صوم يوم عاشوراء

عاشوراء على وزن فاعولاء ، مختومة بالالف الممدودة ، وتصح بالالف المقصورة بلا همزة (عاشورى ) ، (۱) فهي صفة مؤنثة لليلة العاشرة من الشهر القمري العربي ، وغلبت على الليلة العاشرة من اول الشهور القمرية العربية ( المحرم الحرام ) ، ولذلك لا يوصف بها اليوم ، فلا يقال : اليوم العاشوراء ، وانما يقال : يوم عاشوراء بنحو الاضافة ، بحذف الليلة ، والتقدير: يوم ليلة عاشوراء، والموصوف الليلة محذوف .

ولا ريب في استعمال الكلمة واشتهارها في ليلة العاشر من محرم الحرام ، ذكرى شهادة الامام سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين بن علي ( ع )، وقد نص اللغويون على انها ( اسم اسلامي ) (۲) ، ( ولم يعرف في الجاهلية ). (۳)

وعليه فكيف نفسر ما جاء في الخبر

۱ـ عن عائشة قالت : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله يصومه في الجاهلية ، فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه . (۴)

۲ـ عنها قالت : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان النبي يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه ، فلما نزل رمضان ، كان رمضان الفريضة ، وترك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه . (۵) وكانها عللت صومهم فيه في خبر آخر:

۳ـ عنها قالت : كانوا يصومون عاشوراء، قبل ان يفرض رمضان ، وكان يوما تستر فيه الكعبة ، فلما فرض الله رمضان ، قال رسول الله : ( من شاء ان يصومه فليصمه ، ومن شاء ان يتركه فليتركه ). (۶)

فكيف التوفيق بين هذا وبين ما مر من نص اللغويين على ان اسم عاشوراء اسم اسلامي لم يعرف في الجاهلية ؟ واذا كانوا يصومونه لانه كان يوما تستر فيه الكعبة ،فلماذا أضيف الى وصف الليلة (عاشوراء) كما مر ؟ ولم تكن الكعبة تستر في الليل طبعا قطعا. ام هل وصفوا اليوم المذكر بصفة التانيث ؟

فالعجب من العرب كيف غاب عنهم هذا ؟ والجاهلية هي عهد ما قبل الاسلام ، فاذا كان النبي يصوم يوم عاشوراء في الجاهلية فلماذا تركه بعد الاسلام ؟ فلو كان تركه لمخالفة المشركين فلماذا رجع اليه بعد الهجرة ؟ هذا ما روي عن عائشة ، وتلك هي التساؤلات التي تفرض نفسها بلا جواب شاف كاف

وجاء في مجموعة ثانية

۱ـ عن ابن عباس قال : قدم النبي فراى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال : (ما هذا) ؟ قالوا: هذا يوم صالح ، يوم نجى الله بني اسرائيل من عدوهم فصامه موسى ( ع ). قال : (انا احق بموسى منكم ). فصامه وامر بصيامه . (۷)

۲ـ عنه ان النبي لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوما ( يعني يوم عاشوراء )، فقالوا:هذا يوم عظيم ، وهو يوم نجى الله فيه موسى واغرق آل فرعون ، فصام موسى شاكر الله . فقال : ( انا اولى بموسى منهم ). فصامه وامر بصيامه . (۸)

۳ـ عنه قال : لما قدم النبي المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا هو اليوم الذي اظهر الله فيه موسى وبني اسرائيل على فرعون ، ونحن نصومه تعظيما له فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ): ( ونحن اولى بموسى منكم ) فامر بصومه . (۹)

۴ـ عنه قال : قدم النبي المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون ، فقال النبي لاصحابه : ( انتم احق بموسى منهم ، فصوموا ). (۱۰)

۵ـ عنه قال : لما قدم رسول الله المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسالهم ، فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون ، فقال النبي : ( نحن اولى بموسى منهم ). (۱۱)

۶ـ عن ابي موسى الاشعري قال : دخل النبي المدينة واذا اناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه ، فقال النبي : ( نحن احق بصومه ). فامر بصومه . (۱۲)

۷ـ عنه قال : كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، فقال النبي : ( فصوموه انتم ). (۱۳)

هذا ما روي عن ابن عباس وابي موسى الاشعري ، وليس فيه ان اليهود كانوا يسمونه عاشوراء، فلعله كان صوم اليهود اذ ذاك موافقا لليوم العاشر من المحرم .

فما واقع الحال عند اليهود قديما واليوم ؟ جاء في دوائر المعارف البريطانية والفرنسية والالمانية ، ان احتفال اليهود بنجاة موسى وبني اسرائيل يمتد سبعة ايام ، لا يوما واحدا فقط .

اما صوم اليهود فهو في اليوم العاشر، ولكنه ليس العاشر من المحرم ، بل من شهرهم الاول : تشري ويسمونه يوم كيپور، اي يوم الكفارة ، وهو اليوم الذي تلقى فيه الاسرائيليون اللوح الثاني من الواح الشريعة العشر، ولم يكن ذلك يوم نجاتهم من فرعون ، بل بعد نجاتهم من فرعون ، وميقات موسى ( ع )، وابتلائهم بعبادة العجل الهالهم ، ورجوع موسى من الميقات اليهم ، واعلان اشتراط قبول توبتهم بقتل بعضهم لبعض ، وبحصولهم على العفو من رفقائهم ، ولذلك فقد خصص اليوم الذي قبل كيپور بتبادل العفو فيما بينهم ، وخصص يوم كيپور للصيام والصلاة والتامل ، لاعتباره اقدس ايام اليهود.

والتقويم اليهودي المستعمل اليوم عندهم شهوره قمرية ، ولذلك فعدد ايام السنة في السنوات العادية ۳۵۳ او۳۵۴ او۳۵۵، ولكنهم جعلوا سنواتهم شمسية بشهور قمرية ، ولذلك فلهم سنوات كبيسة ، ففي كل سنة كبيسة يضاف شهر بعد آذار الشهر السادس باسم آذار الثاني فيكون الشهر السابع ، ويكون نيسان السابع الشهر الثامن ، وعليه تكون ايام السنة الكبيسة ۳۸۳ او۳۸۴ او۳۸۵ يوما. (۱۴)

هذا هو التقويم اليهودي المستعمل لديهم قديما واليوم ، ولم ينقل عنهم اي تقويم غيره .

تلك احتفالاتهم بنجاتهم من الفراعنة تمتد اسبوعا لا يوما واحدا فقط، وليس لهم فيه يوم صوم ولهم يوم صوم هو يوم عيد كيپور العاشر من شهرهم الاول تشري ، ولكنه يوم كفارتهم وقبول توبتهم وليس يوم نجاتهم من الفراعنة .

ولا ننكر وقوع توافق بين تقويمين في زمان ما، ولكنه قد يقع في سنة واحدة فقط بعد عشرات بل مئات السنين ،وعلى فرض وقوع توافق بين يوم كيپور العاشر من شهر تشري وبين يوم عاشوراء العاشر من شهر المحرم الحرام ، بعد تسعة اشهر من قدوم النبي ( صلى الله عليه وآله ) الى المدينة ، فلماذا لم يذكر يوم كيپور وأطلق عليه يوم عاشوراء ؟ وما وجه اطلاق استحباب صوم يوم عاشوراء العربي الاسلامي عوضا عن عيد كيپور العبري اليهودي ، مع القول بان النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمون اولى من اليهود بموسى ( ع )، مع ان نجاته واياهم لم تكن ، لا في عيد كيپور ولا في يوم عاشوراء.

ويلاحظ على خبري ابي موسى الاشعري انه في الاول يقول : واذا اناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه ، بلا ذكر لوجه تعظيمهم ليوم عاشوراء وصومه ، ولا ذكر لوجه احقية المسلمين بصومه .

وفي الثاني يقول : كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا ، فقال النبي : ( فصوموه انتم )، بلا ذكر لوجه كون يوم عاشوراء عيدا عندهم ، ولا ذكر لوجه امره ( صلى الله عليه وآله ) بصومه ، وكانه يقابل بين الامرين : بين صوم المسلمين فيه ، وعده اليهود عيدا، دون الاولوية .

ويلاحظ على الخبرين امران آخران ايضاً

الاول : قال في الاول : واذا اناس من اليهود يعظمون عاشوراء، وقال في الثاني : كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، فعلق وصف العيد وتعظيم اليهود على يوم عاشوراء ، ولا وجه لذلك ، وقد مر نص اللغويين على انه اسم اسلامي لم يعرف في الجاهلية ، اي قبل الاسلام ، وعليه فكيف عرف اليهود عاشوراء قبل الاسلام ؟

الثاني : انه قال في الثاني : قال النبي : ( فصوموه انتم )، وقال في الاول : فقال النبي : ( نحن احق بصومه ). فامر بصومه وجوبا ام استحبابا ؟ وظاهر الامر الوجوب كما قالوا، وعليه فيخلو الخبر عن ذكر مدى هذا الامر الى متى كان او يكون ؟ وكذلك تخلو منه اخبار ابن عباس .

وذكرت المدى اخبار عائشة : فلما فرض الله رمضان قال رسول الله : ( من شاء ان يصومه فليصمه ، ومن شاء ان يتركه فليتركه ). وقد ذكروا بلا خلاف ان فرض الله صيام شهر رمضان بنزول القرآن الكريم به في منتصف السنة الثانية للهجرة ، اي انه لم يكن بين هجرته وبين نزول القرآن بفرض رمضان غير عاشوراء واحدة ، واذا كان قد امر بصيامه مواساة لموسى ( ع ) شكرا لنجاته ، على قول يهود المدينة له بعد هجرته ، جوابا عن سؤاله عن صومهم يوم عاشوراء، اذن فعاشوراء الاولى قد مضت ولم تات الثانية ليصوموا يومها، حتى نزل القرآن بفرض رمضان ، فما معنى كانوا يصومون عاشوراء قبل ان يفرض رمضان ؟ وكذلك ما عن عائشة ايضا قالت : كان عاشوراء يصام قبل رمضان ، فلما نزل رمضان من شاء صام ومن شاء افطر. (۱۵)

وعنها قالت : كان رسول الله امر بصيام عاشوراء ، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء افطر، (۱۶) وكانه امر بالصيام فقط ولم يصوموه .

وهناك خبر آخر عن حميد بن عبد الرحمن انه سمع معاوية بن ابي سفيان على منبر يوم عاشوراء عام حج يقول : يا اهل المدينة ، اين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله يقول : هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه ، وانا صائم ، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. (۱۷)

فهذا يتضمن تنكرا لصيام قريش في الجاهلية ، وليصام اليهود كذلك ، وينص من اول يوم على الندب والاستحباب دون الوجوب ، ولكن يلاحظ عليه امران :

الاول : انه يتضمن اعترافا بعدم علم علماء اهل المدينة بالحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).

الثاني : افكان هذا قبل الهجرة ؟ ام بعدها ؟ ام بعد فتح مكة ؟ فمتى سمعه معاوية ؟ واذا كان لليهود تقويم عبري يخصهم يختلف تمام الاختلاف عن التاريخ العربي القمري ، واذا لم يكن يوم عاشوراء يوم نجاة موسى ( ع ) وبني اسرائيل من فرعون ، فلا يصح ما جاء في بعض كتب الحديث مما نسب الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من اخبار في عاشوراء ، تتضمن انه يوم نجاة موسى وبني اسرائيل من الفراعنة ، فهو يوم عيد الخلاص ، والى جانبه ذكريات اخرى ، منها انه يوم خلق الارض والجنة وآدم ( ع )، فهو عيد الخلق ، وهو يوم نجاة نوح من الغرق ، ونجاة ابراهيم من الحرق .

هذا، وقد روى الشيخ الفقيه ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ، بسنده عن نصر بن مزاحم المنقري ( م ۲۱۲ هـ ) عن عمر بن سعد، عن ارطاة بن حبيب ، عن فضيل الرسان ، عن جبلة المكية قالت : سمعت ميثم التمار ( رض ) يقول : والله لتقتلن هذه الامة ابن نبيها في المحرم لعشر مضين منه ، وليتخذن اعداء الله ذلك اليوم يوم بركة ، وان ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره .

اعلم بذلك بعهد عهده الى مولاي امير المؤمنين ( ع ). قالت جبلة : فقلت : يا ميثم ، وكيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي يقتل فيه الحسين بن علي ( ع ) يوم بركة ؟ فبكى ميثم ، ثم قال : سيزعمون بحديث يضعونه انه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم ( ع )، وانما تاب الله على آدم في ذي الحجة ، ويزعمون انه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي ، وانما استوت على الجودي يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، ويزعمون انه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني اسرائيل ، وانما كان ذلك في شهر ربيع الاول ، (۱۸) ويزعمون انه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود. وانما قبل الله توبته في ذي الحجة ، ويزعمون انه اليوم الذي اخرج الله فيه يونس من بطن الحوت . وانما اخرجه الله من بطن الحوت في ذي القعدة . ثم قال ميثم : يا جبلة ، اذا نظرت الى الشمس حمراء كانها دم عبيط فاعلمي ان سيدك الحسين قد قتل . (۱۹)

ثم ان اخبار ابن عباس وابي موسى الاشعري دلت على ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ساله اليهود عن صومهم ذلك اليوم ، ثم قال : ( انا او نحن او اولى منكم او منهم فصامه وامر بصيامه . وليس فيها انه افاد من وحي الله او من علمه الالهي ، اي انه اعتمد على ما قاله اليهود هنا. وقد قال الله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة ). (۲۰)

فهنا سؤالان

اولا: هل يجوز الفقهاء ان نتاسى برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على زعم هذه الاخبار فنعتمد على نقول اهل الكتاب اليهود والنصارى والمجوس عن انبيائهم ؟

ثانيا: ان نصوص هذه الاخبار تعلل صوم الرسول وامره بصوم ذلك اليوم باننا احق او اولى من اليهود بموسى ( ع )، فهو حكم منصوص العلة كما يقول الفقهاء، وقياس الحكم المنصوص على علته يجوزه حتى من لا يجوز سائر اقسام القياس .

فهل يجوز لنا ان ناخذ بقياس هذه العلة المنصوصة هنا فنقول : كل ما كان في الشرائع السابقة فنحن احق او اولى به ان نفعله ؟

ــــــــــــــــــ

(۱) راجع مجمع البحرين ، مادة عشر.

(۲) النهاية في غريب الحديث والاثر ۳ / ۲۴۰ .

(۳) الجمهرة في لغة العرب ۴: ۲۱۲٫

(۴) صحيح البخاري ، كتاب الصوم .

(۵) صحيح البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، سورة البقرة .

(۶) صحيح البخاري ، كتاب الحج ، الباب ۴۷٫

(۷) صحيح البخاري ، كتاب الصوم : ۳۰٫

(۸) صحيح البخاري ، كتاب احاديث الانبياء: ۶۰٫

(۹) صحيح البخاري ، كتاب مناقب الانصار، الباب ۵۲٫

(۱۰) صحيح البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، سورة يونس .

(۱۱) صحيح البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، سورة يونس .

(۱۲) صحيح البخاري ، كتاب مناقب الانصار، الباب ۵۲٫

(۱۳) صحيح البخاري ، كتاب الصوم : ۳۰٫

(۱۴) دوائر المعارف البريطانية : الانجليزية والفرنسية والالمانية .

(۱۵) صحيح البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، سورة البقرة .

(۱۶) صحيح البخاري ، كتاب الصوم : ۳۰٫

(۱۷) صحيح البخاري ، كتاب الصوم : ۳۰٫

(۱۸) وهذا ينفق مع ظاهر اخبار ابن عباس وابي موسى الاشعري ، من انه ( صلى الله عليه وآله ) لما قدم المدينة وقدمها في ربيع الاول بلا خلاف راى اليهود يصومون اليوم ، ويقولون :انه يوم نجاة موسى وبني اسرائيل من فرعون والغرق ، لا يوم عاشوراء.

(۱۹) امالي الشيخ الصدوق : ۱۱۰، ط. بيروت .

(۲۰) الاحزاب : ۲۱٫