روح الله الخميني والمعركة الحضارية الصعبة

اكتسحت التيارات العلمانية المنطقة الإسلامية منذ بزوغ القرن العشرين، وقد تهاوت أمام ضرباتها حصون الثقافة الإسلامية بلداً تلو بلد، حتى أتت على أعرق الثكنات للثقافة الإسلامية، فاجتاح ،مثلاً ، الحزب الشيوعي مناطق تمثل القلعة الحصينة للثقافة الإسلامية على أمد قرون عديدة وهي النجف الاشرف وقد اعتنق بعض المعممين وأبناء العوائل الدينية العريقة المذهب الماركسي، وكان الخطر ينبئ بتحطم تلك القلاع بعد أن اقترب المد الشيوعي والعلماني الرأسمالي والوجودي من تلك القلاع الحصينة، وكل ذلك جاء نتيجة تسلح تلك التيارات بسلاح العلم الحديث والتكنولوجية المتطورة التي أبهرت شعوب المنطقة الإسلامية، ونتيجة لتخلف الشرق الإسلامي عموماً، ورزوحه تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية الشمولية، وقد أشاعت التيارات الوافدة فكرة مضمونها أن المنطقة الإسلامية وشعوبها المتخلفة هي نتيجة طبيعية لتمسكها ببعض الأفكار “الرجعية” ومنها الدين، وقد شكل هذا عاملاً مهماً من عوامل ضعف الثقة بالنفس ونظرت الشعوب الإسلامية إلى تراثها نظرة ازدراء وأنه هو السبب الرئيس في تخلفها، أما نظرة تلك الشعوب للآخر الوافد فكانت الانبهار والتعظيم والانحناء أمام كل شيء وافد من الحضارة الغربية الحديثة، فكانت المهمة صعبة جداً أمام المؤسسات الدينية التي كانت هي الأخرى تعيش في عصر من الانحطاط والجمود الفكريين، مما أدى إلى ضرورة تصدي رجال المؤسسة الدينية للوقوف أمام تلك التيارات الوافدة وحماية الحصون المتبقية من اجتياحها، لكن هذا الأمر لم يكن بالأمر الهين، فهو أولاً يحتاج إلى شخصيات علمية تشربت بروح الإسلام ومفاهيمه الراقية، وهضمت أطروحاته العظيمة وثانياً اطلعت على مفاهيم الحضارة الغربية ووضعت يدها على نقاط قوتها وضعفها، وثالثاً معرفة العصر الذي تعيش فيه والنزول إلى مستوى الجماهير من أجل توعيتهم وإعادة ثقتهم بتراثهم، وكل هذا كما قلنا آنفاً يحتاج إلى عقول فذة وذهنيات متفتحة تستطيع أن تشكل القيادة الإسلامية التي يمكن للجماهير أن تنظر إليها نظرة إكبار واطمئنان إلى متبنياتها الفكرية والعقائدية؛ حتى تكون البديل الحضاري الناجح إزاء ما ينتظر المنطقة بأسرها من هجوم فكري عنيف وغزو ثقافي غير متكافئ، فكان السيد روح الله الخميني رجل المرحلة بحق، فهو شخصية علمائية تشربت بروح المفاهيم الإسلامية وبلغت مرتبة علمية عالية في الحوزات العلمية إضافة إلى النضج السياسي وذوبانه في الأمة وإدراكه الواقع السيئ الذي تعيشه، وهذا من الأمور المهمة جداً، إذ إن تشخيص الخلل من الأهمية بمكان فالكثير من الشخصيات العلمية في المؤسسة الدينية ترى أن لا خطر يحدق بالأمة ولا ضرورة تستدعي الإصلاح، وهذا ما يشكل عائقاً أمام الشخصيات الإصلاحية إذ ستضطر إلى التصادم مع رؤى تلك الفئة غير الواعية من المؤسسة الدينية، وهو ما سيضع الكثير من الفرص لو أنها أي الفئة غير الواعية كانت تدرك الواقع الفاسد، وبالتالي تتكاتف الجهود من أجل تغييره.

وقد عمل السيد روح الله على أكثر من جهة فاعلة يمكنها أن تحرك بدورها جماهير الأمة، فهو قد أوجد تياراً حوزوياً يضم كبار علماء الدين كانت مهمتهم لا تقل عن مهمته العظمى، فهم شكلوا نواة انبثاق الثورة الإسلامية ببعثهم التراث الإسلامي وأيقظوا الروح الإسلامية في الشعب الإيراني وبأسلوب حضاري رائع، فكتابات ومحاضرات آية الله الشهيد مرتضى المطهري وغيره من رجالات تلك المرحلة لا سيما ما يتعلق بالدراسات المقارنة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية كانت لها الأثر البالغ لا سيما أنها حركت الطبقة المثقفة من طلاب الجامعات والأساتذة، وهو ما كان يؤكد عليه السيد روح الله، إذ إنه برؤيته الثاقبة رأى ضرورة العمل على التواصل ما بين المؤسسة الدينية والجامعات الأكاديمية؛ لأن الكثير من الأفكار المستوردة كان الطريق لتصديرها إلى البلاد الإسلامية يمر عبر الجامعات، وقد نجح تيار “الامام” الخميني أيما نجاح في كسب الأكاديميين إلى جانبه، فكانوا من أهم عناصر نجاح هذا التيار في ثورته المباركة.

لقد أعادت ثورة روح الله الخميني الثقة للجماهير المسلمة، فالدين الذي غيبه أعداؤه قرون من الزمن وساعدهم في ذلك سيطرة التيار المحافظ في المؤسسات الدينية الذي كان يرى أن حالة انزواء الدين في غياهب التكايا والزوايا هي الحالة الطبيعية لمهمة الدين الإلهي وهو ما شجعته الأنظمة الدكتاتورية، ها هو ذلك الدين يخرج من كهوف التخلف الذي حصره فيها المتخلفون، ها هو يطل على العالم بقوة رافعاً شعار ” الدين لله والدنيا للدين وليس لقيصر مكان في الاثنين” فكانت الصحوة الإسلامية التي أرعبت الشرق والغرب دول العالمين الرأسمالي والاشتراكي، وقد تحقق ذلك الحلم الخميني اليوم، فصعود التيارات الإسلامية في الدول الإسلامية أصبح واقعاً معاشاً بعد أن كان حلماً يراود روح الله الخميني وسعى بكل ما لديه من جهد لتحقيقه.

وهناك ملاحظة مهمة لا ينبغي إغفالها هي أن انتصار الخميني ونجاحه في إيران، كان محكوماً بعدة ظروف موضوعية كانت جملة منها من صنعه، والآخر يتعلق بانتشار التيار الإصلاحي في حوزة قم المقدسة، أما في العراق حيث حوزة النجف الأشرف التي يتربع على رأس الهرم فيها علماء غارقين من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم في التقليدية والمنهج الكلاسيكي، فلم يستطع أعظم شخصية علمية هضمت مطالب النقل والعقل، ونظرت في مختلف مجالات الشريعة الإسلامية لقيادة المجتمع في العصر الحديث، وخاضت لجج المنطق والفلسفة وهي شخصية السيد الشهيد محمد باقر الصدر،الذي قيل فيه “إذا كان الخميني الرجل الذي أقام دولة، فإن المنظــِّر الفريد للدولة والفكر السياسي والاقتصادي لها هو الشهيد الصدر” هذه الشخصية رغم مؤهلاتها الضخمة لم تستطع أن تدك الجدار الكلاسيكي في حوزة النجف، لذا استطاع النظام الصدامي أن يجهز عليها، بينما انهار النظام الشاهنشاهي في إيران بفضل تكاتف الجهود العلمائية وثقة الجماهير الإيرانية بهم، وشتان بين الحالتين.

الكاتب: علي محمد البهادلي