صفات-اللّه-الخبرية

صفات اللّه الخبرية(3)

10 ـ المجيء والإتيان :

نسبة المجيء والاتيان إلى الله تكون بعد حذف شيء مضاف إلى الله تعالى، وهذا الحذف أمر متعارف في اللغة العربية.

قال تعالى: { وجاء ربك والملك صفاً صفاً } [ الفجر: 22 ]

أي : وجاء أمر ربّك(2) ، كما قال تعالى في آية أخرى: { يأتي أمر بك } [ النحل : 33 ]

وقال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول هذه الآية: “إنّ الله عزّ وجلّ لا يوصف بالمجيء والذهاب، تعالى عن الانتقال، إنّما يعني بذلك وجاء أمر ربّك … “(3).

وقال تعالى: { هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } [ البقرة: 210 ]

أي: أن يأتيهم عذاب الله(4)، أو يأتيهم وعده ووعيده(5).

11 ـ العرش :

قال تعالى: { الرحمن على العرش استوى } [ طه: 5 ]

ما هو عرش الله؟

قال الإمام علي(عليه السلام): “ليس العرش كهيئة السرير، ولكنّه شيء محدود، مخلوق، مدبّر، وربّك عزّ وجلّ مالكه… وأمر الملائكة بحمله، فهم يحملون العرش بما

____________

1- المصدر السابق: ح 3، ص 167.

2- انظر: الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب 1، ص 6.

3- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 19، ح 1، ص 158.

4- انظر: الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب 1، ص 6.

5- انظر: المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في نفي الشبيه عنه تعالى، ص 106.

الصفحة 364

أقدرهم عليه”(1).

متى خلق الله العرش؟

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “إنّ الله تبارك وتعالى خلق العرش… قبل خلق السماوات والأرض”(2).

لماذا خلق الله العرش؟

قال الإمام علي(عليه السلام): “إنّ الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته”(3).

ويجد المتأمّل في الآيات القرآنية التي ورد فيها نسبة “العرش” إلى الله أنّه تعالى ذكر مسألة تدبير شؤون الخلق في العديد من هذه الآيات بعد ذكر استوائه على العرش.

قال تعالى: { إنّ ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثمّ استوى على العرش يدبّر الأمر } [ يونس: 3 ]

وقال تعالى: { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش… يدبّر الأمر }[ الرعد: 2 ]

وقال تعالى: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثمّ استوى على العرش… يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } [ السجدة: 4 ـ 5 ]

فنستنتج بأنّ العرش مخلوق جعله الله تعالى المنطلق لتدبير شؤون خلقه.

معنى استواء الله على العرش

الاستواء يعني استقرار شيء على شيء، كما أنّه كناية عن الاستيلاء والهيمنة والسيطرة والسيادة(4)، وبما أنّ الله تعالى منزّه عن الاستقرار المكاني فيلزم الأخذ بالمعنى المجازي.

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 48، ح 3، ص 309.

2- المصدر السابق: باب 49، ح 2، ص 313.

3- الفرق بين الفرق، عبدالقاهر البغدادي: ص 200، نقلاً عن الإلهيات، جعفر السبحاني: 2 / 118.

4- انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (سوا)، ص 439.

الصفحة 365

قال تعالى: { الرحمن على العرش استوى } [ طه: 5 ]

أي: الرحمن على العرش استولى وهيمن وسيطر عليه.(1) ليدبّر من خلال ذلك أمور خلقه.

أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) حول استواء الله على العرش :

1- قال الإمام علي(عليه السلام): “… لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء…”(2).

2- قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “… لا يوصف بالكون على العرش لأنّه ليس بجسم، تعالى الله عن صفة خلقه علوّاً كبيراً…”(3).

3- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “من زعم هذا [ أي: من زعم أنّ الرب فوق العرش ] فقد صيّر الله محمولاً، ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه…”(4).

4- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “… هو مستول على العرش، بائن من خلقه من غير أن يكون العرش حاملاً له، ولا أنّ العرش محلّ له… ونفينا أن يكون العرش… حاوياً له، وأن يكون عزّ وجلّ محتاجاً إلى مكان أو إلى شيء مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه”(5).

5- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } : “استوى من كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء”(6).

____________

1- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 48، ذيل ح 9، ص 310 ـ 311.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، الفصل الخامس، ص 48. المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثالث، ص 63.

2- التوحيد، الشيخ الصدوق، باب 48، ح 3، ص 309.

3- المصدر السابق: باب 49، ح 2، ص 313.

4- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 49، ح 1، ص 312.

5- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، كتاب التوحيد، باب 3، ح 3، ص 29 ـ 30.

6- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 48، ح 1، ص 308.

الصفحة 366

12 ـ الكرسي :

المعنى الأوّل: الكرسي المنسوب إلى الله عبارة عن وعاء محيط بالسماوات والأرض.

قال تعالى: { وسع كرسيه السماوات والأرض } [ البقرة: 255 ]

أي: الكرسي مخلوق إلهي محيط بالسماوات والأرض.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “خلق [ الله تعالى ] الكرسي فحشاه السماوات والأرض، والكرسي أكبر من كلّ شيء خلقه الله، ثمّ خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي(1).

وعنه(عليه السلام) أيضاً: “كلّ شيء خلقه الله في جوف الكرسي ما خلا عرشه، فإنّه أعظم من أن يحيط به الكرسي”(2).

المعنى الثاني: الكرسي في اللغة العربية له معنيان:

أوّلاً: السرير

قال تعالى في قصّة سليمان: { والقينا على كرسيه جسداً } [ ص: 34 ]

ثانياً: العلم(3)، ولهذا يقال للصحيفة المتضمّنة للعلم المكتوب: كراسة(4)

قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } [ البقرة: 255 ]

سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: { وسع كرسيه السماوات والأرض } قال(عليه السلام): هو علمه(5).

13 ـ اللقاء :

اللقاء بشخص عظيم يعني الدخول تحت حكمه وقهره.

____________

1- الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: ج 2، احتجاجات الإمام الصادق(عليه السلام)، رقم 223، ص 250.

2- المصدر السابق: ص 249.

3- انظر: لسان العرب، ابن منظور: ج 12، مادة (كرس)، ص 68.

4- انظر: جامع البيان، ابن جرير الطبري: ج 3، تفسير آية 255 من سورة البقرة، ذيل ح 4524، ص 15.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 52، ح 1، ص 319.

الصفحة 367

قال تعالى: { إنّهم ملاقوا ربهم } [ البقرة: 46 ]

وقال تعالى: { يوم يلقونه } [ التوبة: 77 ]

فيحتمل في معنى اللقاء في هاتين الآيتين:

أوّلاً: إنّهم سيكونون يوم القيامة تحت حكم الله وقهره.

ثانياً: في الكلام حذف مضاف، أي: إنّهم ملاقوا جزاء ربّهم(1).

14 ـ القرب :

القرب بالنسبة إلى الله يعني القرب بالعلم والقدرة، ولا يمكن نسبة القرب المكاني والزماني إلى الله; لأنّه تعالى منزّه عن ذلك.

قال تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } [ ق: 16 ]

أي: نحن أقرب إليه بالعلم والإحاطة والإشراف والسمع والبصر(2).

15 ـ الرضا والغضب :

قال تعالى: { رضي الله عنهم } [ المائدة: 119 ]

وقال تعالى: { غضب الله عليهم } [ الفتح: 6 ]

سبب تنزيه الله تعالى عن الرضا والغضب الانفعالي:

1- سُئل الإمام الصادق(عليه السلام) عن الله تبارك وتعالى أله رضا وسخط؟ فقال(عليه السلام): نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك أنّ الرضا والغضب دِخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، مُعتَمَل(3)، مركّب، للأشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد، أحدي الذات وأحدي المعنى…”(4).

____________

1- انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثامن، المرصد الأوّل، ص 178.

2- انظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي: ج9، تفسير آية 16 من سورة ق، ص364 .

3- معتمل يعني منفعل يتأثّر من الأشياء.

4- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 26، ح 3، ص 165.

الصفحة 368

2- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “… إنّه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكوِّن من المكوَّن، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوّاً كبيراً”(1).

3- قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) حول غضب الله تعالى: “من زعم أنّ الله عزّ وجلّ زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق، إنّ الله عزّ وجلّ لا يستفزّه شيء ولا يغيّره”(2).

4- قال الإمام علي(عليه السلام): “يحبّ ويرضى من غير رقّة، ويبغض ويغضب من غير مشقّة”(3).

المقصود من الرضا والغضب المنسوب إلى الله تعالى

1- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “… فرضاه ثوابه وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال، فإنّ ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى القويّ العزيز الذي لا حاجة به إلى شيء مما خلق، وخلقه جميعاً محتاجون إليه”(4).

2- سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): يابن رسول الله أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل له رضا وسخط؟

فقال(عليه السلام): نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، ولكنّ غضب الله عقابه، ورضاه ثوابه.

النتيجة :

صفة الرضا والغضب تتضمّن معنى التغيير والانفعال، وبما أنّ الله منزّه عن هذه المعاني، فيلزم أن يكون إطلاق هذه الصفات عليه تعالى من باب المجاز، وتكون

____________

1- المصدر السابق، ح 2، ص 164 ـ 165.

2- المصدر السابق: ح 1، ص 164.

3- نهج البلاغة، الشريف الرضي: خطبة 186، ص 367 ـ 368.

4- المصدر السابق: ح 3، ص 165.

الصفحة 369

هذه الصفات كناية عن ثوابه وعقابه.

تنبيه :

إذا تعلّق رضا الله وغضبه بالمكلَّف فالمقصود إثابة الله وعقابه. ولكنّ إذا تعلّق رضا الله وغضبه بأفعال العباد فالمقصود يكون الأمر والنهي.

فعندما نقول: إنّ الله يرضى الطاعة، فالمعنى: أنّه تعالى يأمر بها.

وعندما نقول: إنّ الله يغضب من المعصية، فالمعنى: أنّه تعالى ينهى عنها(1).

16 ـ السخرية والاستهزاء والمكر والخداع :

قال تعالى: { سخر الله منهم } [ التوبة: 79 ]

{الله يستهزىء بهم } [ البقرة: 15 ]

{ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } [ آل عمران: 54 ]

{ يخادعون الله وهو خادعهم } [ النساء: 142 ]

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام):

“إنّ الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزىء ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً”(2).

17 ـ النسيان :

نسيان الله لبعض العباد يعني إهماله تعالى لهم، وعدم الاهتمام بهم، وتركهم لشأنهم، فإذا فعل الله بهم ذلك فإنّهم سينسون أنفسهم، ويكون ذلك عقوبة من الله لهم إزاء نسيانهم لله تعالى.

قال تعالى: { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة: 67 ]

____________

1- انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج 1، القول في الغضب والرضا، ص84 .

2- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 21، ح 1، ص 159.

الصفحة 370

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول هذه الآية: “إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وإنّما ينسى ويسهو المخلوق المحدَث، ألا تسمعه عزّ وجلّ يقول: { وما كان ربك نسيا } [ مريم: 64 ]

وإنّما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال عزّ وجلّ: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون } [ الحشر: 19 ]

وقوله عزّ وجلّ: { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } [ الأعراف: 51 ].

أيّ نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا”(1).

وقال الإمام علي(عليه السلام): “أمّا قوله: { نسوا الله فنسيهم } إنّما يعني نسوا الله في دار الدنيا، لم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه شيئاً فصاروا منسيين من الخير”(2).

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 16، ح 1، ص 155.

2- المصدر السابق، باب 36، ح 5، ص 253.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون