المتفرقة » المقالات » السيرة »

سرٌ من أسرار زينب الحوراء(ع)

الحمد للّه‏ الذي زيّن الإنسان بالعلم، وعلّمه جوامع الكَلِم، والصلاة والسلام على أشرف خلق اللّه‏ زين الكائنات وفخر الممكنات محمّد وآله الأطهار نور الأخيار وزينة الأبرار.

قال اللّه‏ تعالى في محكم كتابه الكريم:(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ)

البيّنة في مصطلح الفقهاء بمعنى الشاهدين العدلين على واقعة في مقام الشهادة تحمّلها وأداءها، وهذه تسمّى بيّنة شرعيّة وتشريعية، وفي الكائنات بيّنات تكوينية، ومن كلّ شيء خلق اللّه‏ زوجين ليشهدا على وحدانية اللّه‏ سبحانه وتعالى. ففي كلّ شيء له آية وبيّنة يدلّ على أ نّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. وقصّة عاشوراء والطف الحزينة، إنّما هي وليدة الزوجيْن الزكيّين الطاهريْن العلويّيْن الفاطميّيْن مولانا الإمام الحسين بن عليّ سيّد الشهداء(عليه السلام)، وسيّدة بني هاشم، عقيلة الطالبيين سيّدتنا زينب الكبرى سلام اللّه‏ عليها. فعاشوراء الإسلام، محلّ ولادتها كربلاء الصامدة، أبوها سيّد الشهداء الإمام الحسين(ع)، ومربّيتها المجاهدة الثائرة زينب الطاهرة. لولاها لكانت عاشوراءاليتيمة، تموت في صغرها. إلاّ أنّ السيّدة زينب بنضالها وندائها الثوري’ ربّت عاشوراء تلك الوليدة التي يجري في عروقها دم اللّه‏ وثاره. فتربّت عاشوراء الحسين في أحضان زينب’ وترعرعت في جوارها وحجرها المبارك وجهادها الدؤوب، لتكون عاشوراء اُمّ الثورات التحرّرية بين الأجيال في كلّ عصر ومصر، إلى يوم القيامة، فهي المنطلق الثوري للنهضات الإسلامية إلى اليوم الموعود.

ولا يمكن لأحد سوى اللّه‏ سبحانه والأنبياء والأوصياء عليهم‏السلام أن يعرفوا مقام أُمّ عاشوراء ومنزلتها في الدارين، فإنّ المعرفة والعلم بالشيء لازمه الإحاطة به، ولا يمكن للناس أن يحيطوا بعاشوراء وجوهريّتها وفلسفتها، ولا بأبيها واُمّها.وزينب الكبرى’ في أدوار حياتها وسيرتها الذاتيّة تخبرك عن أصالة سماويّة وشجرة نبويّة ودوحة هاشميّة وترجمة قرآنيّة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهي زينة أبيها أمير المؤمنين أسد اللّه‏ الغالب عليّ بن أبي طالب(ع)، وإنّه لم يفتخر بكتابه العظيم (نهج البلاغة) الذي هو كتاب الحياة وكتاب السعادة ولا يمكن للبشر أن يعرفوا ما فيه من العظمة والشموخ، إلاّ أ نّه يفتخر ويتزيّن ببنته السيّدة زينب’.ولولا الخوف على عقول الناس، لقيل في مدحها وثنائها ومعرفتها ما يبهر العقول، ويحيّر ذوي الألباب، وقليل من عبادي الشكور الفكور الصبور.ولا زالت زينب النبوّة والإمامة، زينب الولاية العظمى أسيرة الهوى، بالأمس كانت أسيرة الظالمين من بني اُميّة الطغاة وأشياعهم، واليوم أسيرة العقول الضعيفة، حتّى قالوا عنها: إنّها امرأة عاديّة؟ ! !

والمعرفة إنّما تتمّ بالإيمان باللّه‏ سبحانه والعشق بعظمته، وجماله المتجلّي في الكائنات والتعبّد والتسليم لأمره.وما نعرفه من زينب اليوم ليس إلاّ شبحاً من قدسيّتها وعظمتها، ومن الواضح أنّ الشبح لا يعطي معرفة تمام الشيء وحقيقته. وأمّا زينب الإسلام فقدرتها تعني حكومة الأخلاق والفداء والتضحية، وتربيتها تعني الحبّ والعشق الإلهي والذوبان في اللّه‏ جلّ جلاله، وثقافتها تعني سلامة الفطرة وحكومتها في كلّ مجالات الحياة على الصعيدين الفردي والإجتماعي.والعشق الإلهي المتجلّي في ثورة عاشوراء إنّما هي شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها، ثمرتها العصمة، وورقها الإخلاص، وجذورها الطهارة، ودوحتها الجمال، وبهاؤها الجلال.والعشق إنّما ينبع من سويداء القلب، والقلب حرم اللّه‏ وعرش الرحمن، والفطرة إنّما تدعو القلب إلى أن يعرف صاحبه ومالكه وهو اللّه‏ سبحانه، إلاّ أنّ هذا الشيطان الرجيم يسرق بيت اللّه‏، وهو قلب المؤمن فإنّه حرم اللّه‏ وعرشه، فيسرقه ويعشعش فيه ويبيّض ويفرّخ، فيكون عشّ الشيطان وأبنائه وأعوانه وحزبه،فيتنزّل القلب ويعصي الربّ، حتّى ينتكس، فلا يكون وعاء للرحمة الإلهية وعلم اللّه‏ سبحانه، ثمّ يموت القلب، فيفقد الإنسان إنسانيّته، فيكون كالحجارة أو أشدّ قسوة،وكالأنعام بل أضلّ سبيلاً.

وكربلاء الحسين وزينب÷ إنّما هي مصارع العشّاق، كما قالها أمير المؤمنين علي(ع) حينما جاوز كربلاء: «ها هنا مصارع العشّاق» وعاشرواء الحسين وزينب÷ إنّما هو كتاب العاشقين الوالهين في حبّ اللّه‏ وجماله.وزينب بطلة كربلاء، معلّمة العشق الإلهي جيلاً بعد جيل، ترفع إلى السماء جسد أخيها المضرّج بالدماء، محزوز الرأس، مهشّم الأضلاع، وتقول بكلّ سكينة ووقار: «اللهمّ تقبّل هذا القربان من آل محمّد(ص)». زينب الكبرى عقيلة بني هاشم اُمّ المصائب وقرينة النوائب، العصمة الصغرى والناموس الأكبر، محبوبة المصطفى وزينة المرتضى وشقيقة المجتبى وشريكة الحسين سيّد الشهداء. زينب الإنسية الحوراء بنت سيّدة النساء فاطمة الزهراء’، نتيجة النبوّة المحمّدية وحصيلة الولاية العلوية، وآية العصمة الفاطمية، ومرآة المحاسن الحسنيّة، وانعكاس المصائب الحسينيّة، لقد بلغت في المجد غاية حدّها.

(من ألقابها العلياء وخصائصها السمحاء)

الصدّيقة، العصمة الصغرى، وليّة اللّه‏ العظمى، ناموس الكبرى، الراضية بالقدر والقضاء، أمينة اللّه‏، عالمة غير معلّمة، فهيمة غير مفهّمة، محبوبة المصطفى(ص)، قرّة عين المرتضى(ع)، نائبة الزهراء’، شقيقة الحسن المجتبى(ع)، شريكة الحسين سيّد الشهداء(ع)، الزاهدة، الفاضلة، العاقلة، الكاملة، العاملة، العابدة، المحدّثة، المخبرة، الموثّقة، كعبة الرزايا، المظلومة، الوحيدة، عقيلة قريش، الباكية، الفصيحة، البليغة، الشجاعة، عقيلة خدر الرسالة، رضيعة ثدي الولاية، روحي وأرواح العالمين لها الفداء. ومن خصائصها: حملتها أُمّها كرهاً ووضعتها كرهاً، كإخوتها^، فالزهراء من حين حملها إلى يوم ولادتها كانت مهمومة، وقد اُخبرت من قبل بمصائبها، وما يجري عليها من الآلام والمحن.

والأسماء تنزل من السماء، إلاّ أنّ اللّه‏ قد شرّف بعض أوليائه وأنبيائه أن سمّـاهم بنفسه، كآدم ويحيى «يا زَكَرِيَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّا»، وعيسى المسيح «إنَّ اللّه‏َ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسيحُ عيسى»، والنبيّ الأكرم «وَمُبَشِّرا بِرَسولٍ يَأتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أحْمَد»وعليّ اشتقّ من العليّ والحسن والحسين وزينب الكبرى.كما ورد في الخبر الشريف عندما قدّمت فاطمة بنتها إلى زوجها أمير المؤمنين ليسمّيها فقال: لا أسبق رسول اللّه‏(ص)، ولمّـا كانت بين يدي الرسول لم يسمّها لكي لا يسبق اللّه‏ سبحانه، فنزل جبرئيل الأمين وقال: إنّ اللّه‏ يقرئك السلام ويقول: سمّها زينب، كما سمّيت في اللوح المحفوظ.فزينب زينة اللوح المحفوظ، كما أنّ أباها أمير المؤمنين عليّ(ع) وآخاه الحسين(ع)زينة عرش اللّه‏. والعرش و اللوح من علم الله فالحسين الشكور وزينب الصبور زينة سرّ العلم الالهي لا يعلمه الّا الله و الراسخون في العلم و الحمد لله ربّ العالمين.

الكاتب: السيد عادل العلوي