الأسرة الشيعية » الشباب والناشئین »

شجار الأبناء في البيت

قال تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [سورة التحريم: ۶]

عن الإمام أمير المؤمنين أنّه قال: «إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك» [نهج البلاغة: ۳۱ من وصيّة له (ع) للحسن بن علي (ع)]، وعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ خير ما ورّث الآباء لأبنائهم الأدب لا المال. فإنّ المال يذهب والأدب يبقى» [الكافي: ج۸، ص۱۵۰].

إنّ تربية الأبناء أمر دقيق ومعقّد للغاية، وفي الحقيقة إنّ الاُسلوب التربوي هو الذي يحدّد نمط الحياة عند الأبناء. ومع شديد الأسف إنّ عدم استخدام الأساليب التربويّة الصحيحة، يؤدّي إلى الأضرار الجسيمة في الاُسرة. غالباً ما يطمح الأبوان إلى أن تكون علاقتهما مع أبنائهما علاقة صداقة، ويساند بعضهم بعضاً، إلا أنّهما أمامهما مشكلة وهي أنّ شجار الأبناء في السنين الاُولى من حياتهم في البيت، يبدو في البدء أمراً طبيعيّاً، إلا أنّ هذا الاختلاف الموجود بين الأبناء ينشأ من الاختلاف في أعمارهم أو في شخصيّتهم أو في أذواقهم وعلاقاتهم، لهذا يتطلّب منّا أن نعينهم حتى يتآلفوا فيما بينهم، ويشدّ بعضهم بعضاً.

يعود شجار الأبناء في البيت ـ عادةً ـ إلى ثلاثة أسباب؛ هي:

۱٫ جلب الانتباه ۲٫ السيطرة على الآخرين ۳٫ الحصول على السُّلطة

۱٫ جلب انتباه الأبوين يسعى كلّ طفل لجلب انتباه أبويه، فمثلاً نرى بعض الأطفال الذين ولد لهم أخ أو اُخت لغرض جلب انتباه أبويهم، يقومون بأفعال مشابهة لأفعال ذلك الرضيع كمصّ الإصبع أو التبوّل في الفراش أو…

۲٫ السيطرة على الآخرين: لكلّ فئة يُوجد سلّم هرمي للاحتياجات، فالابن الأكبر ـ مثلاً ـ وبسبب نموّه الجسدي وكونه يسبق باقي إخوانه في الولادة فإنّه يسعى للحفاظ على سيطرته على الآخرين، في الوقت الذي يتنافس فيه باقي إخوته لإحراز هذا المقام.

۳٫ الحصول على السُّلطة: حينما يتشاجر الطفل مع أقرانه للحصول على لعبة، فغالباً ما يكون هذا الصراع لاستمالة قلوب والديه والحصول على دعمهم له، وقد يكون تقليداً لسلوك أبويه؛ أي: هو انعكاس للصراعات الموجودة بين الأبوين داخل الاُسرة.

والمفردة التي طالما سمعناها >هذا لي< تكون بداية للصراع. وقد يكون هناك تصوّر بأنّ الآباء لا يستطيعون استئصال الخلافات الموجودة بين الأبناء، إلا أنّهم يستطيعون ـ على الأقل ـ أن يخفّفوا من حدّتها، وأن يمهّدوا لعلاقة صحّيّة بين الأبناء. كذلك، لابدّ للأبوين أن يمهّدوا للمولود الجديد قبل ولادته، لكي لا يحدث إرباك عند باقي الأبناء؛ لأنّ المولود الجديد ـ في النتيجة ـ سوف يزعزع استقرار باقي الأبناء، فعلى الأبوين أن يواجها هذا التغيير الحادث من خلال إعادة الأجواء الهادئة إلى الأبناء، وكذلك ينبغي لهما أن يفسحا المجال أمام الأبناء للقيام ببعض الأعمال التي تخصّ الرضيع والتي يستطيعون القيام بها، وهذه الاُمور لابدّ أن تكون تحت إشراف الأبوين، هذا الأمر يعزّز الإحساس بالمسؤوليّة عند الأبناء من جهة، ومن جهة اُخرى يقوّي المحبّة والمودّة فيما بينهم. على الأبوين ـ أيضاً ـ أن يخصّصا وقتاً للابن الأكبر للاهتمام به، كي لا يشعر أنّ أبويه يهتمّان بالطفل الصغير فقط ولا يهتمّان به، فتولّد لديه حالةً من الحسد والكُره تجاه الطفل الصغير.

هؤلاء الأبناء، يحاولون أن جلب انتباه أبويهم بشتّى الطرق؛ كأن يتصرّفوا بتصرّفات دون عمرهم، لذلك يستوجب هذا الأمر العناية الفائقة بهم. وعلى الأبوين ـ قبل أن يُولد المولود الجديد ـ أن يفسحا المجال أمام الأبناء، ليقوموا بنشاطات بمفردهم وبمعزل عن الأبوين؛ كاللّعب في رياض الأطفال، وهذه الاُمور تساعدهم للتعاطي الجيّد مع حالة الابتعاد عن الأبوين.

هناك نقطة مهمّة يجب أن يلتفت إليها الأبوان؛ وهي: أنّ عليهما الاجتناب عن مقارنة أبنائهما مع قرنائهم؛ لأنّ هذا الأمر يسبّب تفاقم الصراع بين الأبناء. علينا أن نساعدهم لكي يتعرّفوا على نقاط القوّة التي يمتلكونها، ويتغلّبوا على نقاط ضعفهم.

طبعاً، هناك بعض المقارنات التي لابدّ منها، فالأطفال الذين يتصوّرون أنّهم ليسوا كباقي الأطفال يفقدون الدوافع لبذل الجهد، فضلاً عن هذا فإنّهم يتصوّرون أنّهم لا يستطيعون بالقيام بأيّ عمل. وفي المقابل فإنّ المدح مؤثّر جدّاً، خاصّة إذا كان المدح يتمّ بالشكل المطلوب فسيكون محفّزاً جيّداً للأبناء.

يجب على الأبناء ـ في أيّ عمر كانوا ـ أن يتعرّفوا على قوانين البيت، ويفترض أن نبيّن للأبناء الكبار أنّ الأطفال يحتاجون إلى فترة زمنية أكثر، كذلك هم بحاجة إلى الممارسة والتكرار لكي يتعلّموا قوانين البيت. علينا الإشادة بالطفل؛ بل وحتى إعطاءه الهدايا، ولابدّ أن نبيّن لهم أنّه لا يصلح استخدام وسائل الآخرين بدون أن نستأذنهم، وعليهم أن يبتعدوا عن الجدل والخصومة.

وعلينا تحديد مهامّ الأبناء، وما يجب على الطفل القيام به، والأعمال التي نكلّف بها الأبناء، لابدّ أن تتوزّع عليهم بالتساوي، كي لا يشعر أحد منهم بالغبن أو بوجود خلل في عدالة الأبوين. ولا يتصوّر الآباء أنّ الأبناء يقومون بما كُلّفوا به على أتمّ وجه، وأنّه لا يُوجد خلل فيما قاموا به من مهامّ؛ بل إنّ حالهم كحال الأبوين؛ إذ قد يصدر منهم خطأ، وعلينا أن نفسح المجال ولفترة قصيرة أمام الأطفال كي يخوضوا تجارب فاشلة بسيطة وغير مضرّة لهم، كذلك علينا أن ندرك أنّ القوانين ما هي إلا أهداف نرمي إليها ونسير نحوها على المدى البعيد.

والأبوان غالباً ما يسجّلان نقاط ضعف الأبناء، ويتغاضيان عن نقاط قوّتهم، فيا حبّذا لو كان الأمر على العكس من ذلك؛ فعلينا أن نرحّب بمودّة بعضهم لبعض، وأن لا نتدخّل في شجارهم، وندعهم يحلّوا مشاكلهم بأنفسهم، وبصورة عامّة، علينا إهمال المشاكل الصغيرة وغضّ الطرف عنها؛ لأنّ الأطفال غالباً ما يثيرونها لجلب الأنظار إليهم. ولابدّ أن تكون المعاملة على حدّ سواء مع جميع الأطفال، وأفضل طريقة لفضّ النزاعات بين الأطفال هو تهديدهم بتفريقهم عن بعضهم إذا لم ينتهوا من المشاجرة، وبصورة عامّة، لابدّ للأبوين أن يكونا انموذجاً يقتدي به الأبناء؛ لأنّ الأطفال ـ وبشكل لا إرادي ـ يقلّدون آباءهم، إذاً لابدّ للأبوين أن يكونا في مقام الاقتداء.

ملاحظات حول البنات

تحتاج البنت الأكبر إلى رعاية واهتمام أكثر من الاُخت الأصغر، ولكي تُثير انتباه الآخرين؛ فإنّها تهمل الاُخت الصغيرة، والأفضل غضّ النظر عن إهمالها هذا، واطلبوا من الاُخت الأكبر أن لا تبالغ في إظهار المحبّة للاُخت الأصغر؛ لأنّ هذا الشيء يدلّلها، ولا تتدخّلوا بشكل مباشر كي تقيموا علاقات ودّيّة بين الأطفال؛ لأنّهم في هذه الحالة ـ ولكي يثبتوا أنّهم مستقلّين ـ سيتصرّفون خلاف ما يريده الأبوان.

إنّ عدم انسجام الأخوين والشجار الذي يقع بينهما، قد لا يخلو من فائدة؛ لأنّهما في تلك الظروف، سوف يتعلّمون كيف يتفهّمون الحقّ وكيف يدافعان عنه، ويتعلّمان كيف يتّخذان الإجراءات المناسبة في حلّ المشاكل التي يواجهانها، وكذلك سوف يفصح كلّ منهما عن مشاعر نفسه. تجنّبوا المواجهة معهم، وتحدّثوا معهم، وليكن الحديث معهم على انفراد، وشاركوهم في الألعاب الجماعيّة العائليّة، والسفرات السياحيّة العائليّة التي قد تكون مفيدة أيضاً.

في بعض الأحيان، وبسبب الفراغ الذي يعيشه الابن، ولكي يستنزف طاقته، يتّجه نحو مشاكسة إخوانه، لذلك لابدّ للأبوين أن يهيّئا له وسائل اللّعب والنشاط والحيويّة لاستفراغ طاقته، وتارةً يكون الأمر على العكس؛ حيث اللّعب والنشاط الزائد يسبّب التعب، وفي النتيجة: إلى ضجر وملل الطفل، فيتّجه إلى مشاكسة إخوانه، لذلك لابدّ للأبوين أن ينظّما نشاطاته.

في ختام هذا المقال، لا بأس أن نُشير إلى أسباب وتداعيات السلوك العدواني لدى الأطفال: في سنّ الرابعة من العمر، قد تكون الأسباب متعدّدة، منها: الجوع، التعب، السهر، عدم الاهتمام بالطفل، الحمّى والمرض، ازعاج الطفل؛ كأن يحتضن الطفل ويقبّله في الوقت الذي لا يرغب فيه الطفل بهذا، فإذا طلب منكم الطفل في هذا العمر حاجة ما، فلابدّ من الاهتمام بها وقضائها له؛ لأنّ الإهمال ـ خاصّة أمام أقرانه ـ يؤدّي إلى أن يقوم الطفل بالصراخ والضرب، كي يجلب الأنظار إليه. الفشل والإحباط؛ فحينما يواجه الطفل مشكلةً ولا يستطيع حلّها، ينبغي علينا ـ بعد تشخيص المشكلة ـ أن نسعى لحلّها.

الاستهزاء بالطفل؛ لا يصلح أبداً الاستهزاء أو الاستخفاف بحديث الطفل أو تصرّفاته؛ لأنّ كلامه أو ما يرغبه، قد يكون من وجهة نظركم لا قيمة له، إلا أنّه في غاية الأهمّيّة في نظره.

وينبغي الإشارة إلى نقطة، وهي: ينبغي علينا في الأوقات العاديّة الاهتمام بالأطفال بشكل كبير وأن نخصّص وقتاً أكثر معهم، كي لا يحسّ الطفل بالحرمان من الناحية العاطفية فيتّجه إلى الأساليب الاُخرى لجلب الأنظار إليه، كالشجار مع باقي الأبناء.

إنّ تثقيفهم على الانسجام مع الآخرين من خلال الألعاب والتعامل الصحيح الخالي من العنف واستخدام الاُسلوب القصصي، سيكون ذات تأثير كبير، ويمكنكم أن تلعبوا دور القرناء لهم أيضاً. إلا إنّنا نوصي أيضاً باستخدام الأساليب الرادعة، فحينما يبدأ الشجار، خذوا بكتف الطفل وحدّقوا في عينيه وقولوا له بحزم: لا تضرب! وباعدوا بينهم لفترة من ۱۰ إلى ۱۵ دقيقة، بعد ذلك خيّروهم بين اللّعب الهادئ والخالي من العنف والشجار، وبين عدم اللّعب، وبما أنّ الأطفال يرغبون باللّعب مع بعضهم، فإنّهم يختارون الطريق الأوّل. مع العلم أنّ استخدام اُسلوب العقوبة وحرمانهم من اللّعب يُعدّ آخر الحلول المقترحة، وأفضل عقوبة للطفل إذا تشاجر مع بقيّة الأطفال هي حرمانه من اللّعب يوماً واحداً.

الكاتبة: السيّدة درويشي