صنع الله قانون الغيب

قال الله تعالى في كتابه الكريم : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)

قانون الغيب

الإتقان في الكون حقيقة ثابتة لدى جميع العالم على الرغم من سعته وما فيه من مخلوقات الله سبحانه وتعالى من نبات وحيوان وجماد وكواكب ومجرات، فما من شيء في هذا الوجود إلا وله ملائكة، فكل قطرة من المطر تسقط على الأرض لها ملك ينزل معها يضعها في موضعها الذي يأمره الله به .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى (وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) يعني المطر ينزل مع كل قطرة ملكاً يضعها في موضعها الذي يأمره به ربه عز وجل.

وفي الدعاء النبوي (أسألك باسمك الذي إذا ذكرت به تقطعت منه السحاب وجرت منه الرياح…. وبالاسم الذي وضع على الرياح فذرت وعلى السحاب فأمطرت) (وباسمك الذي تسبح لك به الرياح العاصفات في مجاريها.. وباسمك الذي ينزل به مع كل قطرة ملكٌ من السماء يسبحك به ولا يرجع إلى يوم القيامة).

وإذا ما تحركت الريح في مكان ما فإن لها مكيالاً ووزناً وبتقدير إلهي معلوم، ولكل ريح ملك موكل بها .

في الكافي عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عن الرياح الأربع: الشمال والجنوب والصَّبا والدَّبور، وقلت إن الناس يذكرون أن الشمال من الجنة، والجنوب من النار .

فقال: إن لله تبارك وتعالى جنوداً من رياح يضرب بها من يشاء ممن عصاه، ولكل ريح منها ملك موكل بها فإذا أراد الله عز وجل أن يعذب قوماً بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يُريد أن يُعذبهم بها، قال: فيأمُرُها الملك فتهيج كما يهيج الأسد المغضب، قال: ولكل ريح منهن اسم أما تسمع قوله تعالى : (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)، وقال: (الرِّيحَ الْعَقِيمَ)، وقال (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وقال: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) وما ذكر من الريـاح التي يعـذب الله بها من عصاه.

قال: ولله عز ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته، منها ما يهيج السحاب للمطر، ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والأرض، ومنها رياح تعصر السحاب فتمطره بإذن الله، ومنها رياح مما عدد الله في كتابه.

فأما الرياح الأربع: الشمال والجنوب والصَّبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها، فإذا أراد الله أن يهِبَّ شمالاً أمر الملك الذي اسمه الشمال فهبط على البيت الحرام، فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر، وإذا أراد الله أن يَبعَثَ جنوباً أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريدُ الله، وإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله عز وجل في البر والبحر، وإذا أراد الله أن يبعث دبوراً أمر الملك الذي اسمه الدَّبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر، ثم قال أبو جعفر عليه السلام أما تسمع لقوله ريح الشمال وريح الجنوب وريح الدَّبور وريح الصبا إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها .

وقال الإمام الباقر عليه السلام: (إن لله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب فإن شاء الله أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل قال: ولن يجعل الرحمة من الريح عذاباً – إلى أن قال – وأما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تُلقِحُ شيئاً من الأرحام ولا شيئاً من النبات وهي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخُزّان أن يُخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم) .

وإن من التقدير الإلهي أن الجو يتغير كلياً في يوم وليلة القدر ، وهي إحدى علامات ليلة القدر (أن تطيب ريحها ، وإن كانت في برد دفئت وإن كانت في حر بردت فطابت) وذلك لأن ليلة القدر تختلف عن بقية الليالي، ولأن الله تبارك وتقدس يريد أن يلفت أنظار الإنسان إلى أن هناك قوة غيبية تحرك هذا العالم وليس الارتباط فقط بقوانين الطبيعة لأن البعض يتصور بما أن الرياح تتحرك وفق مدار أرضي فلا بد أن يتحرك العالم وفق مدار آخر ولا يعترفون بقانون الغيب الذي يحركه.

لقد حاول الكثيرون الدخول إلى عالم الغيب ومعرفة قوانينه التي تسيّر كل شيء من حولنا إلا أنهم فشلوا بسبب وجود الحجب الأرضية التي تمنع الإنسان من الدخول إليه والتعرف على حقائقه .

الكاتب: الشيخ جواد جاسم الطاهري