سر من أسرار الوحدة الاسلامیة

إلی دعاة الوحدة الإسلامیة: إن الوحدة یقابلها الكثرة و التعدد و الإختلاف والتفاوت وما شابه ذلك وقد قسّم العلماء الوحدة إلی أقسام ومنها تقسیم الوحدة إلى وحدة رحمانية ووحدة شيطانية، وذلك حسب المفهوم المتجلّى فيهما، فإنّها لو كانت بطابع إلهي، ويُسند إلى الله سبحانه وإلى السماء، فإنّها وحدة رحمانيّة، كالوحدة الدينيّة، فإنّ الدين من الله عزّ وجلّ، وإن كانت تستمدّ مفهومها من الأرض ومن أصحاب الأهواء ووليّهم الشيطان ـ كالوحدة في اللّغة أو القوم الأرض ـ كالوحدة القومية أو الوحدة العربية أو الوحدة الجغرافیة التي يطبّل لها دعاة الأحزاب الشيطانيّة، فإنّها من الوحدة الشيطانيّة، ومروّجيها ودعاتها بألفاظ خلاّبة فارغة، هم شياطين الإنس. وأمّا الذين يدعون إلى الوحدة الدينيّة أو الوحدة العلميّة مثلاً، فإنّهم سفراء الرحمن واُمناء الله في الأرض، وقادة الإصلاح في المجتمع، كالأنبياء والأوصياء وورثتهم من العلماء الصالحين. والإسلام دين الله القويم: (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامَ). إنّما هو دين الأنبياء ورسالة السماء السمحاء، قد تكفّل بنشرها وحكومتها في الأرض الرسل والأنبياء، فكلّ واحد منهم كان مسلماً حنيفاً، إنّما جعل الله له منهجا وشرعةً: (لِكُلٍّ جَعَلـْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجا). وذلك حسب مقتضيات الزمان، فالشرائع السماوية إختلفت، ونسخت الأولی بالثانية، ولكن إنّما نزلت الثانیة لمطابقة الحال فالإنسان في العصر الحجري كانت شريعته السماوية تطابق حاله، وحينما يصل التمدّن الفرعوني إلى قمّته في أهرامه وشكله الهندسي، وفي تعلّم السحر، فإنّ شريعة النبيّ موسى× تكمل السير والشوط الإنساني، وتخرج الناس من الضلال إلى الهُدى ومن الظلام إلى النور، فتلقف حيّته ما يسحرون، وهكذا حتّى عصر خاتم النبيّين محمّد|، فإنّ الشرائع السماوية قد كملت بالدين الإسلامي: (اليَوْمَ أكْمَلـْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دينا). (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ). فالأديان السماوية متّحدة في تسليمها إلى البارئ سبحانه وتعالى، وهذا هو المفهوم من الوحدة الإسلامية بالمعنى الأعمّ وهي وحدة الأدیان، فكلّ واحد من أتباع الأديان ومعتنقيها، ندعوهم إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينهم كما في قوله تعالى: (قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) وما یقابل وحدة الأدیان هي كثرة المدارس الإلحادیّة كالشوعیّة والمادیّة. وأمّا الوحدة الإسلامية بالمعنى الأخصّ، فالمقصود منها وحدة المذاهب الإسلامية وأنصارها في عصرنا هذا، أمام أعداء الإسلام. والنبيّ الأعظم سيّدنا محمّد منقذ البشرية| قد دعى العالم والاُمم إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، ولكن أخبر بوحيٍ من ربّه بالإنقلاب على العقب بعد رحلته، وأخبرنا باختلاف اُمّته إلى ثلاث وسبعين فرقة، وحذّر هذا الاختلاف وذمّه، وأنّ الفرقة الناجية واحدة، لأنّ الحقّ واحد، والباقية من الهالكين يوم القيامة. والمسلمون في الدنیا وإن تعدّدت مذاهبهم في الاُصول والفروع، وكلّ واحد يدّعي أنّه الفرقة الناجية، ولكن النبيّ| قد أوضح سبيل الحقّ وبيّن الفرقة الناجية، وذكر أوصافها ومعالمها كما في حديث الثقلين وحديث السفينة، ولكن إنّما يعلم ذلك وينكشف بانكشاف أتمّ، يوم تُبلى السرائر، ويوم يقوم الأشهاد إلى ربّ العالمين، يوم يدعى كلّ إنسانٍ بإمامه، فتفويض الأمر إلى الله سبحانه يومئذٍ: (وَقِفوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤولونَ). ولكن (نحن المسلمون) في هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها، لا بدّ من الاتّحاد عند مداهمة الخطر الموحّد، وهناك عوامل كثيرة للوحدة وعدم الفرقة، لنكون يد واحدة ضدّ الكفر، لا سيّما وأمامنا أعداء الإسلام الكثیرین من الاستكبار العالمي والاستعمار والصليبية والكفر والإلحاد من الشيوعية والرأسمالية والصهيونية والماسونية وأذنابهم وعملائهم في البلاد الإسلامية، كبعض الملوك الفَسَقَة ورؤساء الجمهوريات الخَوَنَة. وحينما ننظر إلى كلمة الاختلاف في القرآن الكريم والروايات الشريفة نجد: (كانَ النَّاسُ اُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيما اخْتَلَفوا فيهِ وَما اخْتَلَفَ فيهِ إلاّ الَّذينَ اُوتوهُ). (وَما كانَ النَّاسُ إلاّ اُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفوا). وعن الإمام الباقر (ع): كانوا قبل نوح اُمّة واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالاً فبعث الله النبيّين (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً واحِدَةً وَلـكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ). (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ اُمَّةً واحِدَةً وَلـكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ في رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصيرٍ). والله سبحانه واجب الوجود لذاته، مستجمع جميع صفات الكمال والجلال والجمال، وهو الخير المحض، فإنّ الوجود خير والشرّ أعدام، وهو يدعونا إلى الصلح في قوله تعالى: (وَالصُّلـْحُ خَيْرٌ). والصلح إنّما هو مظهر من مظاهر الوحدة، وأمّا الاختلاف والشقاق والفرقة، فإنّما هو من فعل الشيطان وأعوانه من الطواغيت والظالمين، فإنّهم يفرّقون الناس شِيَعاً وأحزاباً: (إنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أنْ يوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضاءَ). وأمثال فرعون الطاغوت يجعل الاُمّة فرقاً وشيعاً: (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعا). هذا قبل الإسلام، وأمّا عند بزوغ شمسه في الآفاق، فقد قال سبحانه وتعالى: (إنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةٌ واحِدَةٌ وَأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدونِ). (وَأنا رَبُّكُمْ فَاتَّقونِ). وقد أمرنا الله أن نعتصم بحبله: (وَاعْتَصِموا بِحَبْلِ اللهِ جَميعا وَلا تَفَرَّقوا وَاذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْداءَ فَأ لَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُمْ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانا). (وَلا تَكونوا كَالَّذينَ تَفَرَّقوا وَاخْتَلَفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ وَاُولـئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ). فالاختلاف من الشيطان وحزبه وأزلامه، وإنّما كان ذلك للإمتحان والفتنة، شاء الله ذلك بحكمته وعلمه، ولكن لا بدّ أن نعرف الحقّ فنتّبعه، ولا نستوحش في طريق الهدى من قلّة أهله، فإنّ أكثر الناس لا يفقهون، ولا يعلمون ولا يشكرون وللحق كارهون كما ذكرهم الله في كتابه الكريم، ولكن مع هذا لا بدّ أن نتّحد مع البشرية لو دهمها خطر الاضمحلال، ونتّحد مع المستضعفين أمام المستكبرين، ومع الموحّدين أمام المشركين والملحدين، ومع المسلمين أمام اليهود والصهاينة، ومع المؤمنين شیعة أمیرالمؤمنین علي× أمام المنافقين والمخالفين. واليوم إنّما ندعو المسلمين إلى الوحدة الإسلامية أمام خطر الاستعمار والاستكبار العالمي والصهيونية العالمية وهيمنتها، وبعد تطهير الأرض من رجسهم وقطع أياديهم الخبيثة عن بلاد المسلمين وثرواتهم، ندعوهم إلى ما هو الحقّ، ونقتدي في سلوكنا بالنبيّ الأكرم حيث كان يدعو لاُمّته بالهداية لأ نّهم لا يعلمون: (رَبِّي اهْدِي قَوْمَي فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ). فندعو لجميع المسلمين بالهداية ما داموا لا يعلمون، ندعو بذلك لهم في حياتهم، فإنّهم قوم مستضعفون وبحكم الجاهل القاصر. فندعو له بالهدایة والتمسك بالإمام والخلیفة لرسول الله| كما قال النبي الأعظم| في مواطن كثیرة في خبر صحیح متواتر عند جمهور المسلمین: (إنّي مخلف فیكم الثقلین كاب الله و عترتي أهل بیتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً) وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمین.

الكاتب: السيد عادل العلوي