سورة الفتح

سورة الفتح

السؤال:

ماذا تعني كلمة الفتح في سورة الفتح ؟

الجواب:

أختلف في هذا الفتح على وجوه أحدها : إنّ المراد به فتح مكّة ، وعدّه الله ذلك عام الحديبية عند انكفائه منها ، عن أنس وقتادة ، وجماعة من المفسّرين .

قال قتادة : نزلت هذه الآية عند مرجع النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الحديبية ، بشر في ذلك الوقت بفتح مكّة ، وتقديره : إنا فتحنا لك مكّة أي قضينا لك بالنصر على أهلها .

وعن جابر قال : ما كنا نعلم فتح مكّة إلاّ يوم الحديبية .

وثانيها : إنّ المراد بالفتح هنا صلح الحديبية ، وكان فتحا بغير قتال ، قال الفراء : الفتح قد يكون صلحاً .

ومعنى الفتح في اللغة : فتح المنغلق ، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً متعذراً ، حتى فتحه الله .

وقال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم ، فتمكّن الإسلام في قلوبهم ، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير ، فكثر بهم سواد الإسلام .

وقال الشعبي : بويع بالحديبية ، وذلك بيعة الرضوان ، وأطعم نخيل خيبر ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المسلمون بظهور أهل الكتاب ، وهم الروم ، على المجوس ، إذ كان فيه مصداق قول الله تعالى : إنّهم سيغلبون و ( يبلغ الهدي محله ) والحديبية : بئر روي أنه نفد ماؤها فظهر فيها من أعلام النبوّة ما اشتهرت به الروايات .

قال البراء بن عازب : تعدون أنتم الفتح فتح مكّة ، وقد كان فتح مكّة فتحاً ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ، كنا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها فما ترك منها قطرة ، فبلغ ذلك إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأتاها ، فجلس على شفرها ، ثمّ دعا بإناء من ماء ، فتوضّأ ثمّ تمضمض ، ودعا ، ثمّ صبّه فيها ، وتركها ، ثمّ إنها أصدرتنا نحن وركابنا ، وفي حديث سلمة بن الأكوع : إما دعا ، وإما بزق فيها ، فجاشت فسقينا وأسقينا .

وعن محمد بن إسحاق بن يسار ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج لزيارة البيت ، لا يريد حرباً ، فذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( انزلوا ) ، فقالوا : يا رسول الله ما بالوادي ماء ؟ فأخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من كنانته سهماً ، فأعطاه رجلاً من أصحابه ، فقال له : ( انزل في بعض هذه القلب ، فاغرزه في جوفه ) ، ففعل ، فجاش بالماء الرواء ، حتى ضرب الناس بعطن .

وعن عروة وذكر خروج النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : وخرجت قريش من مكّة ، فسبقوه إلى بلدح ، وإلى الماء ، فنزلوا عليه ، فلمّا رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قد سبق ، نزل على الحديبية ، وذلك في حر شديد ، وليس فيها إلاّ بئر واحدة ، فاشفق القوم من الظمأ ، والقوم كثير ، فنزل فيها رجال يمتحنونها ، ودعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بدلو من ماء ، فتوضأ ومضمض فاه ، ثمّ مج فيه ، وأمر أن يصب في البئر ، ونزع سهماً من كنانته ، وألقاه في البئر ، فدعا الله تعالى ، ففارت بالماء ، حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها ، وهم جلوس على شفتها .

وروى سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال : كنا ألفاً وخمسمائة ، وذكر عطشاً أصابهم قال : فأتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بماء في تور ، فوضع يده فيه ، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنّه العيون ، قال : فشربنا وسعنا وكفانا ، قال : قلت كم كنتم ؟ قال : لو كنا مائة ألف كفانا كنا ألفا وخمسمائة .

وثالثها : إنّ المراد بالفتح هنا فتح خيبر عن مجاهد والعوفي ، وروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري كان أحد القراء ، قال : شهدنا الحديبية مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلمّا انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعض الناس لبعض : ما بال الناس ؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فخرجنا نوجف ، فوجدنا النبي واقفاً على راحلته عند كراع الغميم ، فلما اجتمع الناس إليه قرأ ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) السورة .

فقال عمر : أفتح هو يا رسول الله ؟ قال : ( نعم والذي نفسي بيده إنّه لفتح ) ، فقسّمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل فيها أحد إلاّ من شهدها .

ورابعها : إنّ الفتح الظفر على الأعداء كلّهم بالحجج والمعجزات الظاهرة ، وإعلاء كلمة الإسلام .