شرح حدیث عنوان البصري

بسم الله الرحمن الرحیم

المقدمة

الحمد لله العليم الحكيم، الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والأمم، سيد العرب والعجم، المحمود الأحمد، المصطفى محمد، وعلى آله المعصومين سادة الخلق أجمعين، واللّعن الدائم على أعدائهم ومُنكري فضائِلهم إلى قيام يوم الدين.

اللهم عجل لوليك الأعظم صاحب العصر والزمان المهدي الموعود الفرج والنصر والعافية، وإجعلنا من خلّص شيعته وخِيرة تلامذته وأصحابه، وخُدّامه، والمستشهدين بين يديه، آمين يا رب العالمين.

أما بعد:

فقد قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)(المجادلة: 11)

في رحاب حديث عنوان البصري

لقد أوصى علمائنا الأعلام بحديث عنوان البصري كثيراً، وحثّ العرفاء الأجلاء كالمرحوم آية الله العارف بالله السيد علي القاضي قدس سره، طلاب العلوم والمعارف الباحثين عن الحق والحقيقة، ومن أراد أن يدخل في سلك العارفين ويضع أقدامه في السير والسلوك وطيّ منازل السائرين بدواً باليقظة وختماً بمقام الفناء بالله والبقاء به، في سيرهم وسلوكهم في قوسهم الصعودي إلى أعلى عليين، مع المقربين. في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

نعم كان أساتذة المعرفة ومشايخ السير والسلوك ومرشدي العرفان الإسلامي الصحيح، وأساطين الشريعة والطريقة والحقيقة، يحثّون طلاّبهم وتلامذتهم على قراءة الحديث المعروف بـ(حديث عنوان البصري) بإستمرار ودوام، كأن يقرأ في كل أسبوع مرة أو مرتين للتذكرّ والتّفكر والتّأمل والتدّبر فيه، وإستفهام وإستعلام ومعرفة ما جاء من ورائه، وما يحويه من كنوز المعرفة وخزائن العلوم، ثم القيام والعمل به، بالمشارطة والمراقبة والمحاسبة والمجاهدة والمعاتبة والمعاقبة، وطيّ المنازل والمقامات والحالات والأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية من الحق إلى الحق بالحق، ومن الحق إلى الخلق بالحق، ومن الخلق إلى الحلق بالحق، ومن الخلق إلى الخلق بالحق2.

ولا تعجب فإن في هذا الحديث عجائب وغرائب في الأخلاق وفي العرفان والسير والسلوك، كما ستقف على جملة ونبذة من ذلك في هذه العجالة المختصرة، ومن الله التوفيق والعصمة والتسديد.

الفصل الاوّل

سند الحديث ودلالته:

إنّ حديث عنوان البصري إنماّ هي مجموعة نصائح ومواعظ مولانا الناطق الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه وعلى آبائه وأبنائه المعصومين ألاف الصلاة والسلام، وذلك في رحاب تعلّم العلم الحقيقي والواقعي النافع في الدنيا والآخرة، ومعرفة حقيقة العبودية، والوصايا التسع في رياضة النفس والحلم والعلم.

سند الحديث: الظاهر أنه لم يُروَ عن عنوان البصري غير هذه الرواية، فهي من حيث السند مرسلة رواها العلامة المجلسي قدس سره في بحار أنواره (1: 224 الحديث: 17) بالتفصيل، وفي غيره إجمالاً كما في (العوالم 2: 251) و(وسائل الشيعة 18: 128 الحديث: 54).

نقل العلامة المجلسي عن شيخنا البهائي قدس سره في كشكوله، عن الشهيد الأول عن الفراهاني قدس الله أسرارهم الزكية، كما نقل الحديث أيضاً العلامة المجلسي في بحاره في المجلد السابع عشر عن مشكاة الأنوار لسبط الشيخ الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان) عن عنوان البصري.

وعنوان هذا ـ كما يقال ـ لم يكن له عنوان في كتب التراجم والرجال لا عند العامة ولا عند الخاصة، وقيل: كان عامي المذهب ومن المتصوفة، حدساً من خلال مقولته (كنت أتردّد على مالك بن أنس سنين) ومالك إمام مذهب المالكية، صاحب كتاب (الموطأ) ولد سنة 95 من الهجرة، وتوفي سنة 119 فبلغ من العمر 84 سنة3 وهو أحدائمة المذاهب الأربعة المعروفة، كما أنه في الخبر إشارة إلی بعض المصطلحات الصوفية مما يشعر كون عنوان كان صوفياً، إلا أن هذا مجرد حدس لا يعتمد على شاهد وبيّنة تاريخية وسند فتأمل.

والسند وإن كان ضعيفاً إلا أنه يصح بالأخذ بالحديث الشريف لصحة ما جاء في متنه، ولعلو المتن، وأنه لا يخالف سائر ما ورد عن أئمة أهل البيت^، أضف إلى ذلك إهتمام علمائنا الأعلام ولاسيما المتأخرين والمعاصرين منهم بهذا الخبر الشريف، وإتّخذوه برنامجاً عملياً، ومن الحكمة النظرية والعملية والسير والسلوك كما شرحه جمع منهم4، كما أنه لم يكن في مسائل الحلال والحرام وفي المسائل الفقهية حتى يمحص السّند، ولا يؤخذ إلا بالمعتبر منه، فتدبر.

وهذا وغيره ما يُغنينا عن صحة السند وعن حال الراوي أو الرواة في مثل هذه المطالب الأخلاقية والعرفانية، وفي السير والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم الحديث الشريف من الأخبار الجامعة في طلب العلم النافع ومعرفة حقيقة العبودية، ويضمّ محورين: الأول في العلم الواقعي وحقيقة العبودية، والثاني في الوصايا التسع، في ثلاث محاور: الأول في رياضة النفس، والثاني في الحلم، والثالث في العلم.

وجعلنا شرحه وبيانه والتعليق عليه في مقدمة5 وفصول وخاتمة، ومن الله التوفيق والصواب والتسديد وهو من وراء القصد إنه خير ناصر ومعين.

و نحن في الفصل الاول وفي رحاب متن الحدیث:

جاء في بحار الأنوار للعلامة المجلسي قدس سره في المجلد الأول صفحة 224 في الباب السابع في آداب طلب العلم وأحكامه، وفي الباب 19 رواية، الرواية 17، قال:

( أقول: وجدت بخط شيخنا البهائي قدس الله روحه ما هذا لفظه: قال الشيخ شمس الدين محمد بن مكي: نقلت من خط الشيخ أحمد الفراهاني رحمه الله، عن عنوان البصري – وكان شيخا كبيراً قد أتى عليه أربع وتسعون سنة – قال: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلما قدم جعفر الصادق(ع) المدينة إختلفت إليه، وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوماً: إنّي رجل مطلوب ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك، وإختلف إليه كما كنت تختلف إليه، فإغتممت من ذلك، وخرجت من عنده، وقلت في نفسي: لو تفرّس فيَّ خيراً لما زجرني عن الاختلاف إليه والاخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وسلّمت عليه، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين، وقلت: اسألك يا الله يا الله أن تعطف عليّ قلب جعفر، وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم، ورجعت إلى داري مغتما، ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أُشرب قلبي من حبّ جعفر، فما خرجت من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى عِيل صبري، فلما ضاق صدري تنعلت وتردّيت وقصدت جعفراً وكان بعد ما صليت العصر، فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف6. فقال: هو قائم في مصلّاه. فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إلا يسيراً إذ خرج خادم فقال: أدخل على بركة الله.

فدخلت وسلمت عليه، فردّ السلام، وقال: اجلس غفر الله لك، فجلست فأطرق مليا، ثم رفع رأسه، وقال: أبو من؟ قلت أبو عبد الله، قال: ثبت الله كنيتك و وفقك، يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثم رفع رأسه.ثم قال: ما مسألتك؟

فقلت: سألت الله أن يعطف قلبك عليّ ويرزقني من علمك، وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته.

فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتّعلّم…..»

شرح الحدیث في مقطعه الأوّل

إليكم جملة من النّكات والنّقاط الهامة والنافعة في بيان الحديث الشريف وما جاء فيه، وما يستنبط من الحديث ذوقاً، من وراءه الكشف والشهود، ويدعمه البرهان والقرآن، من الأدلة العقلية القاطعة، والأدلة السمعية في الكتاب الكريم والسنة المطهرة الساطعة.

أولاًـ ظاهر الخبر أنّ عنوان البصري لم يكن سليم العقيدة في معرفة إمام زمانه، ولم يكن حسن السمعة حتى يشتهر بذلك بين معاصريه، إلا أنه في آخر عمره وشتاء حياته (94 سنة) هداه الله الصراط المستقيم واستبصر في معرفة الحق وأهله وعرف إمام زمانه، ورجع في علمه وعمله إلى مذهب أهل البيت^، وكان كمن كتب كتابه المعروف في عصرنا (ثم اهتديت) الدكتور التيجاني دام مجده، فطرق باب الإمام الصادق منذ قدومه إلى المدينة المنوّرة، وحسنت عاقبته وختمت بالسعادة، والعاقبة للمتقين.

ثانياَ ـ إنّ عنوان قضى عمراً في طلب العلم، إلّا أنّه ليس من معادنه ومناهله الصافية، من غير أن يرجع إلى أئمة أهل البيت، أهل العصمة والطهارة وبيت الوحي والرسالة^، وقد ورد عنهم^ (طلب الهداية من غيرنا مساوغ لإنكارنا) إذ هم أصل الهداية، وبهم عُرف الله وعُبد، ومن ثم أرسله الإمام الصادق× إلى صاحبه الأول مرة أخرى، ليدلّ بذلك على أصل الحرية في الطلب، إلا أنه لابد أن يعرف الحق أولاً، حتى يعرف أهله، ثم يلتجأ إليهم في طلب الهداية والعلم الواقعي وحقيقة العبودية، ولما انقطع عنوان عن صاحبه قلباً وقالباً إذ لم يختلف إليه، وأشرب إلى أن امتلأ قلبه من حب الإمام الصادق×، وحينئذٍ فُتح له الباب على بركة الله سبحانه.

ثالثاَ ـ أساس كل شيء الحبُّ، حتى ورد في الحديث القدسي عن الله سبحانه (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق لكي أعرف) فالكمال المطلق لا ينفك عنه الحبّ الذاتي في بروز وإظهار كماله وجلاله وجماله، فأساس الخلق يبتني على الحبّ، وإذا كان الخلق كله يسبح في بحر الوجود، ويُسبّح بحمد الله، فإنه لما في ذاته من حب الكمال والجمال والجلال فيسبح جلالاً ويحمد جمالاً ويحب كمالاً، وطالب الحق والحقيقة لابد له من حب وعشق وشوق متزايد ومترامي الأطراف في طلب العلم والمعرفة، حتى يُفتح له باب بركة الله ويخاطب في عالم الملك والملكوت (أدخل على بركة الله).

وهذا ما نجده في يقظة عنوان وما يدل عليه أقواله: (أحببت أن آخذ عنه) (فإغتممت من ذلك) (لو تفرّس فيّ خيراً لما زجرني).

رابعاَ ـ الإنسان ما دام في غفلة وسبات لا يكون طالباً لحقيقة العبودية، فلابد أولاً من اليقظة والإنتباه والالتفات ومن ثمّ قال أرباب المعرفة في العرفان الإسلامي في منازل السائرين: إن أول منزل هو اليقظة، وهذه اليقظة نفحة من نفحات الإنسان تصيبه في طوال حياته، وإن كان في آخر أيّامها بعد أن يبلغ المرء (94 سنة) وقد ورد في الحديث الشريف: (ألا لله في دهركم نفحات فتعرّضوا لها ولا تُعرضوا عنها) فأصابت هذه النفحة القدسية عنواناً، فاستيقظ من سباته وغفلته، فطرق باب الإمام المعصوم× ورجع إلى الأصيل بعد أن كان مبتلاً بالبديل والدّخيل.

خامساَ ـ في المثل العربي: (من طرق الباب ولجّ ـ من اللّجاجة والإصرار ـ ولج) أي دخل، من الولوج، ومنه (يولج الليل في النهار) ففي طلب العلم والمعرفة لابد من الطلب الحثيث حتى لو استلزم ذلك اللّجاجة في الطلب، ولابد من العطش حتى يُروى، فإن بذل الماء الصافي والعذب لمن لم يكن عطشاناً كان ضياعاً للماء، ووضع الشيء في غير موضعه، وهو خلاف العقل والحكمة والعدالة، ومن ثم أراد الإمام× أن يزيد في عطش عنوان، وأن يعرف الحقيقة، فأنكره أولاً، ومنعه من نفسه، وردّه، ولم يستجب لسؤلته.

سادساً ـ (قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم) (الفرقان: 77 ) فالدّعاء سلاح الأنبياء والأولياء والمؤمنين، وإنه مفتاح كل صلاح وفوز وفلاح، فلابدّ من إبتغاء الوسيلة في الوصول إلى الغاية والمقصود، فإستعينوا على قضاء حوائجكم بالدّعاء والتّوسل والإستعانة بالصبر والصلاة، والتوسل بمحمد وآله الطاهرين، ومن الحوائج عطوفة قلوب الأولياء وجلب محبّتهم كما فعل عنوان (أسئلك يا الله يا الله أن تعطف علىَّ قلب جعفر، وترزقني من علمه).

وهكذا في عصرنا هذا نصلي ونتوسل بالله، وبما أمرنا الله أن نتخذه وسيلة إليه، بأن يعطف علينا قلب إمام زماننا وولي أمرنا حجة الله على الخلائق الذي بيمينه رزق الورى، وبوجوده ثبت الأرض والسّماء، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، فيميل إلينا بقلبه المبارك، ويرزقنا من علمه اللّدني إلهاماً، ويفتح لنا أبواب كرمه وجوده قائلاً: (أُدخلوا على بركة الله).

سابعاَ ـ من الثوابت كما هو ثابت في محلّه، وقامت عليه الأدلة القاطعة من العقل والنّقل، أن عطوفة قلب الإمام× الذي هو مجلى ومرآة عطوفة الله ورافته ورحمته الواسعة، لها آثار عظيمة، ومنافع جسيمة في الدنيا والآخرة، ومن إعظمها وأتمّها العلم الصافي، والمعرفة المتعالية، والحق الحقيق.

ثامناَ ـ ربّما من أجل الوصول إلى الحقيقة يتطلب الأمر أن يعتزل الناس تمهيداً أو انقطاعاً إلى العلم والمعرفة، فيجلس في الدار ويأتي بأهم الواجبات الاجتماعية أو الدينية كالصلاة في المسجد، فمن الدار إلى المسجد ويعيش الإعتزال حتى ينفذ صبره، كما فعل عنوان وقال: (حتى عِيل صبري) وعيل من عال أي نفذ، ومنه الأبيات المعروفة:

طرقت الباب حتى كلّمتني

ولما كلّمتني كلّمتني

فقالت أيا إسماعيل صبراً

فقلت: أيا اسماعيل صبري

ومعنى كلّمتني الأولي، أي تعب متني من (كلّ يكلُّ) والثاني بمعنى التكلم أي كلّمتني معشوقتي، والثالث بمعنى القطع من الكَلم، أي قطّعتني بكلامها إرباً إرباً، فقالت يا إسماعيل إصبر كم تطرق الباب؟ فقلت يا أسماء قد عيل ونفذ وخلص صبري، فلا طاقة لي أكثر من هذا في انتظار اللّقاء.

فلابدّ من الصبر والإعتزال عن الأغيار لمن أراد رؤية جمال الحبيب من العلم والمعرفة ومحبوب القلب إمام زمانه×.

تاسعاَ ـ (لئن شكرتم لأزيدنّكم) فمن أنعم الله عليه، عليه أن يكون شاكراً، فإن الشّكر نصف الإيمان ونصفه الآخر الصّبر، فصبر عنوان، ثمّ شكر نعمة الله سبحانه في لقائه الأول لإمام زمانه× ودعائه له فقال: (لو لم يكن من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً) فإنّ إمنيّة كل مؤمن ومؤمنة أن يدعو له إمام زمانه، ويلتفت الله إليه بنظرة رحيمة، يستكمل بها الكرامة عند الله وعند رسوله وأهل بيته الأطهار^، ودعاء الإمام مستجاب لا محالة، ومن وراءه كل السعادة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.

عاشراَ ـ لابدّ للسّالك إلى الله سبحانه من الإستعانة بالذّكر اللّساني والقلبي، كأن يشرأبّ قلبه حبّاً، ويذكر لسانه بمناجاة ربه (يا الله يا الله) وذلك بعد تطهير الجوارح السبعة من الذنوب والمعاصي، والجوارح: البصر، والسمع واللّسان واليدان والرجلان والبطن والفرج كما أشار إلى ذلك جمع من علمائنا الأعلام كالشيخ محمد تقي المجلسي قدس سره في كتابه روضة المتقين شرح كتاب الكافي (ج13 ص 128) بأن أولياء الله يقومون بالذكر الإلهي الدائم، وهو (يا حي يا قيوم يا من لا إله إلا أنت) وأنا ذكري (يا الله) والمفروض أن يكثير الذّكر ويراقب عليه في ختمات أقلها أربعون يوماً، ثم بعد ذلك يتنوّر قلبه بأنوار الحكمة والمعرفة، ويصل إلى مقام الفناء بالله والبقاء به.

فالبدار البدار إلى اليقظة والتوبة الصادقة والنصوحة، ثم العجل العجل في الجدّ والمراقبة والمحاسبة والمجاهدة.

أوصى الزاهد العارف بالله ملا حسينقلي الهمداني قدس سره بالذّكر، وكان فيما أوصى مريديه ذكر الله في الليل بعد صلاة الليل، وحضور القلب وصلاة الفجر وتسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام، ثم (12 مرة) سورة التوحيد (قل هو الله أحد) و10 مرات (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو الحي لا يموت، بيده الملك وهو على كل شيء قدير) و100 مرة (لا إله إلا الله) و 70 مرة الاستغفار (أستغفر الله ربي وأتوب إليه ) ثم شيء من تلاوة القرآن الكريم ودعاء الصباح، وأضيف عليه دعاء العهد الأول والثاني في آخر مفاتيح الجنان، وزيارة الأربعة عشر المعصومين كل يوم بمن كان باسمه ـ كما في مفاتيح الجنان ـ وكذلك دعاء كل يومٍ، وفي كل أسبوع ـ لا اقل ـ ولو لمرة واحدة زيارة الجامعة الكبرى، وكذلك دعاء مكارم الأخلاق، وزيارة عاشوراء، ودعاء التوسل، ودعاء كميل، ودعاء الندبة، ودعاء السّمات، ودعاء أيام الغيبة وغيرها، ويكون دائم الوضوء فإنه يوجب الطهارة ونورانية الباطن والنشاط والحيوية والميل والإقبال إلى العبادات، ولو صلّى بعد كل وضوء ركعتين كان أولى، ونعم ما يفعل، فإنه ورد في الحديث القدسي: (من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني، ومن صلّى ولم يدعُ فقد جفاني، ومن دعا ولم أستجب له فقد جفوته، وما أنا بربّ جاف).

ويقرأ في ليلة الجمعة وعصرها مأة مرة سورة القدر، ومما يوجب القرب إلى الله السجدات الطویلة، وكان الإمام السجاد× في سجدة واحدة یقول ألف مرة: (لا إله إلا الله حقاً حقاً، لاإله إلا الله تعبداً ورقّاً، لا إله إلا الله إيماناً وصدقاً).

ومن الأذكار المعروفة والمجرّبة الذكر اليونسي (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) وكان من الأولياء من يكرّر ذلك في سجدته ثلاثة آلاف مرة7.

الحادي عشر ـ قوله× (إنّي مطلوب) يحتمل أن يكون المراد كما هو الظاهر اني مطلوب من قبل الناس في مراجعتهم إليه، لمسائلهم الدينية، وحلّ مشاكلهم الفردية والاجتماعية، ولأخذ الأخبار والروايات عنهم، ونحو ذلك.

ويحتمل أن يكون المراد مطلوب للسلطة الحاكمة حسداً وبغياً وظلماً، فإن الأئمة الأطهار^ يحسدونهم الطغاة والجبابرة وخلفاء الجور ووعاظ السلاطين على ما آتاهم الله من فضله، فكانوا يضطهدونهم بالقتل والتشريد والتغريب والسجن، وحرمانهم من وصل الناس وشيعتهم ومواليهم إليهم، فكانت عيون الجواسيس من الطبقة الحاكمة تلاحقهم وتلاحق أصحابهم.

ويحتمل كما هو الأظهر كما يدل عليه ما جاء من بعده (وعندي أوراد) أن يكون مطلوباً بما جاء في كلمات آبائه الطاهرين^، فقد سئل جدّه الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام: كيف اصبحت؟

فقال×: أصبحت مطلوباً بثمان:

الله يطلبني بالفرائض.

والنّبي صلى الله عليه وآله بالسّنة.

والعيال بالقوت.

والنفس بالشهوة.

والشيطان بإتباعه.

والحافظان ـ عتيد ورقيب ـ بصدق العمل.

وملك الموت بالرّوح.

والقبر بالجسد

فأنا بين هذه الخصال مطلوب.

وكذلك إشارة إلى ما قاله جده الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام قيل له: كيف أصبحت يابن رسول الله؟

قال: أصبحت ولي رب فوقي، والنّار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحب ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فإن شاء عذّبني، وإن شاء عفا عني، فأيّ فقير أفقر منيّ.

فذكر× واحد ممن يطلبه وهو الموت.

ومولانا الإمام الصادق× أطلق في كونه مطلوباً فيحتمل أن يكون المراد كل الموارد، ويكفي واحد منها أن يكون رادعاً عن الاشتغال بما لا يهمه أو بما هو دون الأهم.

الثاني عشر ـ قوله× (ولي أوراد) الورد جزء من القرآن يقرأه الإنسان، وجمعه أوراد، ويردف بالأذكار، وهو معلوم المعنى، فيقال أوراد وأذكار.

الثالث عشر ـ إذا قيل: أليس من أهمّ الأمور بل هو الأهمّ مطلقاً في حياة الإنسان طلب العلم، فإن طلب العلم أهمّ من العبادات الشخصية كالصلوات والأوراد والأذكار.

فإنه يقال وإن كان الأمر كذلك، إلا أنه بشرطه وشروطه، ومن أهم شروط طلب العلم أن يعرف الحق وأهله لينتفع منهم، وأن يترك الباطل وأهله، ولا يختلف عليهم، والاختلاف هنا بمعنى الزيارة والحضور واللّقاء ـ فتعليم من يختلف إلى الباطل ولا يتغيّر، ولا يترك، لا ينفعه التعليم حينئذٍ، إلا أن تقطعه أولاً عن الباطل وأهله، كما فعل الإمام× بالبصري، ومن ثمّ بعد تركه الباطل وترك مجالستة ورجوعه إلى الحق، إهتمّ الإمام× بإرشاده، وفتح له باب بركة الله عز وجل، ومثل هذا اللقاء يكون لقاءاً مباركاً، فيه الهداية وزيادة العلم والمعرفة، ولولا ذلك للزم كالزارع الذي يزرع بذوره في أرض سبخة، فإنه لا ينفعه الزّرع، ويدل على عدم حكمته، ولم يخرج نباته إلا نكداً، ولكنه بعد الاهتداء والبصيرة والإستبصار، صار موضعاً للعلم الصادقي، فلابد حينئذٍ من وجود المقتضي وعدم المانع، فیتمّ الأمر كما في كل علة تامة، وعدم إنفكاك المعلول عنه.

الرابع عشر ـ قوله× (ثبت الله كنيتك ووفقك) أما الدعاء الأول ثبت الله كنيتك أي من باب انطباق الإسم على المسمى، والكنية وهي ما كان بأب أو أم ونحو ذلك كـ(أبو عبد الله) على من كنّي به، ومثل هذا الثبات الذي يكون من الله سبحانه، كأنه لا يتغير ولا يتبدل، ويكون نوراً يسعى بين يدي المؤمن الثابت في عقائده وسلوكه وأخلاقه في الدنيا والآخرة،حتى يسوقه ويقوده إلى بطنان الجنان، في ظل عرش الله، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وقوله× (ووفّقك) التوفيق لغةً: من الوفق والموافقة بين النية والمقصد ويكون بمنزلة الآلیة المساعدة بين المبدأ والغاية، فالتوفيق بمعنى موافقة الأسباب للمقاصد مطلقاً سواء أكانت شرعية ومشروعة ومعقولة، أو لم تكن كذلك.

والتوفيق في المصطلح المتشرّعي: هو توافق الأسباب للمقاصد والغايات المعنوية والعبادية.

فالمعنى اللّغوي أعم من المعنى المصطلح كما هو واضح.

واعلم أن أسباب التوفيق الإلهي (وفّقك الله) كثيرة، منها خفيّة بيد الله ولطفه، ومنها جليّة بيد الإنسان، ومن أجلّها وأعظمها: الإحسان إلى المخلوقين من الناس، فخير الناس من نفع الناس، بل الإحسان والرحمة والرّفق حتى بالحيوانات، (إرحم من في الأرض يرحمك من في السماء).

من طريف ما ورد في هذا الباب ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنّه في ليلة معراجه، رأى إمرأة زانية في الجنّة، فسأل عنها؟ فقالوا: يا رسول الله في يوم رأت كلباً يلهث عطشاً، فأدلت إزارها في البئر، ثم عصرته في فم الكلب حتى إرتوى، فغفر الله لها، وأسكنها الجنّة.

ومن أسباب التوفيق الظاهر: صدور أفعال خير وأحسان من الأجداد والآباء مما يؤثّر في توفيق أبنائهم وأحفادهم، كما أن المعاصي تؤثر في سلب التوفيق، سيما ظلم العباد، وأكل مال الحرام، وأكل مال اليتيم، والإشتغال بالملاهي والأباطيل وأمثال ذلك، كما جاءت الإشارة إلى مجموعة من عوامل سلب التوفيق في دعاء أبي حمزة الثمالي عن مولانا السجاد× في أسحار شهر رمضان في قوله×: (ما لي كلّما قلت قد صلحت سريرتي وقرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بلیّة أزالت قدمي وحالت بیني وبین خدمتك سیدي: 1 ـ لعلك عن بابك طردتني وعن خدمتك نحّیتني. 2 ـ أو لعلّك رأیتني مستخفّاً بحقك فأقصیتني 3 ـ أو لعلّك رأیتني معرضاً عنك فقلیتني. 4 ـ أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبین فرفضتني 5 ـ أو لعلك رأیتني غیر شاكر لنعمائك فحرمتني 6 ـ أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني 7 ـ أو لعلّك رأیتني في الغافلین فمن رحمتك آیستني 8 ـ أو لعلك رأیتني آلف مجالس البطالین فبیني وبینهم خلّیتني 9 ـ أو لعلّك لم تحب أن تسمع دعائي فباعدتني 10 ـ أو لعلّك بجرمي وجریرتي كافیتني 11 ـ أو لعلّك بقلة حیائي منك جازیتني…».

الخامس عشر ـ لماذا لم يستقبله الإمام× بل طرده في البداية، مع علمنا أن أئمتنا أصل الكرم والجود ومعدن السخاء، ولا يردّون سائلاً، بل (ما قال لا قط إلّا في تشهّده، لولا التشهد لكانت لاءوه نعم)

وجوابه: أولاً كما ذكرنا لزيادة عطشه كما ظهر ذلك من فعل عنوان، ويدل على رجحان هذا الفعل ما فعله الخضر مع كليم الله موسى بن عمران× في قوله (إنك لن تستطیع معي صبراً) وبعد إلحاح موسى بأنه (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) قبله أن يستصحبه وجرى ما جرى كما وردت قصتهما في كتاب الله المجيد.

وثانياً: من المسلّم أنّ الله سبحانه ما جعل في جوف رجل من قلبين، قلب يحب أمير المؤمنين علي× وقلب يحب أعدائه ومناوؤه وخصمائه، كما ورد ذلك عن أمير المؤمنين× فكيف لعنوان أن يختلف ويتردد إلى مالك كما يتردد ويزور الإمام الصادق×، ولا شك أن مالك كان من أعوان الحكومات الجائرة، وكان إمام خلفاء الجور، كما هو ثابت في التاريخ، والأئمة الأطهار كانوا من المعارضين والمخالفين لخلفاء بني أميّة وبني العباس وغيرهم، لغصبهم الخلافة الحقة منهم، فكيف المرء يجمع بين التردد لطلب علم التوحيد والمعرفة والقرب من الله من الحق والباطل سوية والحال النتيجة تابعة لأخس المقدمتين، فتكون باطلة حينئذٍ، فلابد من التمحور في الحق دون أي شائبة من شوائب الباطل.

أضف إلى ذلك: إن الأصدقاء ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك، والأعداء ثلاثة: عدوّك وعدو صديقك، وصديق عدوك، وخلفاء الجور أعداء أهل البيت^، فمن يصادقهم ويختلف إليهم كان في عداد أعداء أهل البيت^، فتدبّر.

السادس عشر ـ إذا قيل في مقام الشبهة: أمر الإمام× بالإختلاف إلى مالك أليس من الإغراء بالجهل وإبقاءه على الباطل؟

والجواب: إنّ تردّده وإختلافه إلى الإمام وإلى غيره إنّما هو من الجمع بين النور والظلام، وهذا من التضاد أولاً، وثانياً: ممّا لا ينفع في طلب الحقيقة ومعرفتها، ويشهد على ذلك ما ورد في شأن نزول سورة الكافرون، فإن الكفار طلبوا من رسول الله أن يعيدوا الأصنام سنة وربّ النبي سنة، ويفعل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله كذلك، فنزلت السورة بأنه لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، بل لكم دينكم ولي دين، فكيف يمكن الجمع بين دين الحق ودين الباطل.

ثم كما في علم الأخلاق: لابد أولاً من التخلية ثم التحلية، فلابد من إزالة الأوساخ ثم النّظافة، كما أن اللّعن مقدم على السلام، كما في زيارة عاشوراء، فلابد من ترك الباطل مطلقاً، ولا يتردد إليه أبداً، ثمّ الرجوع إلى الحق، فأرجعه الإمام إلى الباطل مادام هو في الباطل، ومع الباطل، ويختلف إلى الباطل، بل (قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربه فصلى) فالتزكية أولاً ثم عبادة الصلاة، ومن لم يكن كذلك كان منافقاً، ومع النفاق كيف يصل إلى الحقيقة، فإنه لا ينفعه الطلب حينئذٍ، فالإمام× بعمله وسلوكه هذا لعنوان البصري كان من معرفته إيّاه للحقيقة، لا أنّه أغراه بالجهل وأبقاه على الباطل.

السابع عشر ـ كيف الإمام× يسأل (أبو من) مع أنه من معتقداتنا الحقّة أنّ أئمتنا^ في عالم الإمكان وبالتبع بإذن من الله وعلى نحو المحدود، يعلمون بما كان وما يكون وما هو كائن، كما أن الله كذلك في عالم الوجوب والذات والإطلاق، فعلمهم^ من علم الله، فهو عالم، من هو، وابن من، فكيف يسأل؟

أضف إلى ذلك أنه غير معقول أنه كان له علاقة من قبل في الذهاب والإياب ولم يتعرف عليه الإمام حتى يسأله (أبو من)؟

والجواب: أولاً رعاية للجانب البشري والملكي، فإنهم كجدهم الأعظم عندهم الجانب الملكي البشري (قل إنما أنا بشر مثلكم) كما لهم الجانب الملكوتي، فإنهم يتعاملون مع الناس بإعتبار جانبهم الأول، فكما يأكلون ويشربون، فإنهم في حين اللقاء يسألون عن الإسم والكنية وعن الشخصية والهوية، وهذا لا يتنافى مع علمهم اللّدني.

وثانياً: لو أراد الأئمة الأطهار^ أن يفعّلوا الجانب الملكوتي في حياتهم مع الناس فإن ذلك مما يوجب وحشتهم في غير حياتهم المألوفة.

وثالثاً: إنّما كان ذلك من باب (ما تلك بيمينك يا موسى) فإن الله يعلم بذلك إلا أنه سأل للحكمة وأن يكون توطئة وفتح باب للكلام، فسأل الإمام ذلك حتى يكون فتح باب للمحاورة والحديث والكلام بينهما.

ورابعاً: ربما كان من باب التمهيد للجواب، كما في قصة عيسى بن مريم× وقوله سبحانه (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين) توطئة لقول نبيه عيسى× (سبحانك).

فالإمام سأله (أبو من) توطئة للدعاء له (ثبتك على الكنية) ويفتح الكلام معه.

هذه جملة من الآثارات واللطائف في المقطع الأوّل من الحدیث الشریف.

الفصل الثاني

ومضات من حديث عنوان البصري

قال الإمام الصادق×: (ليس العلم بالتعلم، وإنما العلم هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه).

أقول: لقد يولد الإنسان ولم يعلم شيئاً (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) (النحل: 77) إلا أنه بلطفه جعل له آليات ظاهرة كالحواس الخمس الظاهرية من الباصرة والسامعة والذائقة والشامة واللامسة وحواس باطنية كالحس المشترك والحافظة والذاكرة والمتخيلة والمتصرفة والعاقلة لدرك العلوم والفنون وللفهم وكسب الحكمة (وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون).

ومن الشكر أن تجعل ما أنعم الله عليك من العلم الحسي والعلم الخيالي والعقلي في خدمة المنعم، وهذا من الشكر العملي الحقيقي الذي يوجب السعادة بالعلم والفوز في الدنيا والآخرة.

وما أكثر النصوص الدينية في بيان فضيلة العلم والعلماء في كتب السماء وعلى لسان الأنبياء والأوصياء^.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب)(الزمر: 9)

(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة: 11).

(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة: 123)

(نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم) (يوسف: 76)

(وقل رب زدني علماً) (طه: 114)

( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) (الحج: 54)

( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) (القصص: 80)

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) (سبآ: 6)

( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(العلق: 1-5)

وفي الأحاديث الشريفة:

البحار بسنده عن الإمام الصادق× عن أبيه عن آبائه^ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سلك الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً، ولا درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)8.

وفي أمالي الصدوق في حديث ابن نباتة عن أمير المؤمنين×: ( تعلّموا العلم، فإن تعلمه لله خسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وأئمة، تقتص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البجر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم. يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة. التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، هو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الإشقياء)9.

فالعالم سعيد والجاهل شقي، (فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظّه) وطوبى لقلوب العلماء وعلماء القلوب.

ولا يخفى أن أحث كلمة على طلب العلم وفضيلته وفضل مقام العالم ما قاله أمير المؤمنين علي×: (وقيمة كل امرء ما يحسنه)، أي ما يعلمه، ويؤيد هذا المعنى ما أنزله الله في قصة طالوت في قوله تعالى: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة ـ أي سعة ـ في العلم والجسم) وأفضل العبادة الفقه والعلم، ولا خير في العيش إلا لرجلين: عالم ناطق مطاع، أو مستمع واع وفاهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع يلزمن كل ذي حجيً وعقل من أمتي. قيل: يا رسول الله ما هنّ؟ قال: إستماع العلم وحفظه ونشره عند أهله، والعمل به، فالعلم ضالة المؤمن، فاجعل في أيامك ولياليك وساعاتك نصيباً لك في طلب العلم، فإنك لن تجد له تضييعاً مثل تركه، فالعلم وراثة كريمة وفريضة على كل مسلم ومسلمة، فاطلبوه من المهد إلى اللحد، فإن تعليمه لله حسنة وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل النجاة والمونس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزيّن عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، ويهتدي بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم، يستغفر له كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الابصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الابرار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الرب ويعبد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، العلم إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظه10.

أقول: لا شك أن هذه المقامات والمنازل والآثار والمنافع في الدنيا والآخرة لا تختص بالعلم العقلي، بل علماء السوء من يحمل في حافظته وذاكرته خزائن من العلوم والفنون، حتّی كاد أن یكون بمنزلة مكتبة ضخمة تضم آلاف الكتب والرسائل إلا أنّها مجرّد مصطلحات، ومن ورائها منافع دنيوية ومعاشية، أما أنها توجب أن تضع الملائكة لطالبها رضى وبركة به، أو أنه تستغفر له الحيتان والهوام في الأرض، وما في السموات والأرض، كل رطب ويابس، أو أنه حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة والعمى، ويبلغ به منازل الأخيار ومجالس الأبرار، وما ورد في الرواية النبوية والرواية العلوية من المقامات الرفيعة والمنازل السّامية فليس كذلك، إنما هذه الآثار والبركات والكرامات للعلم القلبي، فما من عبد يغدو في طلب العلم القلبي ويروح إلّا خاض الرحمة خوضاً.

ولابد لطالب العلوم الدينية والإسلامية أن يجمع بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة، وبين العلم العقلي والعلم القلبي، وإنما يُحذّر لو اكتفى بالعلم العقلي، وتمحّض وتمخّض وتعمّق حتى فلق الشعرة فيه، ولكن غفل أو تجاهل أو غرّته الدنيا، فنسى نفسه ونسي ربه، فلم يهذّب روحه ولم يربّ نفسه، وتعامى عن العلم القلبي، فخسر الدنيا والآخرة.

والعلم مخزون عند أهله، وقد أمرتم لطلبه منهم، فمن زار العالم لله وطلب العلم منه لله، كان من زوّار الله، وقالت الملائكة: مرحباً بزائر الله11 وأنزله الله منزلة سبعين صدّيقاً، وكان خيراً له من أن كانت الدنيا كلها له فجعلها في الآخرة، ولله الحجة البالغة.

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر من خرج من بيته يلتمس باباً من العلم، كتب الله عز وجل له بكل قدم ثواب نبي من الأنبياء، وأعطاه الله بكل حرف يسمع أو يكتب مدينة في الجنة، وطالب العلم أحبّه الله وأحبّته الملائكة وأحبه النبيون، ولا يحب العلم إلا السعيد، فطوى لطالب العلم يوم القيامة ومن خرج من بيته يلتمس باباً من العلم كتب الله له بكل قدم ثواب شهيد من شهداء بدر، وطالب العلم حبيب الله، ومن أحبّ العلم وجبت له الجنة، ويصبح ويمسي في رضا الله، ولا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر، ويأكل من ثمرة الجنّة، ويكون في الجنّة رفيق الخضر×، وهذا كله تحت هذه الآية: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)12.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ العبد إذا خرج في طلب العلم ناداه الله عزّ وجلّ من فوق العرش: مرحبا بك يا عبدي !.. أتدري أي منزلة تطلب؟.. وأي درجة تروم؟.. تضاهي ملائكتي المقرّبين لتكون لهم قرينا، لأُبلّغنّك مرادك ولأُوصلنّك بحاجتك..

فقيل لعلي بن الحسين (ع): ما معنى مضاهاة ملائكة الله عزّ وجلّ المقرّبين ليكون لهم قريناً؟.. فقال (ع): أما سمعت قول الله عزّ وجلّ:

(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) فبدأ بنفسه، وثنّى بملائكته، وثلّث بأُولي العلم الذين هم قرناء ملائكته وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وثانيهم علي× وثالثهم أهله وأحقهم بمرتبته بعده.

قال علي بن الحسين×: ثم أنتم معاشر الشيعة العلماء بعلمنا، تأولون (نازلون) مقرونون بنا وبملاكة الله المقربين، شهداء الله بتوحيده وعدله وكرمه وجوده، قاطعون لمعاذير المعاندين، من إمائه وعبيده، فنعم الراي لأنفسكم رأيتم، ونعم الحظ الجزيل اخترتم، وبأشرف العادة سعدتم، سعیدين بمحمد وآله الطيبين قرنتم، وعدول الله في أرضه شاهرين بتوحيده وتمجيده جعلتم، وهنيئاً لكم أن محمداً لسيد الأولين والآخرين، وأن أصحاب محمد الموالين أولياء محمد وعلي صلى الله عليهما، والمتبرئين من أعدائهما أفضل أمم المرسلين، وأن الله لا يقبل من أحد عملاً إلا بهذا الاعتقاد، ولا يغفر له ذنباً ولا يقبل له حسنة ولا يرفع له درجة إلا به وعن أمیرالمؤمنین علي علیه السلام قال: والله ما برأ الله من بریّة، أفضل من محمد ومنّي وأهل بیتي، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطلبة العلم من شیعتنا.

فطوبی لمحمد وآل محمد، وطوبی لشیعتهم وما حباهم الله من فضله وعلمه ومن المات الرفیعة والمنازل العظیمة..

هذا غیض من فیض في فضل العلم وفضیلة العلماء الصالحین من شیعة محمد وأهل بیته الطاهرین، وإن كان المفروض ان نبین ونشرح مفردات هذه الأحادیث الشریفة والأخبار المفة، إلّا أنب المقصود من هذه العجالة هو الاختصار والإجمال، وعسی أن یكون ما ذكرناه الخطوة الاولی لألف میل لمن أراد التحقیق والتدقیق في هذا الوادي الكریم والعظیم الذي بارك الله من حوله، ومن دخله كان مباركاً آمناً إلی یوم الدینثم لا شك أن كل شيء محبوب ومراد للإنسان، فإنّه يتوقف لتحصيله على الجد والسعي، فمن طلب العلى سهر الليالي، وأتعب نفسه وبذل جهده، سواء أكان ذلك في المقاصد الدنيوية كالتجارة والزراعة وجمع المال والمناصب، أو المقاصد الأخروية كالعلم والمعرفة والمغفرة الإلهية وكسب المقامات المعنوية والدرجات الرفيعة، فلا يحصل شيء منهما إلا بتحمّل المشاق في طلبها وفي طريقها، وتحصيل أسبابها ومقدماتها، وإنتظار آثارها وعوائدها، والأمل في الوصول إلى نهايتها ومبتغاها، ولولا ذلك لكان من الإنتظار الفارغ والباطل.

فلا بد من الدراسة والمواصلة والعمل الدؤوب والتقوی والإخلاص والحذار الحذار من الكسل والغفلات و تضییع العمر والأوقات.

في الديوان المنسوب لأمير المؤمنين علي×:

لو كان هذا العلم يحصل بالمنى

     ما كان يبقى في البرية جاهل

إجهد ولا تكسل ولا تك غافلاً

       فندامة العُقبى لمن يتكاسل

وهذه الحقيقة جارية في مثل الدعاء والتوسل والبكاء فإنه إذا لم ينضم إليه تحصيل المقدمات والأسباب لما نفع ذلك، فإنّه لو قال الداعي ألف مرة (اللهم اجعلني من الفقهاء العظام) فإنه لا ينفعه الدعاء لولا الحركة منه في تحصيل العلم الفقهي وتحصيل مقدماته، فلابد من حضور الدروس والمباحثة والمطالعة والمدارسة حتى ينال ما يتمنّاه، وهذا من سنن الله ومن الثوابت التي لن تجد لسنة الله تحويلاً ولاتبديلاً، إلا في موارد الإعجاز الذي هو نادر وفي مجال خاص، والنادر كالمعدوم، لا يبتني عليه الحياة الطبيعية، كما ورد في جملة من الروايات لبعض أصحاب الأئمة الأطهار^ كتحفيظ القرآن الكريم لزوان من قبل أمير المؤمنين علي× بعد ما أسرّ في اذنه سراً من الاسم الأعظم، فحفظ القرآن في مكانه، أو ما حصل لأبي هاشم الجعفري من تعلمه ثلاث وسبعين لساناً ولغة، بعدما وضع الإمام الهادي× حصاة بُلّت بريقه الشريف، فوضعها في فم أبي هاشم الجعفري.

وفي قصة هشام بن محمد بن السائب المشهور بالعلم والفضل، فإنه بعدما أصابه علّة ومرض شرب من يد الإمام الصادق× شربة فعاد العلم إليه.

فهذا كلّه من الإعجاز والكرامة، ومن النادر، وأمّا بصورة عامة فإن كل واحد منّا في كسب العلم يحتاج إلى التعلم والقراءة والكتابة والبحث والتفكر وسهر الليالي وتحمل المشاق والغربة من الأوطان والفقر وغير ذلك.

كما إن الله يستجيب الدعاء بالعمل فقال سبحانه: ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) (آل عمران: 195)

الفصل الثالث

العلم العقلي والعلم القلبي

ثم الإنسان يتركّب من الروح والجسد، كما فيه العقل والقلب، والعقل محطّ الفكر والدرس، والقلب محطّ الذكر والكشف، كما فيه العواطف والأحاسيس، كما في الإنسان الغرائز الإنسانية والحيوانية.

وبإعتبار عقله وقلبه وكسبه للعلوم والمعارف والفنون ينقسم العلم إلى قسمين: العلم العقلي، ويبتني على البرهان، ومن مقدماته التعليم والدرس والتفكير والتأمّل، والعلم القلبي ويبتني على الكشف والإلهام، ومن مقدماته مجاهدة النفس والذّكر وصيقلة القلب وجلاءه، والتقوى والورع عن المحارم، وإتيان الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات والشبهات.

والعلم العقلي إنما يتحقق بالدرس والتعلم، وإنّ العلم في الصغر كالنقش على الحجر، والعلم في الكِبَر كالنقش على البحر، فمن أتعب نفسه في شبابه في التربية والتعليم وتحصيل المقدمات والأسباب، فقد إستراح في شيبه، بقطف الثمار والنتائج والحصاد.

وأما العلم القلبي، فإنّه من المهد إلى اللحد، وهو من العلم النّوري، الذي يقذفه الله ويقع في قلب من يشاء أن يهديه إلى الصراط الحميد.

ولا شك أن العلوم المتداولة في المدارس الاكاديمية والحوزات العلمية بوحدها ليست من العلم النوري، بل لو يحطها العلم القلبي النوري، ولو لم يتهذب بالعلم النوري، لكان من الحجاب الأكبر، ويوجب الطغيان وإدعاء الرّبوبية والأعلمية، فيقول أنا أعلم من غيري، ولا يدري هو أجهل من غيره، فقد قال امير المؤمنين علي×: (من قال أنا عالم فهو جاهل) فما يتعلم في المدارس أو الحوزات لولا العلم النوري القلبي، فإنه مجرد اصطلاحات ومقدمات لابدّ منها لإمرار المعاش، وأما العلم النافع والذي يوجب سعادة الدارين ما كان فيه نور الله سبحانه، فيكون العلم العقلي في ظلال ورحاب العلم القلبي.

قال شيخنا البهائي قدس سره:

أيها الطلاب الذي في المدرسة

كلما حصلتموه وسوسة

ذكركم إن كان في غير الحبيب

مالكم في النشأة الأخرى نصيب

فالعلم القلبي النوراني ما فيه ذكر الحبيب، وهو الله سبحانه، وما عليه اسم الله (اللهم ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ كل عمل يوصلني إلى قربك)

فليس العلم بالتّعلم وحسب، إنما هو نور وإنكشاف إلهي، يُعرف به الحقائق وأسرار الكون، وأسرار الشريعة والطبيعة وما وراء الطبيعة فتدبر واغتنم هذا الاثر.

شبهة وجوابها:

لقد ذكرنا أن العلم مثل كل شيء نفيس، فإنه لا يحصل إلا بالتّعب والجُهد وبذل النفس، فإنه كما ورد عن الإمام زين العابدين× (لو علمتم ما في طلب العلم لطلبتموه ولو بخوض اللّجج وسفك المُهج)

وحينئذً كيف يقول الإمام× (ليس العلم بالتعلّم) فهذا غير معقول من شخص عادي أن يتفوّه بذلك، فما بالك بالإمام المعصوم×؟! فإن العلم لا شك إنما يحصل بالتعلّم، وببذل الجهد في تعلمه.

أُجيب عن ذلك بوجوه.

الأول: أن يكون في النسخ سقط، فكان الأصل ليس العلم بكثرة التعلم، كما في أحاديث أخرى بهذا التعبير.

والثاني: إنه من باب حذف المضاف كقوله: (واسأل القرية) اي أهل القرية، فالمراد ليس العلم بكثرة التعلم.

الثالث: إن العلة التامة للعلم ليس التعلم وكثرته فحسب، بل التعلم بمنزلة العلّة الناقصة وعلى نحو الاقتضائية، وهي عبارة عن وجود المقتضي، ولكن لا تتم، وإنه إذا وجب وجد إلا بعد عدم المانع، فالعلّة التّامة عبارة عن وجود المقتضي وعدم المانع.

فالتّعلم بمنزلة العلة الناقصة، كالحطب في وجود النار لمعلولها الحرارة، وأما المانع كإتباع الهوى وعدم العبادة والطاعة، فإنه من اتّخذ إلهه هواه واتبع ملاذه المحرمة، فإنه يحرم من العلم القلبي، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله (من أذنب ذنباً سلب منه علماً) وقال سبحانه (هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً).

الرابع: وهو الأوجه والمختار: أنّ العلم ليس بكثرة التعلم، فهذا من العلم العقلي الذي لا ينفع، لولا العلم القلبي الذي هو نور من الله سبحانه يقذفه ويضعه في قلب من شاء أن يهديه، بعد أن كان من أهل الهداية، كما لو كان من المحبين لله والأنيسين بذكره، كما ورد هذا المعنى في كثير من الروايات الشريفة نذكر منها نموذجاً:

فيما أوحى الله تعالى إلى داود: يَا دَاوُدُ! أَبْلِغْ أَهْلَ أَرْضِي‌ أَنِّي‌ حَبِيبُ مَنْ أَحَبَّنِي‌، وَ جَلِيسُ مَنْ جَالَسَنِي‌، وَ مُونِسٌ لِمَنْ ءَانَسَ بِذِكْرِي‌، وَ صَاحِبٌ لِمَنْ صَاحَبَنِي‌، وَ مُخْتَارٌ لِمَنِ اخْتَارَنِي‌، وَ مُطِيعٌ لِمَنْ أَطَاعَنِي‌. مَا أَحَبَّنِي‌ أَحَدٌ أَعْلَمُ ذَلِكَ يَقِينًا مِنْ قَلْبِهِ إلَّا قَبِلْتُهُ لِنَفْسِي‌، وَ أَحْيَيْتُهُ حَيَوةً لَا يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي‌.

مَنْ طَلَبَنِي‌ بِالْحَقِّ وَجَدَنِي‌؛ وَ مَنْ طَلَبَ غَيْرِي‌ لَمْ يَجِدْنِي‌. فَارْفَضُوا يَا أَهْلَ الارْضِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ غُرُورِهَا! وَ هَلُمُّوا إلَي‌ كَرَامَتِي‌ وَ مُصَاحَبَتِي‌ وَ مُجَالَسَتِي‌ وَ مُؤَانَسَتِي‌. وَءَانِسُوا بِي‌، أُؤَانِسْكُمْ وَ أُسَارِعْ إلَي‌ مَحَبَّتِكُمْ.

وفي الحديث القدسي: (أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري، تولّيت سياسته، وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه)

فهذا من العلم القلبي الذي يوجب الأنس بالله والاستيحاش من الناس فإنه (من أنس بالله استوحش من الناس).

فليس العلم بالتعلّم وكثرة التعلم وحسب، بل العلم النافع ما كان فيه نور الله (الله نور السموات والأرض) فليس العلم بكثرة التعلم بل نور يقذفه الله ويقع في قلب العالم العارف، وهذا من الأمر المعقول، فربّ طالب علم يصل إلى أقصى مراتب العلم الظاهري العقلي في عشر سنوات، وربما الآخر في أربعين سنة في طول عمره، فليس الميزان كثرة التّعلم، بل الملاك والميزان تحصيل سائر شرائط العلم، والتي منها حقيقة العبودية بإتيان الواجبات وترك المحرمات والمعاصي ثم الشبهات والمكروهات.

قال الشاعر:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي

فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي

وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلـْمَ نُورٌ

ونورُ الله لا يؤتى لعاصي

فالعلم نور من المبدأ الأول الفياض المطلق، فيفاض على القلب الطاهر النزيه، فإن الله نظيف ويحب النظيف والنظافة، وإن الله عليم حكيم، والحكيم لا يضع الماء الصافي النافع الذي فيه الحياة في إناء وسخ وقذر، فلابدّ من تخلية الإناء والظرف وتطهيره، ثمّ صبّ الماء الطاهر فيه، فالتخلية والرفض مقدمة التحلية والقبول.

فالعلم علمان: علم العقل وعلم القلب، ولا ينفع الأول ولا يوجب سعادة الدارين، إلا في ظل الثاني، وفي إطاره وحيطته ودائرته، وقد ورد نظير هذا المعنى في الأخبار.

1ـ قال رسول الله|: (العلم علمان: علم اللسان، فذلك حجة الله عز وجل على إبن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع) (13).

2ـ وقال أمير المؤمنين علي×: (إنّما العالم من دعاه علمه إلى الورع والتُقى والزهد في عالم الفناء، والتوجّه بجنّة المأوى) (14).

وإنه من الحجة للإنسان، وكم فرق بين الحُجتين: حجة عليك وحجة لك؟!

فالعلم الكسبي العقلي والذي ينطق عنه الكمال، إنما هو من المقدمات، وتنفع إذا أوصلك إلى ذي المقدمة، وإلا فلا، وكان هو الحجاب الأكبر، والذي يوجب الكبر والتكبّر والطغيان والعصيان، ويكون من الحجب الظلمانية ان تلوث بالدنيا، والحجب النورية إن خلصت من حطام الدنيا، فتمنع السالك إلى الله على كل حال من الوصول إلى مقام الفناء بالله والبقاء به.

فلابد من الإصلاح في قلب العالم بنور العلم الإلهامي الشهودي الذي يوجب التواضع (ثمرة العلم التواضع) والخشوع في النفس (ثمرة العلم الخشوع) والعصمة في الأفعال والخواطر (ثمرة العلم العصمة)، وإذا صلح العالِم صلح العَالم، وإذا فسد العالم فسد العالم، فان العالم الذي لم يعمل بعلمه، فيكون علمه كالماء الراكد فيفسد وينتن ويفسد غيره، ومن جاوره أو وقع فيه، ومن غلبت عليه شهوته وحبَ الدنيا والجاه والمقام والمال والنساء، ولم يبدء بتعليم نفسه وتأديبها وتهذيبها، فإنه لا يتمكن من إصلاح غيره، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فالعلماء بمنزلة النجوم في السماء.

قال رسول الله|: (إن مَثلَ العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البّر والبحر، فإذا طمست أوشك أن تضل الهداة)، أي إذا طمست النجوم الكواكب بمثل الكسوف والخسوف أو بموت العلماء وفقدناهم، فان الناس كانوا في الظلمات فلا نور لهم في الحياة.

ومن هذا المنطق نجد التحذير الشديد من معاشرة علماء السّوء، وأخذ الدين منهم، الذين اكتفوا بعلومهم العقلية واللّسانية من دون العلوم القلبية والشهودية، ومن دون العمل بها، بل غرّتهم الحياة الدنيا فكانوا من أهلها لا من أهل الله ويُغاة العلم الحقيقي.

قال رسول الله|: (إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه، فاتهّموه في دينكم، فإن كل محبّ للشيء يحوط بما أحبّ).

فمثل هذا يقدّم هواه على هوى ربه، ويبيع آخرته بدنياه أو بدنيا غيره، وينسى ویترك نفسه وآخرته وربّه، فمن كان كذلك، كان من الفتنة، وكيف يمكن أن يهتدى به، قال عيسى بن مريم×: (الدنيا داء الدين، والعالم طبيب الدين فإذا رأيتم الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه، فأتهمُوه وإعلموا أنّه غير ناصح لغيره) (15).

في أخبار داود النبي×: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهواته على محبّتي، أن أحرمه لذيذ مناجاتي. يا داود لا تسألنّ عني عالماً قد أسكرتُه الدّنيا، فيصدّك عن طريق محبّتي، أولئك قُطّاع الطّريق على عبادي) (16).

ثم الإسلام العظيم بمصدر تشريعه وثقافته في كتابه الكريم، والسنة المطهرة النبوية، ومنهاج الأئمة الأطهار^ قد بيّن الحق من الباطل، وقد عرّف العالم الرباني الذي يؤخذ منه العلم والدين. عن أمير المؤمنين قال رسول الله|: (من طلب العلم لله لم يصُيب منه باباً إلّا ازداد في نفسه ذلاً، وفي الناس تواضعاً، ولله خوفاً، وفي الدين إجتهاداً، وذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلّمه) (17).

وقال الإمام الصادق×: (الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة وقلب الإيمان، ومن حرم الخشية لا يكون عالماً، وإن شقّ القمر في متشابهات العلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾(18).

وقال رسول الله|: (من طلب العلم للدنيا والمنزلة عند النّاس، والحظوة عند السلطان، لم يصب منه باباً إلّا إزداد في نفسه عظمةً وعلى الناس إستطالة ـ والأول من الكبر، والثاني من التكبّر ـ وبالله إغتراراً ـ وهو من العُجب ـ ومن الدين جفاءاً، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم، فليكفّ وليمسك عن الحجة على نفسه والندامة والخزي يوم القيامة) (19).

وكان النبي المصطفى| يتعوّذ من العلم الذي لا ينفع، وهو العلم الذي ليس فيه العمل والإخلاص.

لقد مرّ أنّ العلم على قسمين: العلم العقلي والعلم القلبي. ولا ينفع الأول من دون الثاني، كما أن الثاني من مقدماته الأوّل فلابدّ من الجمع بين المقدمة وذيها، كالوضوء والصلاة، حتى تكون معراجاً وقرباناً لكل مؤمن ومتقي.

فالعلم الأول بمنزلة جزء العلة التامة، فيكون بمنزلة المقتضي للعلم الثاني.وهذا ما اختاره في تقسیم العلم بالتقسیم الثنائي، وللأعلام تقسیمات اخری كما هو مذكور في محلّه. وأشرت إلیه في كتاب (بدایة الفكر في شرح الباب الحادي عشر) وكتاب (الومضات الشهابیّة في الوصایا المرعشیة) ثم هناك فروق كثیرة بین العلمین كما سوف اذكره في العدد القادم إن شاء الله تعالی ومن الله العصمة والتوفیق والتسدید.

وللكلام صلة إن شاء الله….

الهوامش

1 – مادة أولیّة لمحاضرات أخلاقیة في القنوات الفضائیة (المعارف والعهد والكاظمین وأهل البیت وغیرها) ودروس أخلاقیة ألقاها الكاتب في مدرسة الإمام الخمیني في قم المقدسة لطلبة العلوم الدینیة من جالیات الاسلامیة أكثر من ثلاثین دولة سنة 1433 ق (مجلة الكوثر)

2 – إشارة إلى ما جاء في كتاب (الأسفار الأربعة) للفيلسوف المحقق المولى صدر الدين الشيرازي رحمه الله.

3 – لقد أخذ مالك العلم عن جماعة أعلمهم الإمام جعفر بن محمد الصادق× وقال في حقه وفضله: (ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطرعلى قلب أحد عن جعفر بن محمد فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً، وكان لا يخلو من إحدى ثلاث: إما صائماً، وإما قائماً ـ مصلياً ـ وإما ذاكراً، ولقد حججت معه سنة، فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته، فقلت: قل يابن رسول الله فلابد من أن تقول، فقال لي: يابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول لي ربي عز وجل: لا لبيك ولا سعديك.

وكان مالك يبكي آخر عمره بكاءً مريراً على ما أفتاه بالرأي والقياس، وكان يقول والله لوددت أن أضرب لكل مسألة أفتيت فيها برأي مأة ألف سوط.

أقول: إذا كان هذا حال رجل وهذه شهادته في إمام زمانه الإمام الصادق، فكيف یقلّد ويكون إمام مذهب؟!

ثم أليس من يتبع آخراً لابد أن يكون عن بينة شرعية ودينية، فما بينة أتباع المذاهب الأربعة؟ فهل يكفي كون أئمتهم من العلماء؟ وما أكثر ما كان من العلماء من قبلهم في صحابة رسول الله وفي التابعين، وكذلك من بعدهم؟ ثم مع شهادتهم بفضل أهل البيت وأئمتهم^ كقول أبي حنيفة (لولا السنتان ـ وكان تلميذاً عند الإمام الصادق× ـ لهلك النعمان) فكيف يترك مذهب الإمام الصادق ويتبع غيره من تلامذته؟ ما لكم كيف تحكمون؟ وهل بعد الحق إلا الضلال؟!

4 – فممّن شرح الحديث باللغة العربية: الحجة السید أبوالفضل النبوي القمي في كتابه: (الكوكب الدري في شرح حدیث عنوان البصري. وباللغة الفارسیة: رضا قربانیان في كتابه (در جستجوی حقیقت) وسید محمد محسن الحسیني الطهراني في كتابه: (أسرار ملكوت) وسید جعفر الموسوي في كتابه (سیر وسلوك) وسید عباس الموسوي المطلق في كتابه (كرامات معنوي) وغیرهم غیر واحد.

5 – المقدمة في مقدمة الخبر وبيان ما جاء فيها من أول الحديث.

6 – الشريف مصطلح ـ آنذاك ـ يطلق على السادة من أولاد وذرية فاطمة الزهراء عليها السلام من الحسنيين والحسينيين من ذرية الإمام الحسن المجتبى والإمام الحسين سيد الشهداء عليهما السلام.

7 – المراقبات: 122.

8 – بحار الأنوار 1: 64 عن أمالي الصدوق.

9 – العوالم 2: 189.

10 – البحار 1: 171.

11 – عن الإمام جعفر الصادق× البحار 1: 174.

12 – البحار 1: 178 عن جامع الأخبار.

13 – المحجة البيضاء: 1: 21.

14 – غرر الحكم: 1: 303.

15 – الخصال: 113.

16 – البحار: 107.

17 – روضة الواعظين: 211.

18 – البحار: 2: 52.

19 – روضة الواعظين: 211.

الكاتب: السيد عادل العلوي