صفات-اللّه-الخبرية

صفات اللّه الخبرية(1)

المبحث الأوّل: التعريف بصفات الله الخبرية

صفات الله الخبرية هي الصفات التي لم يتمّ إثباتها إلاّ عن طريق إخبار الكتاب والسنّة، وهي التي يؤدّي الأخذ بظاهرها العرفي إلى التجسيم والتشبيه.

نماذج من صفات الله الخبرية :

1- الوجه: { فاينما تولوا فثم وجه الله } [ البقرة: 115 ]

2- العين: { واصنع الفلك باعيننا ووحينا } [ هود: 37 ]

3- اليد: { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح: 10 ]

4- اليمين: { والسماوات مطويات بيمينه } [ الزمر: 67 ]

5- القبضة: { والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } [ الزمر: 67 ]

6 ـ الساق: { يوم يكشف عن ساق } [ القلم: 42 ]

7 ـ الجنب: { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فطرت في جنب الله } [ الزمر:56 ]

8 ـ النفس: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } [ المائدة: 116 ]

9 ـ الروح: { ونفخت فيه من روحي } [ الحجر: 29 ]

10 ـ المجيء: { وجاء ربك } [ الفجر: 22 ]

11 ـ العرش: { الرحمن على العرش استوى } [ طه: 5 ]

12 ـ الكرسي: { وسع كرسيه السماوات والأرض } [ البقرة: 255 ]

13 ـ اللقاء: { إنّهم ملاقوا ربّهم } [ البقرة: 46]

الصفحة 348

14 ـ القرب: { فإني قريب أجيب دعوة الداع } [ البقرة: 186 ]

15- الرضا والغضب: { رضى الله عنهم } [ المائدة: 119 ]، { غضب الله عليهم  }[الفتح: 6]

16- السخرية والاستهزاء والمكر والخداع: { سخر الله منهم } [ التوبة: 79 ]، { الله يستهزىء بهم } [ البقرة: 15 ]، { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين }[ آل عمران: 54 ]، { يخادعون الله وهو خادعهم } [ النساء: 142 ]

17 ـ النسيان: { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة: 67]

18 ـ النور: { الله نور السماوات والأرض } [ النور: 35 ]

الصفحة 349

المبحث الثاني: أهم الاقوال حول تفسير صفات الله الخبرية

1 ـ قول المشبّهة

الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها مع التشبيه:

(أي: إثبات هذه الصفات لله مع تشبيهها بصفات الإنسان).

2 ـ قول الأشاعرة

الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها لله بعد سلب كيفيتها.

(أي: إثبات هذه الصفات لله بعد انتزاع كيفيتها من مفهومها).

3 ـ قول المعطّلة

تعطيل العقل في مجال فهم معنى هذه الصفات، وتفويض معناها إلى الله تعالى.

(أي: إنّ الإنسان غير مكلّف بفهم معاني هذه الصفات بل تكليفه هو الإيمان بلفظها فحسب).

4 ـ قول المؤوّلة

عدم الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها مع التأويل.

(أي: إثباتها وتأويل معناها إلى المعنى المنسجم مع تنزيه الله).

5 ـ قول الإمامية

عدم الأخذ بظواهر هذه الصفات وإثباتها على نحو المجاز من غير تأويل.

(أي: حمل هذه الصفات على معانيها اللغوية من باب الكناية عن مفاهيم عالية لا من باب التأويل).

الصفحة 350

القول الأوّل (قول المشبّهة) : تشبيه صفات الله بصفات الإنسان

يذهب أصحاب هذا القول إلى الأخذ بظواهر الصفات الخبرية، وإثباتها لله مع تشبيهها بصفات الإنسان.

ومن هذا المنطلق جوّز هؤلاء الانتقال والنزول والصعود والاستقرار المادي والملامسة والمصافحة لله; لأنّهم يتمسّكون بظواهر هذه الصفات ويفهمون منها ما يفهم عند إطلاقها على الأجسام(1).

موقف أهل البيت(عليهم السلام) من المشبّهة :

1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ما عَرَف الله من شبّهه بخلقه(2).

2- قال الإمام علي(عليه السلام): “اتّقوا أن تمثّلوا بالربّ الذي لا مثل له أو تشبّهوه من خلقه، أو تلقوا عليه الأوهام، أو تعملوا فيه الفكر، وتضربوا له الأمثال، أو تنعتوه بنعوت المخلوقين…”(3).

3- كان الإمام زين العابدين(عليه السلام) ذات يوم في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ سمع قوماً يُشبِّهون الله تعالى بخلقه، ففزع لذلك وارتاعَ له، ونهض حتّى أتى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)فوقف عنده ورفع صوته يناجي ربّه، فقال في مناجاته: “إلهي بدت قدرتُك ولم تبدُ هيئةٌ فجهلوك وقدّروك بالتقدير على غير ما به أنت، شبّهوك وأنا بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك…”(4).

4- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “… تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبّهون الله بخلقه المفترون على الله”(5).

5- قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “إنّه من يصف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاًّ عن السبيل،

____________

1- انظر: الملل والنحل، الشهرستاني: ج 1، الباب الأوّل، الفصل الثالث، المشبّهة، ص 92 و 105 و 106.

2- التوحيد، الشيخ الصدوق: الباب الثاني: باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 10، ص 48.

3- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، باب 13، ح 25، ص 298.

4- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، الشيخ المفيد: ج 2، باب ذكر طرف من الأخبار لعلي بن الحسين(عليهما السلام)ص 153.

5- الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 1، ص 100.

الصفحة 351

قائلاً غير جميل، أعرفه بما عرّف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس معروف بغير تشبيه…”(1).

6 ـ قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام):

“إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب:

1 ـ مذهب إثبات بتشبيه.

2 ـ ومذهب النفي.

3 ـ ومذهب إثبات بلا تشبيه.

فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز.

ومذهب النفي لا يجوز.

والطريق في المذهب إثبات بلا تشبيه”(2).

القول الثاني (قول الأشاعرة) : الأخذ بالظاهر وإثباتها بعد سلب كيفيتها

يذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ الصفات الخبرية ثابتة لله بالمعنى المتبادر منها عرفاً، وأنّ لله وجه وعين ويد و… ولكن كيفية هذه الصفات مغايرة لكيفية صفاتنا.

فله تعالى وجه، ولكنّه ليس كوجوهنا.

وله تعالى عين، ولكنّها ليست كأعيننا.

وله تعالى يد، ولكنّها ليست كأيدينا.

وله تعالى نزول، ولكنّه ليس كنزولنا.

قال أبو الحسن الأشعري: “إنّ له سبحانه وجهاً بلا كيف… وأنّ له سبحانه يدين بلا كيف… وأنّ له سبحانه عينين بلا كيف”(3).

____________

1- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، ب 13، ح 23، ص 297.

2- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 6، ح 10، ص 98.

3- الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري: الباب الأوّل، الفصل الثاني، ص36 .

الصفحة 352

يرد عليه :

إنّ “الوجه” و “العين” و “اليد” وغيرها من الصفات الخبرية عبارة عن ألفاظ وضعت لأشياء لها كيفية خاصّة.

ولا يصح استعمال هذه الألفاظ في موارد وإثبات معانيها بلا كيفية.

لأنّ “الكيفية” هي المقوّمة والمثبتة للمعنى، فإذا حُذفت الكيفية فستكون الألفاظ من ناحية المعنى مبهمة ومجهولة، وما هو مبهم ومجهول غير صالح للدلالة على شيء أو حقيقة.

توضيح ذلك:

إنّ القول بأنّ لله تعالى يداً حقيقية ولكنّها بلا كيف، كلام متناقض; لأنّ اليد الحقيقية لها كيفية معلومة، وحذف الكيفية حذف لحقيقتها، فيكون لفظ “اليد” بعد حذف الكيفية لفظاً غير مفهوم وغير معقول، فلا يمكن جعل هذا اللفظ وسيلة للإشارة إلى حقيقة معيّنة; لأنّ اللفظ المبهم لا يصلح لذلك(1).

تنبيه :

إن انتزاع “الكيفية” من اللفظ يجعل اللفظ غير مفهوم وغير معقول، ولا يصح هذا الانتزاع في جميع الأحوال حتّى في الكناية والاستعارة، ففي هذه الحالات أيضاً يُستعمل اللفظ مع كيفيته، ولكن يكون استعماله في غير ما وضع له، ويكون إطلاقه مع كيفيته على نحو المجاز.

القول الثالث (قول المعطّلة) : تعطيل العقل في فهم الصفات

يذهب أصحاب هذا القول إلى لزوم تعطيل العقل في مجال إمعان النظر في صفات الله الخبرية، ويقولون بأنّ معنى هذه الصفات غير معلوم لنا، ونحن غير مكلّفين بفهم معناها، وليس علينا سوى الإيمان بألفاظها فقط وتفويض أمر معناها

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد، في أنّه تعالى ليس بجسم، ص 74.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 57 ـ 58.

الصفحة 353

إلى الله تعالى(1).

دليل ذلك :

الآيات الصفات الخبرية من المتشابهة، وقد نهى الله عن تأويلها، وأمر العباد بالإيمان بها فقط، فقال تعالى:

{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ماتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا }[ آل عمران: 7 ]

ومن هذا المنطلق يجب الاجتناب عن التعرّض لفهم معنى هذه الصفات، وتفويض أمر معناها إلى الله تعالى.

يرد عليه :

صفات الله الخبرية ليست من الآيات المتشابهة; لأنّ الإنسان يستطيع أن يصل إلى معانيها عن طريق فهمه للمجاز والكناية والاستعارة في اللغة العربية، ولا يخفى بأنّ معرفة ظواهر الكتاب عن طريق معرفة ضوابط اللغة العربية ومعرفة كيفية التعامل مع المجازات والاستعارات والكنايات يعدّ نوعاً من أنواع البحث الذي من شأنه إيصال الباحث إلى العلم القطعي.

القول الرابع (قول المؤوّلة) : تأويل الصفات بصورة تنسجم مع تنزيه الله

يذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ الالتزام بظاهر صفات الله الخبرية يؤدّي إلى التجسيم والتشبيه فلا سبيل سوى صرف ظاهر هذه الصفات إلى خلاف الظاهر، وتأويل هذه الصفات إلى معان تنسجم مع تنزيه الله تعالى(2).

____________

1- انظر: الملل والنحل، الشهرستاني: ج 1، الباب الأوّل، الفصل الثالث، ص 92 و 104.

2- انظر: ارشاد الطالبين، عبدالله السيوري: مباحث التوحيد، ردّ أدلة الكرامية والمشبّهة، ص 230.

الصفحة 354

تنبيه :

التمسّك بالتأويل لا يكون إلاّ في حالات الاضطرار، ولا يوجد هذا الاضطرار في فهم معنى الصفات الخبرية فيما لو كان لهذه الصفات في اللغة العربية ـ إضافة إلى المعاني الحسيّة ـ معان أخرى تنسب إليها من غير تأويل، وسنوضّح هذا الأمر في القول اللاحق.

القول الخامس (قول الإمامية) الأخذ بالمعاني المجازية

يذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ الصفات الخبريّة كما لها معان ظاهرية وحسيّة لا يمكن نسبتها إلى الله تعالى، فإنّ لها أيضاً معان أخرى مجازية يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير.

والكلمات المتضمّنة للمعاني المجازية بلا تأويل كثيرة ومتعارفة جدّاً في اللغة العربية.

مثال ذلك:

إنّ كلمة “اليد” كما تطلق على اليد الحسيّة التي يحمل بها الإنسان الأشياء، فإنّها تطلق أيضاً على معنى “القدرة والسيطرة”.

ويمكن عند ذكر كلمة “اليد” فهم المعنى المقصود من خلال ملاحظة القرائن الموجودة، فإذا قيل: حمل الأمير الحقيبة بيده، فالمقصود واضح بأنّه حملها بيده الحسيّة، وإذا قيل: البلد في يد الأمير، فالمقصود أنّ البلد تحت سيطرة الأمير وقدرته، وليس هذا المعنى الثاني على نحو التأويل والتفسير على خلاف ظاهرها، بل هذا المعنى ثابت لها بالوضع في اللغة العربية.

مثال آخر:

كلمة “الأسد” كما تطلق على “الحيوان المفترس” فإنّها تطلق أيضاً على “الإنسان الشجاع”، والسبيل للتمييز بين هذين المعنيين هو لحاظ القرائن، فإذا قال أحد الأشخاص: رأيت أسداً في حديقة الحيوانات، فإنّه يتبادر إلى الذهن “الحيوان المفترس” ولكنّه إذا قال: رأيت أسداً يرمي، فإنّ المتبادر من كلمة الأسد مع لحاظ قرينة يرمي هو “الإنسان الشجاع”.

الصفحة 355

تنبيه :

الملاحظة المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها في المثال السابق هي أنّ ثبوت معنى “الإنسان الشجاع” للفظ “الأسد” ثبوت “مجازي” متعارف في اللغة العربية، وليس هو من قبيل “التأويل” أو “التفسير على خلاف ظاهر الكلمة”.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون