شرح قول الإمام وفيك انطوى العالم الأكبر

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين طفى محمد وآله الشرفاء العرفاء ولعنة الله على مخالفيهم وأعدائهم اللعناء السخفاء وبعد : فقد قال مولانا سيد الكونين أمير المؤمنين عليه السلام في الأبيات المنسوبة إليه [۲] :

دواؤك فيك وما تشعـر وداؤك منك فلا تبصـر

أتزعم أنك جرمٌ صغـير وفيك انطوى العالم الأكبر

وأنت الكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضــمر

وقد سألني جناب الأكرم زبدة الأحبة والأعيان الحاج ياسين بن الحاج عبد الله آل رمضان وفّقه الله لمرضاته عن شرح البيت الثاني فأجبته بما هو الميسور إذ لا يسقط بالمعسور.

اعلم بصّرك الله بخفايا الأمور وحقائق العوالم والدهور ، أن لنا ثلاثة عوالم وإن شئت قلت ثلاثة أناسي :

(الأول) العالم الكبير ويعبر عنه بالإنسان الكبير. يطلق على هذا العالم الدنيوي بما فيه من العرش والكرسي والسموات والأرضيين إلى ما تحت الثرى.

(الثاني) العالم الوسيط ويعبر عنه بالإنسان الوسيط يطلق على المولود الفلسفي وهو الكيمياء ومرآة الحكماء.

(الثالث) العالم الصغير ويعبر عنه بالإنسان الصغير وهو هذا البشر آدم وذرّيته.

وهذه العوالم الثلاثة كلها على وتيرة واحدة ونسق واحد وفي كمال المطابقة بمعنى أن كل ما في العالم الكبير فهو موجود في العالمين الآخرين وكل منهما شرح وتفصيل لذلك ، وإن كان بعضه جلياً يعرفه كل واحد ولو بعد التنبيه والبيان ، وبعضه لا يعرف حتى مع التنبيه والبيان قال تعالى : (وما أمرنا إلا واحدة ) [۳].

وبرهان ذلك عقلاً أن الله سبحانه قادر غني عالم حكيم ، وكلما يعده العقل حسناً في الصنع يكون واجباً في فعله وصنعه تعالى ، لأن الحسن هو الراجح في الصنع ، ولا يترك الراجح إلا العاجز أو المحتاج أو الجاهل أو غير الحكيم ، والقادر الغني الحكيم لا يترك حكمة الراجح في صنعه إلا لأمر أرجح منه ، وإلا لفعل خلاف الحكمة وصدور خلاف الحكمة محال عليه تعالى ، ومن صدر منه خلاف الحكمة كشف عن عجزه أو جهله ، وإلا لم يفعل ذلك. والله عز وجل حكمته وعلمه وقدرته وغناه ثابتة بالضرورة غنية عن إقامة الدليل والبرهان ، فلا بد أن يكون صنعه في كمال الإتقان وغاية الإحكام بحيث لا يتصور في الإمكان أحكم وأتقن منه.

فنقول : لا ريب في أن العقل يستحسن أن الخالق يخلق أموراً متعددة تكون أجزاءً للكل ، وبعبارة أخرى يخلق كلاً ذا أبعاض متعددة إذا نظرت إلى الكل ظاهراً رأيته أمراً وحدانياً تامّاً جامعاً ، وإذا نظرت إلى الأبعاض والأجزاء رأيت أن كل جزء من الأجزاء تمام ذلك الكل ، بمعنى أن كل واحد من الأبعاض فيه تمام ما في الكل ، ويحتوي على تمام ما في الكل ، وفي البعض جميع ما في المجموع ، إذا نظرت إلى الكل شاهدت تمام الأمر ، وإذا نظرت إلى البعض شاهدت أيضاً تمام الأمر ، وكلما دققت النظر في البعض وبالغت في ذلك شاهدت حواية البعض على الكل وانطواء الكل في الجزء أبلغ ، ومهما زدت في الدقة كانت مشاهدة الحواية والانطواء أجلى وأقوى.

فأي عقل لا يحكم بحسن مثل هذا الصنع الذي يكون الكل فيه منطوياً في البعض والبعض حاكياً عن الكل ، بل كل ذي لب ووجدان يقطع برجحانه وحسنه ، والقادر الغني الحكيم لا يتعدى عنه ويختار غيره ، وإلا لترك الراجح وفعل ما هو المرجوح ، وهو قبيح قطعاً ، ولا يصدر القبيح إلا من العاجز أو الجاهل أو المحتاج أو غير الحكيم ، وتعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. فلا بد أن يحمل صنع الحكيم على أكمل وجه وأتم صورة ، وإلى هذه الدقيقة ينظر الشاعر في قوله :

كل شيء فيه معنى كل شيء فتفطن واصرف الذهن إليّّ

كثرة لا تتناهى عـــدداً قد طوتها وحدة الواحد طي

ومن هذا الباب صار القرآن الكريم من أفصح الكلام وأبلغه وأتمه وأكمله وأبدعه حتى تحدى بقوله : ( قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) [۴۳] ، وقال في مقام آخر : ( قل لئن اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً ) [۵]. لما فيه هذه المزية الكبرى والخاصة العظمى من انطواء كله في ابعاضه وما يشاهد في كله يشاهد عيناً في جزئه.

ويشهد لذلك الرواية المعتبرة المشهورة التي لا تنكر : “ كلما في القرآن فهو في الحمد ، وكلما في الحمد فهو البسملة ، وكلما في البسملة فهو في بائها ” (نقلته بالمعنى) ، وهذا وأمثاله هو السر في عجز فصحاء العرب وبلغاء قريش عن إتيان مثل آية من آياته ، ولو بأقصر آية أو أخصر سورة ، ولولا هذه المزية السامية لربما أمكن لبعضهم أن يأتي بما فيه بعض الشبه لبعض الآيات.

أما قرع سمعك الحديث المروي عن الباقر أو عن الصادق عليهما السلام (والتردد مني) أنه بعد ما بين الإمام عليه السلام وشرح بعض أسرار كلمة ( الصمد ) قال عليه السلام : ” لو شئت لاستخرجت جميع الشرائع والسنن والواجبات والمستحبات وجميع ما يحتاج إليه الخلق من هذه الكلمة “[۶]. أي كلمة الصمد ( نقلته بالمعنى). فأنى للمخلوق أن يتمنى هذا المقام العظيم أو أن يحوم حول حمى كلام الخالق الحكيم. فالعقول عموماً سو العقل الكلي تعجز وتخسأ أن تحيط خبراً بما في بعض آياته من المزايا وأنواع الإعجاز ، فضلاً عن إتيان ما يشبهه أو يماثله ، ولو بنحو من أنحاء المجاز ، فلو أمكن للحادث الرقي إلى مقام القديم لأمكنه أن يأتي بكلام يشبه القرآن والذكر الحكيم.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في بعض التطبيق بين العالم الصغير والعالم الكبير ، وما انطوى من العالم الأكبر في هذا الجرم الصغير على حسب ما يمكننا بحسب الفرصة واقتضاء الظروف.

ونقول : أن في العالم الكبير عرشاً وكرسياً وسبع الشداد وأرضاً فهذه عشرة من السماوات التسع والعاشرة الأرض على نظر أهل الهيئة من القدماء أو عشر كرات وفي الإنسان هذا الجرم الصغير مثلها ، أما العرش فهو قلبه أي عقله ، كما أن العرش وهو محدد الجهات ليس فوقه جسم ، كذلك قلبه ليس فوقه من مراتبه شيء ، وكلاهما بسيطان بمعنى أن العرش ليس فيه من النجوم ولا واحد ، فكذلك عقله فيه معاني الأشياء الكليات ليس فيه من الصور.

وأما الكرسي في العالم الكبير الذي هو محل النجوم والثوابت والبروج والدوائر لدى القدماء ، ففي الإنسان صدره أي نفسه الناطقة التي فيها الصور والنقوش وجميع ما يتصور فهو في صدره أي في نفسه الناطقة ، فكما أن الكرسي مستمد من العرش فكذلك الصدر مستمد من القلب ، وكما أن الكرسي فيه من النجوم والثوابت ما لا تحصى فكذلك في صدر الإنسان من الصور والأنواع والألوان والهيئات ما لا تحصى.

وأما السبع الشداد فهي فلك زحل وفلك المشتري وفلك المريخ وفلك الشمس وفلك الزهرة وفلك عطارد وفلك القمر ، وفي الإنسان مثلها. أما فلك زحل ففي الإنسان تعقله الذي مقره الدماغ ، وفلك المشتري ففي الإنسان علمه الذي مقره الصدر. وفلك المريخ ففي الإنسان وهمه ، وفلك الشمس ففي الإنسان وجوده الجسماني ، وفلك الزهرة ففي الإنسان خياله ، وفلك عطارد ففي الإنسان فكره ، وفلك القمر ففي الإنسان حياته ، وكرة الأرض ففي الإنسان جسده.

فهذه عشرة عوالم في العالم الكبير الأفلاك التسعة والأرض وفي الإنسان هذه العشرة موجودة بآثارها. بمعنى أنه لولا العرش ما وجد له قلب أي عقل أبداً ، ولولا الكرسي ما وجد له صدر بوجه من الوجوه ، ولولا زحل لما تعقل شيئاً أصلاً ، ولولا المشتري لما علم شيئاً قط ، ولولا الزهرة لما خلق له خيال أبداً ، ولولا فلك عطارد لما كان له فكر أصلاً ، ولولا القمر لما وجدت له حياة ، ولولا الأرض لما وجد له جسد ، فمن كل عالم في الأكبر شيء وأثر في الأصغر. فهذه المراتب العشرة التي هي في الأصغر كل واحد منها مأخوذ من فلك من هذه الأفلاك المذكورة . وهذا معنى قول الحكماء العارفين أن الإنسان مخلوق من عشر قبضات ، من العرش قبضة ومن الكرسي قبضة وهكذا إلى آخر مراتبه. وكما أنه لولا الشمس لما وجدت حرارة في الأرض وأهل الأرض ، ولولا القمر لما وجدت رطوبة في الأرض وأهل الأرض ، فكذلك مراتب الإنسان المذكورة في تكونها من العالم الكبير من أفلاكه ، لولا تلك الأفلاك والأرض لما وجدت تلك المراتب فيه.

وهذا الجسد الذي هو مخلوق من هذه الأرض فيه أيضاً كل ما في الأرض من الأشياء والعجائب. مثلاً في هذه الأرض أشجار وآجام وفي بدن الإنسان كذلك شعر بدنه وشعر رأسه ، وفي الأرض عيون مختلفة وفي الإنسان أيضاً عيون مختلفة ، عين مالحة وهي دمعة عينه أي بصره ، وفيها عين متعفنة وفي الإنسان ماء خيشومه ، وعين مرة وفي الإنسان ماء أذنه ، وعين بلا طعم فاتهة وهي في الإنسان ماء فمه. وفي الأرض أنهار جارية وشطوط وفي الإنسان دمه الجاري في عروقه الكبيرة أي الضخمة والصغيرة أي الدقيقة ودمه الجاري في أعضائه بتوسط العروق الشعرية. وفي الأرض جبال وأوتاد وفي الإنسان عظامه الكبار والصغار. وفي الأرض عروق توصل بعضها ببعض وفي الإنسان أعصابه التي تشده. وفي الأرض أحجار وفي بدن الإنسان العظام الصغار التي في رجليه ويديه وغيرهما وحجر المثانة في البعض. وفي الأرض معادن لا تحصى أو يقال أربعة وثمانون معدناً أو أقل أو أكثر ، معدن الفضة والذهب والنورة والزرنيخ والحديد والصفر والفولاذ والقار والكبريت والزئبق والدر والعقيق والياقوت والألماس والزبرجد والمرجان واللؤلؤ وغير ذلك ، وفي الإنسان كل هذه موجودة في دمه وبدنه ولكل منها وزن مخصوص يكون بذلك اعتدال مزاجه وصفاء ذهنه ونشاطه وصحته وارتياحه فلو نقص من هذه المعادن شيء من بدنه أو نقص أو زاد لخرج مزاجه عن الاعتدال وظهر فيه المرض والاختلال ، فلذا أن الأطباء يأخذون دمه ويحللونه ويستنبطون منه المرض أو الصحة. وأيضاً في الأرض حيوانات وحيتان ، وفي بدن الإنسان مثلها وهي الذرات الصغار غير المرئية في دمه التي بها حياته وهي الكريات الدموية السابحة في دمه الكثيرة التي تبلغ عدتها من خمسة ملايين إلى ثمانية ملايين بحسب ضعف المزاج وقوته. وفي الأرض حيوانات مؤذية مضرة ، وفي بدن الإنسان هو الذي يعد من المكروبات الداخلة والخارجة. وفي البحر مد وجزر كذلك في دم الإنسان إذا خاف هرب دمه وجزر وغار وإذا غضب طاش دمه ومد وفار ، ومن بعض الأغذية والأهوية ما يولد في دمه الطغيان والفوران أو القلة والنقصان وهكذا. وعلى الفاهم البصير التطبيق والتنظير.

وأيضاً في العالم الكبير أيام سبعة الأسبوع ، وفي الإنسان عقله ونفسه والحواس الخمسة من الظاهرة أو الباطنة. وفي العالم اثني عشر شهراً في كتاب الله ، وفي الإنسان عقله ونفسه مع جميع حواسه الظاهرة والباطنة العشر. وفي العالم الكبير ثلاثمائة وستون يوماً ، وفي الإنسان ثلاثمائة وستون عِرقاً. وفي العالم الكبير أربع طبائع على رأي القدماء أي أربعة عناصر الحرارة واليبوسة وهي كرة النار ، والحرارة والرطوبة وهي كرة الهواء ، والبرودة والرطوبة وهي كرة الماء ، والبرودة واليبوسة وهي كرة الأرض ، وفي الإنسان مثلها المرة الصفراء في الإنسان حار يابس وهي من كرة النار وكبد الإنسان حار رطب وهو من كرة الهواء والبلغم في الإنسان بارد رطب وهو من كرة الماء والسوداء في الإنسان بارد يابس وهي من كرة الأرض ، وفي غير الإنسان مثل ذلك ، وفي سائر الحيوانات بل في كل شيء مثلما ذكر لكن في بعضها خفي جداً لا يلتفت إليها ولا يعقلها إلا العالمون.

مثلاً نقول في الملائكة طبع كرة النار جبرائيل ، وفي الرياح ريح الدبور ، وفي الطيور طاووس ، وفي الأفلاك فلك الشمس ، وفي المعادن الياقوت ، وفي الأنوار النور الأحمر ، وفي المجردات عالم الطبيعة ، وفي الألوان الحمرة ، وفي الإكسير الكبريت.

وطبع كرة الهواء في الملائكة إسرافيل ، وفي الرياح ريح الجنوب ، وفي الطيور الديك ، وفي الأفلاك فلك المشتري ، وفي المعادن الذهب ، وفي الأنوار النور الأصفر ، وفي المجردات عالم الروح ، وفي الألوان الصفرة ، وفي الإكسير الفتى الشرقي.

وطبع كرة الماء في الملائكة ميكائيل ، وفي الرياح ريح الصبا ، وفي الطيور الحمامة ، وفي الأفلاك فلك القمر ، وفي المعادن الفضة ، وفي الأنوار النور الأبيض ، وفي المجردات عالم العقل ، وفي الألوان البياض ، وفي الإكسير الفتى الغربي ماء أشبه بالأشياء بالزئبق في الغلظة واللون.

وطبع كرة التراب في الملائكة عزرائيل ، وفي الرياح ريح الشمال ، وفي الطيور الغراب ، وفي الأفلاك ظاهر فلك زحل ، وفي المعادن الأسرب ، وفي الأنوار النور الأسود أو الأخضر ، وفي المجردات ظاهر عالم النفس ، وفي الإكسير الأرض المقدسة ، وفي الألوان السواد أو الخضرة هكذا عند بعض الحكماء العارفين.

وأيضاً ففي الأرض ملك ورعايا كذلك في الجسد الإنساني ملك وهو قلبه ورعايا وهي الأعضاء والجوارح والحواس الخمسة. وفي الأرض خير وشر وفي البدن الإنساني الخير هو العقل وما يصدر عنه العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ، والشر هي النفس الأمَّارة وما يصدر منها : (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) [۷]. وفي الأرض حرب بين الملوك أو غيرهم وتخت الحكم ، وفي الإنسان قلبه محل الحكم والملكان المحاربان العقل والنفس الأمَّارة ولكل منهما جنود كما في بعض الروايات جنود العقل خمسة وسبعون وكذلك جنود النفس خمسة وسبعون كما في الكافي ، وفي كل أمر يبدو للإنسان من خير أو شر يقع الحرب بين هاتين الطائفتين إن كان خيراً فالعقل يطلبه والنفس تمانعه ويقع الحرب بينهما. فلذا سمي المحراب محراباً لأنه حين إتيان الصلاة وأركانها وأفعالها يحكم العقل وإرشاده فالنفس تحاربه وتدافعه حتى لا يصلي أو لا يأتي بشروطها وأركانها صحيحة كاملة. وإن أراد شراً بحكم النفس فالعقل يعظه ويعذله وينهاه وهكذا سائر الأفعال. وكذا في العالم نبي وشيطان وفي الجسد الإنساني عقله هو الرسول الباطني ونفسه الأمارة شيطانه. وكذا العالم مربوب هو وجميع ما فيه وله رب يربيه ويمدُّه ، وفي الإنسان الرب وهو قلبه يربي جميع ظاهره وباطنه وحواسه وقواه وباقي الجسد كله مربوبون له مستمدون منه محتاجون إليه وهو يربي ويمد غافلاً كان الإنسان أو ملتفتاً شاعراً كان أو غير شاعر نائماً كان أو مستيقظاً فتبصر.

والحاصل أن في الإنسان جميع ما في العالم وهو أنموذج العوالم الغيب والشهادة وكل ما خفي في عالم الغيب يرى تفصيله وشرحه في الإنسان وفي الشهادة يستدل به إلى ذلك العالم وليس مختصاً بالإنسان فقط بل في جميع المخلوقات كذلك كل فرد فرد فيه ما في العالم لكن في كل شيء بحسبه ومرتبته حتى النباتات والجماد والمعدن ليستدل به أن خالق النملة هو فاطر النخلة وأن صانع البقه هو خالق الفيلة.

غاية ما في الباب أن هذا الإنسان وهو العالم الصغير شرح العالم الأكبر وتفصيله فيه أبين وأفصح من غيره ، وغير الإنسان فالانطواء في بعضه خفي وفي بعضه أخفى لا يطلع عليه إلا الخالق وأولياء الخالق ومن كشفوا عن عينه الغطاء وعرفوه حقائق الأشياء.

وحيث أن الإنسان نسخة لعالم الكبير وأنموذجه والتفصيل فيه أجلى وأوضح. قال الإمام عليه السلام فيما نُسب إليه :

أتزعم أنك جرمٌ صغـير وفيك انطوى العالم الأكبر

وأنت الكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضــمر

وهذا الجرم الصغير فيه جوهر نفيس ثمين وتطبيق شريف متين لا يقاس بجميع ما ذكر. بل إنما كُلِّف الإنسان لمعرفة ذلك ، وهو مثال الرب الملقى في هويته وهو آية ربه ولا يظهر إلا بعد كشف جميع سبحانه ، وإندكاك كل آنياته ، وهو الذي قال فيه الإمام عليه السلام : ” من عرف نفسه فقد عرف ربه ” [۸] ، وقال صلى الله عليه وآله : ” أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه ” [۹] ، وقد كتب شيخنا الأوحد الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي أعلى الله مقامه رسالة نفيسة شريفة في معرفة النفس أي معرفة معنى قوله : ” من عرف نفسه فقد عرف ربه ” [۱۰] مطبوعة في المجلد الأول من ( جوامع الكلم ) فراجع عسى أن تُسعد بفهم ما شرحه ، والواصلون قليل ولولا ضيق المجال لأشرنا إلى بعض المهم من ذلك.

والحاصل أنت أيها البشر لقد أودع الله فيك قوة تتمكن من تصفية نفسك وتكميلها ورفع عمى الجهر عنها بسحق العبودية بصلابة الآداب الشرعية والأخلاق الروحانية والحقائق الإلهية حتى تنعمم أجزاؤها وتتلطف وتصفي بتكرار الحل والعقد حتى تزول عنها غرائب الأرض وعوارض الأكدار ويكشف عن عين بصيرتك وفؤادك جميع السبحات وترفع عنها الأغشية والأستار والموهومات فيكون قلبك نورانياً ومرآتك صافية وبصرك حديداً ويظهر فيك المثال الملقى في هويتك وتصل إلى المعرفة الحقيقية فهناك ترى حقيقة بعض الأشياء وتشاهد في البعض ما تشاهد في الكل وانطواء الكل في البعض وتحيط على حسب مقامك بالعلوم الظاهرة والباطنة إحاطة لدنية لا كسبية وهذا هو الدواء الذي عناه الإمام عليه السلام في قوله :

دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك فلا تبصر

فداؤك هو الجهل وتكاثر السبحات والأغشية على بصيرتك بتسليط النفس الأمارة على عقلك والخروج عن طاعته وطاعة ساداتك وأئمتك عليهم السلام حتى لا تكاد تبصر شيئاً من الحق كما قال تعالى : ( ولهم قلوب لا يفقهون بها [۱۱] الحقائق والعلوم ولهم أعين لا يبصرون بها ) [۱۲] (الحق وطريق النجاة ولا يرون الآيات في الآفاق والأنفس ولا يدركون العبر على كثرتها ولهم آذان لا يسمعون بها) [۱۳] المواعظ المفيدة والأدوية النافعة وداؤك يا حبيبي هو الذي مر عليك قبلاً فبادر باستعماله قبل موت حقيقتك وعدم نفع الدواء فيك.

وأيم الله قسماً باراً أن فيك مرآة إذا صيقلتها بما ذكرناه ورفعت الغبار والرين عنها وكشفت عن وجهها السبحات عرفت الله تعالى معرفة تامة كاملة على حسب حدودك ومرتبتك والصفات الحادثة والصفات القديمة وصفات الكمال وصفات الجلال والجمال وصفات النقص والقصور وعرفت أربعة أركان الشيء من المشيئة والإرادة والقدر والقضاء والإمضاء وعرفت كيفية التركيب والبساطة ، ومعنى كل ممكن زوج تركيبي ، وعرفت معنى البداء ووقوع المحو والإثبات وعرفت كيف تصدر الكثرات من الواحد الأحد البسيط من جميع الجهات وعرفت كيفية ارتباط العوالم بعضها ببعض وكيفية التقاء عالم الغيب بعالم الشهادة وكيفية تعلق بعض المجردات بالمركبات والماديات وعرفت أيضاً أحوال العالم من إحاطة العالي بالسافل وقيومية العالي للسافل وقوام السافل بالعالي بالقيام الصدوري وعرفت أقسام القيامات من القيام التحققي والركني والقيام الظهوري والقيام العروضي بل عرفت كل وجود من الغيب والشهادة والبسيط والمركب والمجرد والمادي والعالي والسافل واللطيف والكثيف والشريف والوضيع والقوي والضعيف والعادل والظالم والصالح والطالح والكافر والمؤمن والجن والملائكة والعقل والجهل وعليين وسجين والسموات السبع والأرضيين السبع والعرش والكرسي واللوح والقلم ومقام قاب قوسين أو أدنى والملائكة المقربين والأنبياء المرسلين وغير ذلك من الدرة إلى الدرة كلها تعرفها تشاهدها في نفسك فإن الله جعلها فيك بأتم تفصيل وأكمل بيان وجعلك أنموذجاً للعوالم وأحسن عنوان ، قال تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) [۱۴] ، وقال تعالى : ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم )[۱۵] ، وهذا معنى قول الإمام عليه السلام ” ليس العلم في السماء فينزل إليكم ولا في الأرض فيصعد إليكم بل هو مكنون فيكم مجبول في قلوبكم تخلقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم “.

نسأل الله تعالى بأوليائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين أن ينور قلوبنا بالمعرفة واليقين وأن يبصرنا عيوبنا ويوفقنا لتزكية أنفسنا ويرفع عنا حجاب الجهل والعمى وموانع النفس والهوى وأن يرقينا بتوفيق استعمال الأدوية الشرعية إلى الدرجات العلى عسى أن ندرك بعض الحقائق ونلتفت إلى ما في عالمنا من الدقائق بفضله وكرمه وجوده ومنه .

اللهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم وارحمنا بهم ونور قلوبنا بمحبتهم ومعرفتهم ومعرفة مقاماتهم ومراتبهم ووفقنا لطاعتهم وبعدنا عن معصيتهم وأختمنا بولايتهم وزدنا في محبتهم واحشرنا تحت لوائهم وفي زمرتهم بحقهم عليك وبحقك عليهم إنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

قد فرغ من تسويده مساء يوم الخميس الرابع والعشرين أو الثالث والعشرين من شهر ربيع الثاني من سنة الألف والثلاثمائة والسبعين من الهجرة النبوية على مهاجرها ألف الصلاة والتحية حامداً مصلياً مستغفراً شاكراً.

——————

[۱] كتاب الكلمات المحكمات – الرسالة الثانية – لسماحة المولى المقدس الميرزا علي الحائري الإحقاقي أعلى الله مقامه

[۲] ديوان الإمام علي عليه الصلاة والسلام ص۱۷۵

[۳] سورة القمر ، الآية : ۵۰

[۴] سورة يونس ، الآية : ۳۸

[۵] سورة الإسراء ، الآية : ۸۸

[۶] البحار ج۳ ص۲۲۵ ح۱۵ بالمعنى

[۷] سورة يوسف ، الآية : ۵۳

[۸] شرح نهج البلاغة ج۲۰ ص۲۹۲ ح۳۳۹

[۹] روضة الواعظين ص۲۰

[۱۰] البحار ج۲ ص۳۲ ح۲۲

[۱۱] سورة الأعراف ، الآية : ۱۷۹

[۱۲] سورة الأعراف ، الآية : ۱۷۹

[۱۳] سورة الأعراف ، الآية : ۱۷۹

[۱۴] سورة الذاريات ، الآية : ۲۱

[۱۵] سورة الكهف ، الآية :۵۱

الكاتب: الميرزا علي الحائري