شهادة المرأة في القضاء

قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}(1).

وهنا قد يُقال بأنّ شهادة المرأة تكون نصف شهادة الرجل، فهذا ظلم لها وتوهين لمقامها.

أقول:

1 ـ إنّ شهادة المرأة في القضاء ليست مرتبطة بحقوق المرأة، بل هي مرتبطة بأدوات الإثبات الجنائي.

2 ـ ذكر المفسّرون بأنّ المراد من الضلال في الآية هو النسيان الذي يُصيب أكثر النساء نتيجة مزاجها الخاصّ وعلاقاتها الخاصّة، ولسان الآية هو لسان التعليل لاعتبار التعدّد الهادف إلى التذكير في حالة النسيان(2)، وكأنّ هذه الحالة التي تطرأ على أكثر النساء تُوجب تحرّزاً لحقوق الناس من الضياع، فاعتبرت الشريعة التعدّد في شهادة المرأة وعدم الاكتفاء بشهادة المرأة الواحدة في بعض الموارد.

3 ـ إذا كان هذا السبب ـ وهو النسيان ـ حالة عند بعض الذكور بحيث كان يُؤثّر على ضبطه لخصوصيّات الموضوع المشهود عليه، ويُعرّضه لنسيان بعض التفاصيل والخصوصيات المحيطة بالموضوع، فإنّه لا يصلح للشهادة، ولا تكفي شهادته أيضاً; لوجود هذا العامل الموضوعي.

إذاً تعدّد شهادة النساء ليس لنقص في الكرامة والأهلية والإنسانية، ويُؤكّد هذا هو قبول شهادة المرأة وحدها فيما يختصّ بشؤون النساء، ممّا لا يطّلع عليه ـ غالباً ـ سوى النساء من قبيل: البكارة والثيبوبة والولادة والعاهات والعيوب الجنسية في المرأة وما شابهها ممّا يعود لشؤون النساء، وهذا يُثبت أنّ تعدّد الشهادة في بعض الموارد ليس لنقص في الإنسانية أو الكرامة >أو الأهلية<، كما أنّ ذلك ليس ظلماً لها; لأنّه ليس مرتبطاً بحقوق المرأة كما تقدّم.

4 ـ لقد ثبت بالدليل الشرعي أنّ شهادة المرأة لوحدها في الوصية تكون مقبولة تثبت بها ربع الوصية، وهذا ليس موجوداً في الرجل إذا شهد على الوصية لوحده أنّه لا يثبت به شيء منها(3).

ملاحظة:

إنّ ما ذُكر من الفوارق بين الرجل والمرأة في الأحكام الإسلامية، إنّما يمثّل مصالح وحكم التشريعات في الإسلام بحسب فهمنا وقناعتنا وإقناعاً لبعض أفراد المجتمع، ولكن الحقيقة هي أنّ أحكام الشريعة الإسلامية تُقبل تعبّداً بعد ثبوت الخالق والنبوّة والقرآن (كمعجزة خالدة)، وثبوت السنّة النبوية بأنّها وحي يُوحى، كما صرّح بذلك القرآن الكريم، فإنّ هذه الأُمور الثابتة بالعقل تلزمنا بالتعبّد بما جاءت به شريعة السماء، على أنّ الإنسان لا يعرف ما يصلحه وما يفسده بالشكل الذي يعرفه خالق الكون وخالق الإنسان، المطلّع على ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، والمطّلع على كلّ شيء من عالمنا والكون أجمع.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(4).

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ البقرة: 282.

2ـ راجع التبيان للطوسي 2: 373، وابن كثير 1: 335، والفخر الرازي 7: 114 ـ 115، والقرطبي 3: 397، والمراغي 3: 74 والطبرسي في تفسيرهم.

3ـ وكذا ثبت هذا الأمر في الإرث، إذا شهدت على مولود تحرّك فمات، فإنّه يثبت بشهادتها لوحدها ربع الميراث له، وكذا إذا شهدت على رجل قتل رجلاً، فيثبت بشهادتها ربع الدية.

4ـ الأحزاب: 36.

بقلم: الشيخ حسن الجواهري