روحانيات الطريق بيت الله

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين .
عاش الإنسان بأجياله المتعاقبة على سطح الأرض، وعاشت معه جوعته الشديدة إلى من يقوّم أوده، ويقوّم جحافله بعد ان يرسم له الهدف العظيم ونهج السلوك إليه…
وتقدم إليه الكثيرون بأطروحاتهم البشرية المتنوّعة، وتلقفها الإنسان بلهفة، فحوّلت حياته إلى جحيم.
وتقدم إليه الأنبياء العظام بأطروحة السماء وكلمة الهدى، فقبلها بعض الناس فسعدوا، ورفضها آخرون فعاشوا الشقاء.
والسماء الرحيمة تصر على الهدى والعطاء وإن قابلها الإنسان بالجفاء والنكران…
وتوالت الأطروحة تلو الأخرى، دفقات نور تنير الدرب الحالك الذي زاده ظلاماً ظلم الإنسان نفسه.
وكانت أطروحة الإسلام الخالدة أغلى ما قدمت السماء للأرض، إذا أنها كفلت للإنسان كل ما لا يستطيعه فكره القاصر، فرسمت له نقطة البدء وعيّنت له نقطة الهدف، وراحت تهيىء له معالم الدرب وأوقدت له مشاعل من هدى ليستضيء بها في مسيرته.
وقدمت فيه ما قدمت له منهجاً تربوياً رائعاً، مهمته أن يصنع الإنسان الإنسان، الإنسان الذي يبقى على واقعه الفطري ويتلاءم مع هدفه الأصيل، وكان المنهج واعياً تمام الوعي لواقع الإنسان، إذ أنه وعاه روحاً ظمأة إلى عقيدة واقعية، تحدد له مركزه من الكون، وتعين له موقعه من المسيرة الصاعدة، كما وعاه جسداً يهفو نحو الإشباع، لأنه يريد أن يعيش، وغرائز أصيلة تربط ما بين الكمالين.
فقام على تربية الإثنين وهداية الجانبين… وكانت الحصيلة رائعة كل الروعة، فالعقيدة الواقعية أعطيت له بكل دقة، والنظام أكمل سد باقي الحاجات، فما على المنهج إلاّ أن يعمّق هذين ويجسّدهما في حياة الإنسان، لكي يؤتيا أكلهما ويثمرا السعادة الحقيقية.
واعتمد للوصول إلى ذلك بمختلف الأساليب، فمن أسلوب نظري يعتمد على النصوص الشريفة ويربي إحساس المسلم العميق ويركز في نفسه الإيمان، إلى أسلةب تقديم النماذج العالية… عقيدة وعملاً، متمثلة في شخص النبي(ص) القائد العظيم وشخصيات الأئمة من أهل البيت(ع) وباقي الصحابة الأخيار(رض) بعد ان أمر الأمة أن تستجلي روح العظمة ونقاط السمو في سنتهم وسيرتهم… وتحاول جهدها أن تصل إلى بعض ما يمكن الوصول إليه منها {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}.
ومن الأساليب التي اتّبعها هذا المنهج أسلوب التدريب الحسي العملي الذي يركز عقيدة أو عملاً أو كليهما بصورة عملية تنطلق دوافعها من نفس الإنسان مؤطرة بإطار السماء.
وقد مرّت البشرية بإحدى تلك التجارب السنوية في رمضان المبارك… وذاقت فيها حلاوة الإرادة التي رافقتها مرارة الجوع، وما أهون الجوع في سبيل الإرادة التي هي سرّ تجلّي الإنسانية في الإنسان.
وتصاعدت روحيتها إلى أعالي القدس وبلغت ذروة علوها في ليلة القدر التي غمرها إنزال القرآن جلالاً وعظمةً، وأخيراً احتفلت الأرض بعيد الفطر وسمو الفطرة على كل القيود المادية الرخيصة وإلى حيث الصفاء والحقيقة.
وها هي اليوم تمر بتجربة سنوية عالمية أخرى… ودورة تدريبية إنسانية كبرى، فيها من المعطيات ما يطول عنه الحديث…
إنه تجربة الحج وأكرم بها من تجربة رائدة، تجتمع فيها صفوة بشرية وفقت لإجابة ذلك النداء التاريخي العظيم نداء إبراهيم(ع) خليل الله للبشرية كل البشرية بكل أجيالها.
{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}.
وهنا تتجسّد المعاني، وتتحوّل إلى واقع محسوس، حيث يتجرّد هؤلاء إلا من لباس بسيط فتتربّى فيهم كل معاني الزهد الذي هو في الحقيقة تعالٍ على كل تقييد مادي وضيع، وتنطلق فيهم الأحاسيس المذكّرة بيوم النشور، وينطلق هؤلاء جميعاً في ممارسة عبادة الحج لتنبعث في أعماقهم رموز توجّه الأرض، وهم يمثلونها إلى مهبط الوحي ولارسالة لتستمد منها ما يحقق سعادتها وهناءها.
فالهدف واحد والنداء واحد… إنه التكبير والحمد اللذان يغرسان في الإنسان الأساس والمبدأ للعقيدة، إنه إسم الله أكبر منطلق الكائنات، وكون هذا الإنطلاق بمقتضى رحمة كبرى لها الحمد المتواصل.
ويطوف الكل حول الكعبة الحرام البقعة التي اختارها الله لتمثّل مركز وحدة الأرض… وهنا تثور المشاعر وتتجلّى الأحاسيس… فما أروع أن يطوف الإنسان حول مركز وحدة الأرض وقبلتها، فتتربّى في أعماقه هذه الوحدة، فينذر نفسه لتحقيقها كاملة، ولتتوجّه الأرض بأكملها إليه، ويكون الدين كله لله، يقول أمير المؤمنين(ع) واصفاً مجيء الحجيج:
“حتى يهزوا مناكبهم ذللاً يهلون لله حوله ويرملون على أقدامهم شعثاً غبراً له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم… ابتلاء عظيماً وامتحاناً شديداً واختباراً ميبناً، وتمحيصاُ بليغاً، جعله الله سبباً لرحمته ووصلة إلى جنّته…” (نهج البلاغة شرح محمد عبده ج۲، ص ۱۴۶).
وفي موضع آخر يقول(ع):
“جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته، واختار من خلقه سمّاعاً أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبّهوا بملائكة المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله الله سبحانه وتعالى للإسلام علماً والعائذين حرماً”.
وليتأمل المتأمل في كلامه (ع) فإنه سيجد فيه الإحساس الذي ربّاه الإسلام تماماً. إنه يشير إلى شعور المسلم وهو يطوف بأنه يقف مواقف الأنبياء حسّاً حيث يطأ موطئاً يجسّد فيه مواقفهم حيث يقوم بشكل من العمل يمثّل عملهم الرئيسي في الكون.
وهو يشير إلى شعور المسلم وهو يطوف بأنّه يمثّل ملائكة الله المطيفين بالعرش، فإذا ما أشرنا للعرش بأنه نقطة وحدة الكون ومنطلق حياته، عرفنا وجه التشبيه، فالإنسان الذي يطوف حول مركز وحدة الأرض، يشبه الملائكة المطيفين حول مركز وحدة الكون وهكذا تستمر المسيرة وتسمو النفوس حتى تبلغ قمّتها في عرفات حيث مسرح العروج وحيث يعجز القلم عن وصف المنظر ومعطياته، وينهي المسلمون دورتهم هذه بتلك الحركة المجموعية، لرجم رمز الفساد في الأرض رجماً متوالياً ما أن ينتهوا من مرحلة حتى يبدأوا مرحلة أخرى.
وهكذا تتّضح من خلال شخصيتهم بالطواف حول مهبط الوحي، وبرجم رمز الشر، وما اروع هذين لو اجتمعا واقعاً في قلب الإنسان وعمله، إنه الفائز بلا شك.
وما أن تنتهي هذه الثلة من دورتها، حتى يعلن المسلمون جميعاً احتفالهم بعيد الدم والتضحية بعيد الأضحى المبارك.
فهنيئاً للفائزين السعداء وتعميقاً لأهداف الإسلام في علو الأرض إلى مراقي السعادة.

الکاتب: الشيخ عباس شحادي