امام الکاظم۳

شعر الإمام الكاظم(ع)

كل ما صدر عن الأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) من وصايا ورسائل وخطب وشعر ، كان في سبيل الدعوة الإسلامية ، والحث على طاعة الله تعالى ، والدعوة إلى التحلّي بمكارم الأخلاق ، والتمسّك بالفضائل ، فكانوا ( عليهم السلام ) يعملون على تثقيف الأمّة الإسلامية ، وتعليمها وتوعيتها ، ويبذلون أقصى الجهود في تقويمها ، وهدايتها إلى الطريق السليم .

وموضع الشعر كان ينشد عند عامّة الناس في التشبيب واللهو والمجون ، أمّا أهل البيت ( عليه السلام ) فكانوا ينظمونه في الدعوة إلى الخير والعقيدة الإسلامية ، والأخلاق والتحلّي بالفضائل النبيلة ، وهذه هي الفوارق التي تميّزهم عن غيرهم من الشعراء الآخرين .

والإمام الكاظم ( عليه السلام ) لم يكن شاعراً محترفاً ، بل كان نظمه للشعر قليلاً جدّاً ، ومن شعره :

قوله ( عليه السلام ) في أفعال العباد :

لم تخل أفعالنا التـي نذم بها ***** إحـدى ثلاث حيـن نبديـها

إمّا تفرّد باريـنا بصـنعتها ***** فيسقط اللوم عنا حيـن نأتيها

أو كان يشـركنا فيها فيلحقه***** ما كان يلحقنا من لائـم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها ***** ذنب فما الذنب إلاّ ذنب جانيها

قوله ( عليه السلام ) في اللجوء إلى الله تعالى :

أنت ربّي إذ ظمئت إلى الماء ***** وقوّتي إذا أردت الطعاما

ذكر الشيخ المفيد أبياتاً له تلاها الإمام الرضا ( عليه السلام ) على المأمون ، ونسبها ( عليه السلام ) إلى أبيه :

كـن للمكاره بالعزاء مدافعـاً ***** فلعل يوماً لا ترى ما تكره

فلربما استتر الفتى فتنافسـت ***** فيه العيـون وإنّه لممـوه

ولربما ابتسم الوقور من الأذى ***** وضـميره من حرّه يتأوّه

وكان ( عليه السلام ) يعلم كل شيء يدور حوله ، ولكن عيون المراقبين تترصّده دائماً ، فلم يكن له إلاّ أن يموّه ما يقول حذراً ، فيبتسم من الأذى المحدق به ، وضميره من حرّه يتأوّه في صدره .

وذكر ذو النون المصري : أنّه اجتاز أثناء سياحته على قرية تسمّى بتدصر ، فرأى جداراً قد كتبت عليه هذه الأبيات :

أنا ابن منى والمشـعرين وزمزم ***** ومكّة والبيـت العتيـق المعظّـم

وجدّي النبي المصطفى وأبي الذي ***** ولايتـه فرض على كلّ مسـلم

وأمّـي البتول المسـتضاء بنورها ***** إذا مـا عددناها عديلـة مريـم

وسبطا رسـول الله عمّي ووالدي ***** وأولاده الأطهـار تسـعة أنجـم

متى نعتلق منهـم بحبـل ولايـة ***** تفز يـوم يجزى الفائزون وتنعم

أئمّـة هـذا الخلق بعـد نبيّهـم ***** فإن كنـت لـم تعلـم بذلك فاعلم

أنا العلوي الفاطمـي الذي ارتمى ***** به الخوف والأيّام بالمرء ترتمـي

فلممـت بالدار التـي أنا كاتـب ***** عليها بشعري فأقر إن شئت والمم

وسـلّم لأمر الله فـي كل حالـة ***** فليس أخو الإسـلام من لم يسـلّم

قال ذو النون : فعلمت أنّه علوي قد تخفى عن السلطة في خلافة هارون ، واحتمل العلاّمة المجلسي أن تكون هذه الأبيات للإمام الكاظم ( عليه السلام ) ذهب إلى ذلك المكان ، وكتبها لإتمام الحجّة على أعدائه .

وما نراه أنّ الإمام ( عليه السلام ) لم يتخف ، ولم يتهرّب من السلطة في يوم من الأيّام ، بل كان في يثرب مقيماً ينكر على هارون ، وعلى غيره من ملوك عصره بكل جرأة وإقدام ، وهذا الذي أوصل به إلى السجن .