رمزية الانتخابات العراقية ودلالاتها

الحديث عن العراق في اجوائه الانتخابية لن يكون مجديا اذا اقتصر على الخوض في تفصيلاتها. فهي ستجرى وتعلن نتائجها، وبعد شهور من المماحكات الحزبية سيتم تشكيل الحكومة. هذا ما اعتاده مراقبو الوضع العراقي منذ التغيير السياسي قبل ۱۲ عاما.

الحديث هنا سيكون حول رمزية الانتخابات البرلمانية في منطقة تضافرت جهود قوى الثورة المضادة لافشال اية محاولة لتغيير انظمتها الديكتاتورية. الامر المؤكد ان هذه الدورة قد حظيت بحضور اكبر ومشاركة اوسع، حيث يخوض اكثر من ۹۰۰۰ مرشح تنافسا للفوز بـ ۳۲۸ مقعدا موزعة ضمن نظام اعتمد على طريقة سانت ليغو في توزيع المقاعد. وهنا يجدر طرح عدد من الابعاد ذات صلة بالانتخابات العراقية:

اولا: ان الحرب التي شنت على العراق في مطلع العام ۲۰۰۳ كانت لاهداف مختلفة عما حدث لاحقا، وقد وقف الكثيرون ضدها نظرا لما تعنيه من تدخل عسكري اجنبي يمثل عدوانا على سيادة بلد مستقل. منطلقات الحرب ومبرراتها لم يستطع المحور الذي قام بها بقيادة الولايات المتحدة الامريكية اثباتها. وأهم تلك المبررات امتلاك العراق اسلحة دمار شامل. وقد ثبت بعد انتهاء الحرب عدم صحة ذلك، ولم تستطع قوات الاحتلال الغربية العثور على شيء منها. فقد تم تدمير ترسانة اسلحة الدمار الشامل التي كانت لدى العراق قبل الحرب بعشرة اعوام تقريبا، وفق ما كرره السيد هانز بليكس، كبير مفتشي الاسلحة الذي تابع الملف العراقي مندوبا من الامم المتحدة.

ثانيا: ان من وقف ضد الحرب كان يؤسس موقفه على مبدأ مقدس، مفاده رفض التدخل العسكري الغربي لاحداث التغيير السياسي في اي من الدول العربية. فبعد التجربة المريرة مع الاستعمار الغربي في القرن الماضي، تعمق الشعور الوطني لدى الكثيرين برفض التدخل العسكري تحت اية ذريعة. ولكن الذي حدث لاحقا ان انقلابا خطيرا على ذلك المبدأ حدث بعد انطلاق ثورات الربيع العربي.

وطالبت الدول التي كانت ضد الحرب على العراق، تحت مظلة الجامعة العربية، الولايات المتحدة وحليفاتها بالتدخل المباشر ضد بعض الانظمة الديكتاتورية مثل نظام القذافي في ليبيا. تلك الدول التي يمكن اعتبارها اقوى الثورة المضادةب وقفت ضد انتصار شعبي مصر وتونس باسقاط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، ولكنها تحمست لاسقاط القذافي واستدعت الغربيين لذلك الغرض. وبدا واضحا ان الموقف المبدئي الرافض للتدخل الغربي العسكري المباشر قد انعكس تماما، واصبحت الدعوة تنطلق بوضوح، وبدون تردد او تحياء، لطلب التدخل. ومهما طرح من مبررات فان قيم الحرية والوطنية ترفض استدعاء الاجانب للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، خصوصا بعد التجارب المرة مع الاستعمار سابقا والتدخلات العسكرية في العقود الاخيرة.

وتكرر السيناريو نفسه مع الوضع السوري الى الدرجة التي ادت لفتور العلاقات بين السعودية وحليفاتها من جهة والولايات المتحدة من جهة اخرى بسبب رفضها تلبية الطلب العربي بالتدخل. ما الذي حدث؟ وكيف تم الانقلاب على مبدأ رفض التدخل العسكري الذي تبلور خلال ازمة العراق في ۲۰۰۳؟ وكيف اصبح االمثقفونب و’النخبب يستمرئون التدخل العسكري الاجنبي، اما بالمطالبة به او الرضا بحدوثه او الصمت ازاءه؟ بعد هذا فهل ثمة ثوابت لدى هذه النخب؟ وهل يتوقع ان تمارس دورا قياديا فاعلا لاحداث التغيير في الدول العربية؟

ثالثا: انه في الوقت الذي دعمت فيه بعض جهات المعارضة العراقية التدخل الغربي الذي كان معدا سلفا ولم يكن بانتظار دعوة احد، فقد رفضت اطراف اخرى ذلك التدخل ووقفت ضد الحرب. ولم تسجل مشاركة عراقية فاعلة في الحرب ضد نظام صدام حسين. وهذا عكس ما جرى سابقا ويجري الآن على الصعدان الاخرى. فقوى المعارضة تتصدر الدعوة للتدخل الغربي لاسقاط النظام السوري، والسعودية اعتبرت عدم التدخل تخليا امريكيا عن التزاماتها تجاه الانظمة الصديقة في المنطقة، ولم تتوقف محاولات الضغط على امريكا للتدخل حتى الآن. فكيف وصلت الامور الى هذا المستوى من التخلي عن المبادىء التي كانت تجسد ابسط تجليات الوطنية والثورية والتحرر؟

رابعا: ان الموقف العربي المعادي للتدخل الامريكي في العراق كان ضروريا لتثبيت مبدأ رفض التدخل العسكري الاجنبي عمليا في شؤون الدول العربية. ولكن ما معنى الحرب التي شنت لاحقا على النظام السياسي الذي تمخض عن التغيير السياسي المتمثل بسقوط نظام صدام حسين؟ ولماذا استمرت تلك الحرب حتى الآن وما تزال تحصد يوميا ارواح العشرات من العراقيين؟ وهنا يتضح عدد من الحقائق الاخرى:

الاول: ان الطرح الطائفي كان وسيلة لتجييش العواطف لمواجهة النظام السياسي الجديد في العراق، وليس بالضرورة منطلقا من قناعات دينية.

بل ان السياسة استغلت الدين لتجنيد الشباب لحرب طاحنة لا يستفيد منها الا اعداء الامة خصوصا الكيان الاسرائيلي. فلو انتخب الشعب العراقي رئيس وزراء سنيا لما توقف استهداف العراق. فالقوى التي تحرض ضد ما يسمى االنظام الشيعيب في العراق، هي نفسها التي خططت للانقلاب ضد الاخوان المسلمين السنة في مصر، وهي نفسها التي افتعلت الازمات في تونس لابعاد حركة النهضة عن الحكم برغم فوزها في الانتخابات البرلمانية التي اجريت في ۲۰۱۱٫ مذا يعني ذلك؟ انه يعني ان قوى الثورة المضادة تهدف لأمر واحد: منع التغيير في النظام السياسي العربي الذي عرف بالاستبداد والتخلف والقمع والفساد. والطائفية ليست سوى سلاح قذراستخدم في العراق في محاولة لاسقاط الممارسة الديمقراطية، وفي البحرين لمنع التغير الديمقراطي المنشود.

اما في مصر فاستخدمت مقولات اخرى مثل االاخونةب واالحرب الاهليةب وبديكتاتورية الاخوانب للتحشيد ضد محمد مرسي وجماعته حتى اسقطوا من الحكم.

الثاني: ان مشروع قوى الثورة المضادة تشترك فيه ‘اسرائيلب التي لديها اهداف اخرى اهمها ابقاء الدول العربية المجاورة متناحرة وضعيفة وغير متفقة على مشروع′تحرير فلسطين، واضعاف المجموعات الفلسطينية الهادفة لتحرير ارضها من الاحتلال الاسرائيلي، واحداث خلل دائم في التوازن العسكري بين الكيان الصهيوني والدول العربية. والواضح اليوم ان قدرا كبيرا من تلك الاهداف قد تحقق. فقد الغي دور الجيوش الاساسية للدول المتاخمة لفلسطين. فليس هناك جيش عراقي يهدد ‘اسرائيل’، والجيش السوري يخوض حربا اهلية مريرة لا تبدو لها نهاية في الافق المنظور، والجيش المصري تم تحييده في الصراع منذ عقود، وتم اشغاله الآن بصراعات دموية مع مجموعات مسلحة تمارس العنف الذي يوجه اللوم بشأنه الى جماعة الاخوان، وهو عنف لا يحقق شيئا.

الثالث: ان استمرار اشغال العراق بالاختلافات الداخلية يحقق عددا من الامور منها تقسيمه وفق اساس طائفية وعرقية، كما يتم التخطيط لتقسيم سوريا ومصر، وقد قسم السودان فعلا قبل ذلك. كما ان ابقاء العراق مضطربا يظهر عدم جدوى التغيير السياسي الذي يؤدي الى التقسيم والتناحر الطائفي والعرقي، ويساهم في تكريس القناعة بان الدول العربية ليس امامها سوى الابقاء على الانظمة القائمة التي تمنع ذلك.

الرابع: ان استمرار السيناريو الحالي من اعمال الارهاب يضر بالمشروع السياسي الاسلامي، لانه يقدم صورة دموية مقززة للآخرين، خصوصا مع التطبيقات السيئة للاحكام الشرعية في المناطق التي يسيطر عليها المسلحون في العراق وسوريا وليبيا وافغانستان. انها دعاية مضادة مؤثرة ضد ما يسمى االاسلام السياسيب الذي اصبحت مواجهته هدفا غربيا. وقد اكد ذلك توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، الذي كتب مؤخرا مقالا اكد فيه ضرورة تالتصدي للاسلام السياسي.

خامسا: الانتخابات العراقية تؤكد امورا عديدة: اولها ان التغيير يؤدي الى ممارسة ديمقراطية، وان كان لا يلغي الفساد او التناحر البيني او ضعف سياسات التنمية والتطوير. ثانيها: ان العراقيين، في اغلبهم، تمردوا على محاولات التقسيم طوال اثني عشر عاما، وان كان شبحه ما يزال ماثلا وسرعان ما يستحضره الساسة حين يحاولون الضغط على السلطة المركزية في بغداد. ثالثها: ان العراق تمرد على المشروع الطائفي او العرقي، برغم المذابح والتفجيرات والاساليب التي لم تستخدم من قبل ومنها استهداف المنشآت الحيوية كمحطات الكهرباء والجامعات والمساجد، وكذلك قطع الماء عن بقية المناطق.

سادسا: ان العراق بقي حتى الآن وحدة واحدة ولم يتقسم برغم الاطروحات التي فرضت عليه ومنها النظام الفيدرالي والمحاصصة. فلا الاكراد يرغبون في الانفصال، ولا السنة يعتقدون ان مصالحهم تتحقق بفصل المناطق السنية عن بقية العراق. اما الشيعة فهم متمسكون بوحدة البلاد، يرفضون تقسيمه، ويبذلون الجهود للابقاء على خطوط التواصل مع المكونات الاخرى ضمن المجتمع العراقي الواحد. وهكذا يبدو ان الانتخابات البرلمانية التي تجرى هذا الاسبوع خطوة تؤكد ديمقراطية العراق ووحدة ترابه وشعبه بمكوناته العرقية والدينية والمذهبية، برغم الجهود المتواصلة من قوى الثورة المضادة. هذا مع الاعتراف باخطاء حكامه وفساد بعضهم وضعف البعض الآخر عن النهوض بالعراق تنمويا وسياسيا.

الكاتب: الدكتور سعيد الشهابي