رقية بنت الحسين رسالة الحق في وجه الطغاة

لم يكن استشهادها نظرة فزع وألم وحسرة على رأس أبيها الحسين فحسب ، بل كان مقدّرا من الباري عز وجل أن يُبقي فعل الطغاة عارا إلى قيام الساعة كي تتجنب البشرية شرور أعمالهم وقبائح أفعالهم ، وتتبرأ الدنيا من هذه الشرور وتلك القبائح ، فهم لا يمثلون الا أنفسهم ومعيب على من يتبنى فكرهم أو يُبرّئ ساحتهم …

فبقيت وسط عاصمة الشام طفلة الحسين (ع) منارة ومئذنة شاهقة يؤمها الملايين كل عام زوارا يتطهروا ويُطهروا أرواحهم بجنبات رحابها المقدس ، وبقيت رقية درة دمشق ولؤلؤتها ، وكتبت للإمام الرضا نفحة من نفحاتي الولائية مخاطبا إمامي :

قُمْ سَيِّدِيْ وَ انْظُرْ بِجِلَّقَ صَرْحُهَا صرحٌ عَظِيمٌ شامِخُ البُنْيَانِ

وَ انْظُرْ لِظالِمِهَا فَأيْنَ قُصُورُهُ تَحتَ الثَّرَى طُمرَتْ بِذُلِّ هَوَانِ

وَ انْظُرْ لِطِفْلَتِهَا رُقَيَّةَ فِي عَمَا–رِ الشَّامِ مُتْحَفَ عِزَّةٍ وَ مَبَانِي

وَ بِقُرْبِهَا ذَاكَ المُؤَسسُ دَولَةً بَلْ رِدَّةً كَانتْ إِلى الأوْثَانِ

لا تَسألَنِّيْ أَيْنَ حِصْنُ قِلاعِهِ هُوَ رَاقِدٌ فِي حُفرَةِ الطغْيَانِ

هذا هو مصير الطغاة الذين واجهوا رسالات السماء المشرقة بنور الله بحقد جهالتهم وعمى بصيرتهم ، وتلك هي استمرارية على مر العصور لا يمكن اجتثاثها ولكن يمكن تجنبها وعدم التلوث بظلامية جهالتها من خلال مقارعة الطغاة ومحاربة الطغيان …

لا ندع الجانب المأساوي الذي مر بسبايا أهل البيت من عناء السفر والإجهاد النفسي للأطفال والنساء أن يتغلب على معالجة ما نهض به الإمام الحسين وخرج من اجله وهو الإصلاح في الأمة التي أفسد الطغاة فيها مفاهيم الرسالة وضللوا المجتمع بترهيبهم وعنفهم وترغيبهم بقبول جهالتهم دون أي نقاش وقبول الأمر الواقع وان كان هداما ، فأصبحت الأمة لا تميز الناقة من الجمل كما خطط لها قادة الردة إلى الجاهلية وانقسمت إلى طوائف وأحزاب وتكتلات لا يهمها مصلحة الإنسان وبناء المجتمع وإنما تغلبَت عليها المصالح الحزبية والطائفية والفئوية الضيقة ، واستمر الحال على ما هو عليه إلى يومنا هذا مما أتاح للطغاة أن يمرروا سياساتهم على شعوب الأمة ويدمروا الأوطان وينشروا الفساد بكل أشكاله .

فأصبح شغلنا الشاغل هو تدبير أمور المعيشة والسكوت على الظالم وبالنهاية افقدوا حس المسؤولية عند المواطن وهذه هي غايتهم لكي ينفردوا بزعاماتهم وقياداتهم الخاطئة والمضللة ولا يمكن لأحد مواجهة ظلمهم وطغيانهم ..

هذا ما أرادت له السلطات الأموية وحتى يومنا هذا ..

أرادوا أن يصبح المجتمع لا يميز شيئاً لينفردوا في نشر جهالتهم والاحتفاظ بالسلطة التي كانت ولازالت هي غايتهم القصوى ،

يرفعون شعارات براقة مضللة وسياستهم هي الهدم والخراب والسيطرة على مقدرات الأمة وإذلال الناس وجعلهم عبيد صنميتهم بأشكال مختلفة وأساليب شتى ..

فعندما أصبح المفسدون يغيرون المفاهيم ويعبثون بمقدرات الأمة خرج الإمام الحسين لا أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرج لطلب الإصلاح في امة جده رسول الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ..

هذا هو البيان الأول للنهضة الحسينية المباركة ..

كم نحن بحاجة لوضع هذا البيان موضع التطبيق في بناء عراق الحسين الذي خرج اليوم منتصرا على الطغاة الجبابرة مجتثا سياستهم الحمقاء وأفكارهم الرعناء ، كم نحن بحاجة لتوحيد صفوفنا بعيدا عن أية محاصصة طائفية كانت أو حزبية أو فئوية ..

كم نحن بحاجة لبناء وطن هدمه الطغيان ونحن نعيش ديمقراطية ربما لم نعرفها من قبل ..

كم نحن بحاجة ونحن نعيش عام الاستحقاقات التي يرتكز عليها اعمار العراق وبناء الإنسان العراقي الذي هده ظلم العقود العجاف وطغيان حكامها من النظام العفلقي السيئ الصيت ..

كم نحن اليوم بحاجة إلى أن نتوحد عربا وأكرادا وتركمان مسلمين وغير مسلمين لا بالكلام والشعارات التي عودنا عليها الجبابرة الطغاة ..

الشعب والحكومة معا في ورشة عمل لبناء عراق الحسين عراق الإصلاح عراق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..

عراقنا اليوم بحاجة إلى شعب يشعر بمسؤوليته أمام الله والذات والقانون كي يعمر بسواعد أهله وكفاءاته وكوادره ..

عراق بحاجة إلى نقلة نوعية بسواعد الشعب الذي يجب أن توفر له ما افقده النظام المقبور من حقوق وسبل العيش الكريم حتى يقدم هذا الشعب واجباته بإخلاص وإتقان ويكون المواطن عنصرا فعالا وبناء للوطن والمجتمع ..

الإمام الحسين لم يخرج من اجل فئة من المجتمع أو جماعة معينة من الناس وإنما خرج للأمة كلها ليصلح الاعوجاج ويعمر الأوطان ويبني الإنسان ..

والعراق اليوم عليه أن يلتزم بهكذا إصلاح ، فعلى من يقود العراق اليوم أن يضع نصب عينيه الإنسان العراقي الذي ظلمه القهر والحرمان وفقدان المواطنة التي سلبها المجرمون ، ولتكن هناك رؤية حقيقية في احتواء الشعب العراقي بعيدا عن الانتماءات لان الانتماءات هي التي هدمت العراق وحطمت النفوس فلا نعيدها بأشكال أخرى ويبقى اليأس مسيطرا على نفوس العراقيين ويبقون في حالة الغربة والابتعاد وهذا ما أراده الصداميون يوم انفردوا في السلطة وأضاعوا خيرات الوطن وشردوا المواطنين وكان الشعب هو الضحية ..

اليوم لا يمكن أن يعاد الماضي

العراقيون مستعدون وساعون لبناء وطنهم وهم بحاجة إلى وقفة مسؤولة من حكومتهم وبرلمانهم وقيادتهم بعيدا عن سياسة التهميش والعزل التي كان يتبعها النظام المقبور من خلال الحرب النفسية ضد الكفاءات والتضييق المادي عليهم وتهجيرهم والعمل على إقصاءهم من خلال منع توسعهم وتأثيرهم على المجتمع ، حتى وصلت به الوقاحة لإسقاط مواطنتهم وسحب الجنسية التي يعتزون بها فيما إذا خالفوه الرأي ..

وكانت له سياسة منظمة في تحقيق هذه الغايات من خلال منعهم من فرص التقدم، بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية لأن تقدمهم يجعلهم بمقربة من المجتمع العراقي وبذلك يزداد تأثيرهم على الناس فكان يلجأ لتشويه سمعتهم وتخويف الناس من التقرب منهم فجعل فاصلا يفصل هذه النخب وهذه الكوادر حتى عن أسرها وذويها ..

الإصلاح المطلوب اليوم هو هد هذا الجدار والالتفات إلى الكوادر الأكاديمية والنخب الثقافية والاجتماعية التي على عاتقها سيبنى العراق بعيدا عن المحاصصات التي ستعيد العراق إلى عهد الجهالة والظلام ..

عام الاستحقاقات الوطنية سيبنى عليه مستقبل العراق الواعد وهذا هو اختيار الإمام الحسين للعراق منطلقا لنهضته الإصلاحية التي يجب أن يتفهمها كل عراقي حريص على بناء الوطن وتقدمه وازدهاره ، والتي من اجلها قدّم الإمام الحسين أغلى التضحيات واسماها بنفسه الزكية وبالثلة الطاهرة من أهل بيته الكرام التي لم تبق يد الإجرام والحقد حتى أطفال الحسين التي كانت رقية بنت الحسين إحداهم

ولكن كما قلت شاء الله أن يجعلها درة دمشق ولؤلؤتها ومنارة الشام ومئذنتها التي غيبت ظلام الطغاة وضلالتهم …

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى شريكة الحسين زينب وطفلتها رقية بنت الحسين …

الكاتب: الدكتور عصام عباس