صفات-اللّه-الخبرية

صفات اللّه الخبرية(2)

المبحث الثالث: بيان المعاني المقصودة من الصفات الخبرية

1 ـ الوجه

أوّلاً: “الوجه” إشارة إلى ذات الشيء(1).

قال تعالى: { كلّ من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذوالجلال والاكرام } [ الرحمن: 26 ـ 27 ]

أي: تبقى ذات الله وحقيقته، وكلّ شيء ما سوى الله فان.

ثانياً: “وجه الله” إشارة إلى ما يتوجّه به إلى الله تعالى(2).

قال تعالى: { كلّ شيء هالك إلا وجهه } [ القصص: 88 ]

أي: كلّ شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلاّ ما أريد به الله تعالى، فإنّ ذلك يبقى ثوابه(3).

قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) حول هذه الآية: “… كلّ شيء هالك إلاّ دينه والوجه الذي يؤتى منه”(4).

وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول هذه الآية: “كلّ شيء هالك إلاّ من أخذ طريق الحق”(5).

____________

1- انظر: أمالي المرتضى: 1 / 591.

المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في نفي التشبيه عنه تعالى، ص 108.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 61.

2- انظر: الاعتقادات في دين الإمامية، الشيخ الصدوق: باب 1، ص 5. أمالي المرتضى: 1 / 591.

3- انظر: أمالي المرتضى: 1 / 592.

مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج 7، تفسير آية 88 من سورة القصص، ص 421.

4- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 12، ح 1، ص 144.

5- المصدر السابق، ح 2، ص 144.

الصفحة 357

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول هذه الآية: “وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجّه إلى الله وإلى دينه ومعرفته”(1).

تنزيه الله تعالى عن الصورة :

إنّ الله تعالى منزّه عن الصورة.

وأمّا في الحديث المروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): “إنّ الله خلق آدم على صورته”. فقد بيّن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حقيقة هذا الحديث من زاويتين مختلفتين:

1- قال أحد الأشخاص للإمام الرضا(عليه السلام): “يابن رسول الله، إنّ الناس يروون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله خلق آدم على صورته.

فقال(عليه السلام): قاتلهم الله، لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرّ برجلين يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبّح الله وجهك ووجه من يشبهك، فقال(صلى الله عليه وآله): يا عبدالله، لا تقل هذا لأخيك، فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته”(2).

2- سُئل الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) حول حديث: “إنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته”.

فقال(عليه السلام): هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على ساير الصور المختلفة، فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه، فقال: { بيتي }[ البقرة: 125 ] وقال: { ونفخت فيه من روحي } [ الحجر: 29 ](3) .

تتمة :

1- سأل نصراني الإمام علي(عليه السلام): أخبرني عن وجه الربّ تبارك وتعالى ؟ فدعا علي(عليه السلام)بنار وحَطَب فأضرمه، فلمّا اشتعلت، قال علي(عليه السلام): أين وجه هذه النار؟

قال النصراني: هي وجه من جميع حدودها.

____________

1- المصدر السابق: باب 8 : باب ما جاء في الرؤية، ح 21، ص 114.

2- المصدر السابق: باب 12، ح 11، ص 147 ـ 148.

3- المصدر السابق، باب6، ح18، ص100 .

الصفحة 358

قال علي(عليه السلام): هذه النار مدبّرة مصنوعة لا يعرف وجهها، وخالقها لا يشبهها، ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله…”(1).

2- إنّ “وجه الله” في قوله تعالى: { نطعمكم لوجه الله } [ الإنسان: 9 ] يعني موجّهاً إلى الله تعالى بإخلاص ومن دون رياء أو شائبة(2).

2 ـ العين :

العين كناية عن الرعاية والحفظ والإشراف والحماية.

قال تعالى: { واصنع الفلك بأعيننا } [ هود: 37 ]

أي: واصنع الفلك في ظلّ إشرافنا ورعايتنا وحمايتنا(3).

وقال تعالى، { واصبر لحكم ربك فانّك بأعيننا } [ طور: 48 ]

أي: واصبر لحكم ربّك فإنّك في ظلّ عنايتنا وحفظنا ورعايتنا(4).

3 ـ اليد :

المعنى الأوّل: اليد تعني “القوّة” و “القدرة”

قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): “اليد في كلام العرب القوّة والنعمة، قال [ تعالى ]: { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } [ ص: 17 ] [ أي: ذا القوّة ]، وقال [ تعالى ]: { والسماء بنيناها بأيد } [ الذاريات: 47 ] أي: بقوّة”(5).

قال تعالى: { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح: 10 ]

أي: قوّة الله وقدرته أعلى وأقوى من قوّتهم وقدرتهم(6).

قال تعالى: { يا ابليس ما منعك أن تسجد لماخلقت بيدي } [ ص: 75 ]

____________

1- المصدر السابق: باب 28، ح 16، ص 177.

2- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج 10، تفسير آية 9 من سورة الإنسان، ص 617.

3- انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، ص 173.

4- انظر: المنقد من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في نفي الشبيه عنه تعالى، ص 107.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 13، ح 1، ص 148.

6- انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، ص 173.

الصفحة 359

أي: لما خلقت بقوّتي وقدرتي(1).

المعنى الثاني: اليد تعني النعمة(2)

“غل اليد” يعني البخل والتقتير.

و”بسط اليد” يعني البذل والجود.

قال تعالى: { قالت اليهود يد الله مغلولة… بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }[ المائدة: 64 ]

أي: قالت اليهود بأنّ الله تعالى بخيل ويقتّر الأرزاق على العباد.

فردّ الله تعالى عليهم: بل يداه(3) مبسوطتان، أي: إنّه تعالى في غاية الجود والبذل والسخاء.

تنبيه :

إنّ أخذ عبارة “غل اليد” بمعنى البخل، و “بسط اليد” بمعنى البذل في هذه الآية يشبه قوله تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد

____________

1- انظر: أمالي المرتضى: ج 1، مجلس آخر، تأويل آية، ص 565 ـ 566.

وقيل: “اليد” في هذه الآية كناية عن النفس، أي: ما منعك أن تسجد لما خلقت أنا. وهذا نظير قوله تعالى: ( فبما كسبت أيديكم ) [الشورى: 30] أي: بما كسبتموه أنتم; لأنّه ليس كلّ ما اكتسبوه من ذنوب كان بأيديهم.

انظر: أمالي المرتضى: ج 1، مجلس آخر، تأويل آية، ص 565. المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في نفي الشبيه عنه تعالى، ص 107.

وقيل: “خلقت بيدي” تعني: تولّيت خلقه (أي: خلق آدم(عليه السلام)) بنفسي من غير واسطة.

انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج 8 ، تفسير آية 75 من سورة (ص)، ص 757.

2- قيل: أطلقت كلمة “اليد” على “النعمة”; لأنّ اليد آلة إعطاء النعمة.

انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، ص 173.

3- وردت لفظة اليد على نحو التثنية، وسبب ذلك:

1 ـ مبالغة في الجود والإنعام; لأنّ ذلك أبلغ من أن يقول: بل يده مبسوطة.

2- المراد هي النعم الدنيوية والنعم الأخروية أو النعم الظاهرية والنعم الباطنية.

وإذا ذهبنا إلى أنّ معنى اليد في هذه الآية هو “القوّة” فيكون المراد من تثينة لفظ اليد هو الإشارة إلى أنّ قوّة الله تعالى مبسوطة في إثابة العباد وعقابهم بخلاف قول اليهود الذين قالوا بأنّ يد الله مقبوضة عن عذابنا.

انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج 3، تفسير آية 64 من سورة المائدة، ص 340.

الصفحة 360

ملوماً محسوراً } [ الإسراء: 29]

4 ـ اليمين :

اليمين تعني القدرة والقوّة

قال تعالى: { والسماوات مطويات بيمينه } [ الزمر: 67 ]

أي: السماوات مطويّات بقدرته وقوّته.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول هذه الآية: “اليمين: اليد، واليد: القدرة والقوّة، يقول عزّ وجلّ: والسماوات مطويّات بقدرته وقوّته”(1).

5 ـ القبضة :

القبضة تعني الملك.

قال تعالى: { والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } [ الزمر: 67 ]

أي: الأرض جميعاً ملكه يوم القيامة.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول هذه الآية: “يعني [ الأرض جميعاً ]ملكه لا يملكها معه أحد”(2).

6 ـ الساق :

المعنى الأوّل: الساق كناية عن شدّة الأمر(3).

قال تعالى: { يوم يكشف عن ساق } [ القلم: 42 ]

أي: يوم القيامة يوم الشدّة والأهوال.

قال الشيخ المفيد حول هذه الآية: “يريد به يوم القيامة يكشف فيه عن أمر شديد صعب عظيم وهو الحساب والموافقة على الأعمال، والجزاء على الأفعال، وظهور السرائر وانكشاف البواطن… فعبّر بالساق عن الشدّة”(4).

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 17، ح 2، ص 157.

2- المصدر السابق.

3- انظر: الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب 1، ص 5.

4- تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: معنى كشف الساق، ص 28 ـ 29.

الصفحة 361

قال الشريف الرضي حول سبب استعمال العرب “الساق” كناية عن الشدّة: “لأنّ من عادة الناس أن يشمّروا عن سوقهم عند الأمور الصعبة”(1).

وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول هذه الآية: “أُفحِم القوم(2)ودخلتهم الهيبة، وشخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة…”(3).

المعنى الثاني: الساق إشارة إلى حجاب من نور.

قال تعالى: { يوم يكشف عن ساق } [ القلم: 42 ]

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول هذه الآية: “حجاب من نور يكشف”(4).

7 ـ الجنب :

جنب الله كناية عمّا هو قريب من الله، من قبيل رسوله وأوليائه، وما فيه مرضاته، وبصورة عامّة يمكن القول بأنّ جنب الله يعني طاعته تعالى(5).

قال تعالى: { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله }[ الزمر: 56 ]

أي: على ما فرّطت في اتّباع رسول الله واتّباع السبيل الذي أمرني بالتمسّك به من بعده، أو بصورة عامّة على ما فرّطت في طاعة الله عزّ وجلّ.

قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): “معنى جنب الله، أنّه ليس بشيء أقرب إلى الله من رسوله، ولا أقرب إلى رسوله من وصيّه، فهو في القرب كالجنب، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه بقوله: { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب

____________

1- المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 62، هامش رقم 50 .

2- الإفحام يعني الإسكات بالحجّة.

المنجد في اللغة: مادة (فحم)، ص 571.

3- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 14، ح 2، ص 150.

4- المصدر السابق: ح 1، ص 149.

5- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 22، ذيل ح 2، ص 160 ـ 161.

الصفحة 362

الله } يعني في ولاية أوليائه”(1).

8 ـ النفس :

النفس تعني ذات الشيء.

قال تعالى: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } [ المائدة: 116 ]

أي: تعلم ما أغيّبه ولا أعلم ما تغيّبه(2).

أي: يحذّركم الله إيّاه من عقابه.

ويحتمل أن يكون المقصود من ذكره تعالى لنفسه:

أن يحذّر العباد من العقاب الذي يأتي من قبله ويصدر عن أمره لا العقاب الذي يصدر من غيره; لأنّ العقاب الذي يصدر مباشرة من الله تعالى يكون أبلغ تأثيراً وأشد ألماً(3).

9 ـ الروح :

الروح عبارة عن مخلوق اصطفاه الله ونسبه إلى نفسه تكريماً له كما نسب إلى نفسه بعض الأشياء المخلوقة، فقال: عبدي، جنّتي، ناري، سمائي وأرضي(4).

قال تعالى: { ونفخت فيه من روحي } [ الحجر: 29 ]

قال الإمام محمّد بن على الباقر(عليه السلام) حول هذه الآية: “روح اختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه وفضّله على جميع الأرواح، فأمر فنفخ منه في آدم”(5).

وقال(عليه السلام) في حديث آخر أيضاً: “… وإنّما أضافه إلى نفسه; لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح كما اصطفى بيتاً من البيوت، فقال: بيتي، وقال لرسول من الرسل: خليلي، وأشباه ذلك، وكلّ ذلك مخلوق مصنوع محدَث مربوب

____________

1- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 4، كتاب التوحيد، أبواب تأويل الآيات، باب 1.

2- انظر: الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب 1، ص 7.

3- انظر: حقائق التأويل، الشريف الرضي: المسألة السابعة، ص 78.

4- انظر: الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب 1، ص 5.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 27، ح 1، ص 166.

الصفحة 363

مدبَّر”(1).

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون