندهم عقيدة وجهاد ، شعور وشعار ، ولاءٌ وفداء ، علم وعمل ، فلا تأخذهم في الله لومة لائم .

ختاماً

وأخيراً : لمست أناملي مجموعةً شعريّةً ، رائعة المعاني ، جميلة الألفاظ والقوافي ، إنّها ( نشيد المقاومة ) .

نشيد المقاومة مقطوعات أدبية متنوّعة ، تفوح منها عطر الولاء لآل محمّد (عليهم السلام) ، وفيها روح الحماس ولهيب المقاومة .

أبيات بكلماتها المشرقة تأخذك إلى دوحة خضراء تسرّ الناظرين .

نشيد المقاومة عقد فريد صاغته شاعريّة الاُستاذ الفاضل الحجّة سماحة الشيخ عبد الله الأسعد دام موفّقاً ، فأجاد في رصف الدرر ، فللّه دَرّه ، وعليه أجره .

ينقلك سماحة الشيخ في باكورة أعماله الأدبية من واد إلى آخر ، لتعيش معه روح المقاومة والوعي والولاء .

إنّه دام مجده من رجال العلم في الشام ، قد حضر ولا يزال أبحاثنا الفقهيّة والاُصوليّة الاستدلاليّة ( خارجي الفقه والاُصول ) حضورَ تفهُّم وتعمُّق في جمع من إخوانه الأفاضل من جاليات إسلامية مختلفة .

وقد قرّت عيني بجمع منهم بخوضهم عوالم التبليغ والإرشاد والتأليف والتصنيف والخطابة والتدريس وميادين العمل الإسلامي ، سدّد الله خطاهم ووفّقهم لما يُحبّ ويرضى ، وأسعدهم في حياتهم العلميّة والعمليّة .

أملي بهم أن لا ينسوني من صالح دعواتهم في خلواتهم وجلواتهم ، في حياتي وبعد مماتي ، فإنّي فقير إلى الله بدعاء الصالحين ، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم ، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين .

ـــــــــــ

([۱]) مقدّمة كتاب (نشيد المقاومة) لفضيلة الشيخ عبد الله الأسعد ، طبع سنة۱۴۲۰ هـ .

(۲) المجادلة : ۱۱ .

(۳) الحجرات : ۱۳ .