مقبرة شهداء الفخ

8 ذو الحجة شهادة الحسين بن علي بن الحسن

قرابته بالمعصوم(1)

من أحفاد الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو عبد الله، الحسين بن علي الخير بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)، المعروف بصاحب فخّ.

أُمّه

زينب بنت عبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الحسن المجتبى(عليه السلام).

من أقوال النبي(صلى الله عليه وآله) فيه

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «مرّ النبي(صلى الله عليه وآله) بفخ، فنزل فصلّى ركعة، فلمّا صلّى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلمّا رأى الناس النبي(صلى الله عليه وآله) يبكي بكوا، فلمّا انصرف قال: ما يبكيكم ؟ قالوا: لمّا رأيناك تبكي بكينا يا رسول الله، قال: نزل عليَّ جبريل لمّا صلّيت الركعة الأُولى فقال: يا محمّد، إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين»(۲).

من أقوال الإمام الصادق(عليه السلام) فيه

قال النضر بن قرواش: «أكريت جعفر بن محمّد من المدينة إلى مكّة… فلمّا انتهينا إلى فخ… فتوضّأ وصلّى ثمّ ركب، فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئاً أفهو من مناسك الحج؟ قال: لا، ولكن يُقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة»(۳).

من أقوال العلماء فيه

۱ـ قال الصفدي(ت: ۷۶۴ﻫ): «كان والده كثير العبادة، فنشأ الحسين أحسن نشء، له فضل في نفسه، وصلاح وسخاء وشجاعة»(۴).

۲ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «كون الرجل من الثقات بشهادة الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) بذلك في الخبر الأخير، المؤيّد بما مرّ من كون أجر الشهيد معه أجر شهيدين، وببكاء النبي(صلى الله عليه وآله) عليه، وإخبار الصادق(عليه السلام) بسبق روحه جسده إلى الجنّة… وغير ذلك»(۵).

۳ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «لا ينبغي التأمّل في جلالة المعنون وشرفه ونبله، والروايات يستفاد من بعضها أنّ الوثاقة أقلّ ما يوصف به»(۶).

كرمه

۱ـ قال علي بن الحسين الحضرمي: «سمعت الحسن بن هذيل، يقول: بعت لحسين بن علي صاحب فخّ حائطاً بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبّة، كان يعطيني كفّاً كفّاً، فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة»(۷).

۲ـ قال الحسن بن هذيل: «قال لي الحسين صاحب فخّ: اقترض لي أربعة آلاف درهم، فذهبت إلى صديق لي، فأعطاني ألفين وقال لي: إذا كان غد فتعال حتّى أعطيك ألفين؛ فجئت فوضعتها تحت حصير كان يُصلّي عليه، فلمّا كان من الغد أخذت الألفين الأخريين، ثمّ جئت أطلب الذي وضعته تحت الحصير فلم أجده.

فقلت له: يابن رسول الله، ما فعل الألفان؟ قال: لا تسأل عنهما، فأعدت، فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكنّي أحببت أن أصل جناحك، فأعطيته إيّاها، أما إنّي أحسبني ما أجرت على ذلك لأنّي لم أجد لها حسناً، وقال الله عزّ وجل: (لَن تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)»(۸).

۳ـ قال ابن الأثير(ت:۶۳۰ﻫ): «وكان الحسين شجاعاً كريماً، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلّا فرواً ليس تحته قميص»(۹).

سبب ثورته

عانت الأُسرة العلوية في عهد الطاغية موسى الهادي الخوف والإرهاب، «فقد أخاف الطالبيين خوفاً شديداً، وألحّ في طلبهم، وقطع أرزاقهم وعطاياهم، وكتب إلى الآفاق بطلبهم»(۱۰).

فالاضطهاد الذي لحق العلويين، والمعاملة القاسية لهم، كان من أهمّ الأسباب التي ثار من أجلها صاحب فخّ، حيث جنّد العلويين الموجودين في المدينة المنوّرة، وخرج بهم مع نسائهم وأطفالهم، متوّجهاً نحو مكّة المكرّمة ليثور على والي مكّة المنصوب من قبل الحاكم موسى الهادي، ولكن الوالي أرسل إليهم جيشاً كبيراً فقاتلوهم في منطقة فخّ.

عظم واقعة فخّ

قُتل في واقعة فخّ نحو مئة نفر من ذرّية السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وقُطعت رؤوسهم، وسُبيت النساء والأطفال، ثّم أُرسلت رؤوس القتلى إلى الطاغية موسى الهادي، ومعهم الأسرى، وقد قُيّدوا بالحبال والسلاسل، ووضعوا في أيديهم وأرجلهم الحديد، فأمر الطاغية بقتل السبيّ حتّى الأطفال منهم على ما قيل، فقُتلوا صبراً، وصُلبوا على باب الحبس.

وقال أبو الوضّاح محمّد بن عبد الله النهشلي: «أخبرني أبي، قال: لمّا قُتل الحسين بن علي صاحب فخّ… وتفرّق الناس عنه، حُمل رأسه والأسرى من أصحابه إلى موسى بن المهدي، فلمّا بصر بهم أنشأ يقول متمثّلاً:

بني عمّنا لا تنطقوا الشعر بعدما *** دُفنتم بصحراء الغميم القوافيا

فلسنا كمَن كنتم تصيبون نيله *** فنقبل ضيماً أو نحكم قاضيا

ولكن حكم السيف فينا مسلّط *** فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا

وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا *** بني عمّنا لو كان أمراً مدانيا

فإن قلتم إنّا ظلمنا فلم نكن *** ظلمنا ولكن قد أسأنا التقاضيا»(۱۱).

أحداث بعد واقعة فخّ

۱ـ قال الحموي(ت:۶۲۶ﻫ): «فبقي قتلاهم ثلاثة أيّام حتّى أكلتهم السباع، ولهذا يُقال: لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشدّ وأفجع من فخّ»(۱۲).

۲ـ قال بعض الطالبيين: «لمّا قُتل أصحاب فخّ جلس موسى بن عيسى بالمدينة، وأمر الناس بالوقيعة على آل أبي طالب، فجعل الناس يوقعون عليهم حتّى لم يبق أحد»(۱۳).

۳ـ قالوا: «ولمّا بلغ العمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي صاحب فخّ، عمد إلى داره ودور أهله فحرقها، وقبض أموالهم ونخلهم، فجعلها في الصوافي المقبوضة»(۱۴).

۴ـ قال الإمام محمّد الجواد(عليه السلام): «لم يكن لنا بعد الطفّ مصرع أعظم من فخّ»(۱۵).

شهادته

استُشهد(رضي الله عنه) في ۸ ذي الحجّة ۱۶۹ﻫ بمنطقة فخ القريبة من مكّة المكرّمة.

تأبين الإمام الكاظم(عليه السلام) له

لمّا سمع الإمام الكاظم(عليه السلام) بمقتل الحسين(رضي الله عنه) بكاه وأبّنه بهذه الكلمات: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»(۱۶).

من أقوال الشعراء فيه

۱ـ قال الشاعر دعبل الخزاعي(رضي الله عنه):

«قبورٌ بكوفان وأُخرى بطيبة *** وأُخرى بفخٍّ نالها صلواتِ»(۱۷).

۲ـ قال عيسى بن عبد الله:

«فلأبكينَّ على الحسين *** بعولةٍ وعلى الحسن

وعلى ابن عاتكةَ الذي *** أثووه ليس له كفن

تركوا بفخّ غدوة *** في غير منزلة الوطن

كانوا كراماً قتّلوا *** لا طائشين ولا جُبُن

غسلوا المذلّةَ عنهم *** غسل الثياب من الدرن

هُديَ العباد بجدّهم *** فلهم على الناس المنن»(۱۸).

۳ـ قال داود السلمي:

«يا عينُ أبكي بدمعٍ منكِ مُنهمر *** فقد رأيتِ الذي لاقى بنو حسن

صرعى بفخٍّ تجرُّ الريحُ فوقَهُم *** أذيالَها وغوادي الدُلّج المُزُن

حتّى عفت أعظُمٌ لو كان شاهدَها *** محمّدٌ ذبّ عنها ثمّ لم تَهُن

ماذا يقولون والماضون قبلهُم *** على العداوة والبغضاء والإحن

ماذا يقولون إن قال النبيُّ لهم *** ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن

لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا *** ولا ربيعةُ والأحياءُ من يمن

يا ويحهُم كيف لم يرعوا لهم حُرُماً *** وقد رعى الفيلُ حقّ البيت ذي الرُكن»(۱۹).

———————————

۱- اُنظر: أعيان الشيعة ۶ /۹۷٫

۲- مقاتل الطالبيين: ۲۹۰٫

۳- المصدر السابق.

۴- الوافي بالوفيات ۱۲ /۲۸۲٫

۵- تنقح المقال ۲۲ /۲۸۷ رقم۶۳۰۱٫

۶- المصدر السابق ۲۲ /۲۸۷ رقم۶۳۰۱٫

۷- مقاتل الطالبيين: ۲۹۱٫

۸- مقاتل الطالبيين: ۲۹۱٫

۹- الكامل في التاريخ ۶ /۹۴٫

۱۰- تاريخ اليعقوبي ۳ /۱۳۶٫

۱۱- مهج الدعوات: ۲۱۸٫

۱۲- معجم البلدان ۴ /۲۳۸٫

۱۳- مقاتل الطالبيين: ۳۰۲٫

۱۴- المصدر السابق: ۳۰۳٫

۱۵- عمدة الطالب: ۱۸۳٫

۱۶- مقاتل الطالبيين: ۳۰۲٫

۱۷- مروج الذهب ۳ /۲۹۷٫

۱۸- المصدر السابق ۳ /۳۲۷٫

۱۹- مقاتل الطالبيين: ۳۰۶٫

بقلم: محمد أمين نجف