ضرورة تفسير القرآن وأقسامه

أولاً: ضرورة التفسير للقرآن الكريم

إنّ التفسير لمتن مقدّس مثل القرآن الكريم لازم وضروري؛ وبدونه لا يتيسر لعامة الناس إدراك وفهم أغواره العميقة ومعانيه الدقيقة، وقد ورد في مضمون خبر عن الإمام الحسين (عليه السلام): القرآن على أربعة أشياء: العبارة والإشارة واللطائف والحقائق، أما العبارة فللعوام، وأما الإشارة فللخواص، وأما اللطائف فللأولياء، وأما الحقائق فللنبي (صلّى الله عليه وآله). وسرّ ذلك يوضحه القرآن الكريم نفسه.

فالقرآن الكريم من جهة يذكر لنفسه صفات يلزم منها ضرورة التفسير، وهو من جهة أخرى يطرح علوماً ومعارف خاصة في الرؤية الكونية التوحيدية وما يرتبط بالذات الإلهية من الناحية العقائدية، وكذلك ما يرتبط بعصمة الملائكة وعصمة وطهارة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والإمامة والقيادة في النظام الإسلامي، وغير ذلك من المسائل التي لا تدرك بغير التفسير، فهو يمتدح نفسه بأنه كلام رصين وقول رزين ومليء باللب الذي لا يدرك إلا بالعلم والعقل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: ۵]، ويتحدّى الجنّ والإنس بأن يأتوا بمثله وإلى الأبد، كما في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: ۲۴].

ولأجل ذلك فضرورة التفسير تكون من جهتين:

إحداهما: أنّ الكتاب العلمي العميق ذو الثقل النظري لا يمكن أن يدرك بغير تفسير، هذا من الناحية العلمية.

والأخرى: أنّ كتاب الهداية إذا كانت رسالته تؤكد على: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء: ۹]، فإنّه لا وسيلة له لأجل هداية المجتمع البشري إلا بتوضيح مفاهيمه وتفسير معانيه وهذا من الناحية العملية. وضرورة التفسير للمتضلعين والمتعمقين في مختلف العلوم وأنواع الفنون أوضح.

ثانياً: أقسام تفسير القرآن الكريم
إنّ التفسير لمتن مقدس مثل القرآن الكريم يكون بأحد طريقين:

أحدهما: التفسير النقلي وهو إما أن يتم بالاستمداد من نفس المتن المقدس، كالآية التي تكون شاهداً تصورياً أو تصديقياً على آية أخرى (تفسير القرآن بالقرآن)، وإما أن يتم بالاستعانة بمتن نقلي آخر كالحديث المعتبر الذي يكون شاهداً لمعنى خاص في الآية (تفسير القرآن بالسنة)، وكلا القسمين داخلان في التفسير النقلي، ويمكن التعبير عنهما بـ(التفسير بالمأثور)، وعليه فاصطلاح المأثور لا يكون مختصاً بالحديث.

والآخر: التفسير العقلي، وهو إما أن يتم بالتفات العقل إلى الشواهد الداخلية والخارجية، أي أنه يدرك معنى الآية من خلال الجمع بين الآيات والروايات، وفي هذا القسم يكون دوره دور (المصباح) فقط، ولما كان مثل هذا التفسير العقلي الاجتهادي مستنبطاً من المصادر النقلية فيعد من أقسام التفسير بالمأثور. وإما أن يتم باستنباط العقل بعض المبادئ التصورية والتصديقية من المصدر الذاتي للعقل البرهاني والعلوم المتداولة، وفي هذا القسم يكون له دور المصدر، وليس هو عندئذٍ مجرد مصباح، والنتيجة فالتفسير العقلي يختص بهذا المورد الذي تستنبط فيه بعض المبادئ التصورية والتصديقية والمباني المستوردة والمطلوبة للبرهان على موضوع ما بواسطة العقل بحيث تحمل الآية في مورد البحث على خصوص تلك المعاني المستنبطة.

وعليه فإنّ أقسام التفسير للقرآن الكريم تنحصر في ثلاثة أقسام:

۱ – تفسير القرآن بالقرآن.

۲ – تفسير القرآن بالسنة.

۳ – تفسير القرآن بالعقل.

وأما (التفسير بالرأي) كما عند البعض، فهو ليس تفسيراً في الواقع بل هو (تطبيق) وفرض للرأي على القرآن، وتعبير الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) عن القرآن بأنه (مأدبة) أي أنه طعام حاضر: (القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم) [البحار، ج۸۹، ص۱۹]، وليس لأحد أن يضع ما يحضره من طعام على هذه المأدبة ويتناول منه أو يطعمه للآخرين، بناءً على ذلك فإنّ الآراء والأفكار الجاهزة لا يمكن فرضها على القرآن الكريم؛ لأنّ ذلك هو التفسير بالرأي الممنوع عقلاً ونقلاً، حيث ذكرت الآيات والروايات أنّ النار والخروج من الدين والارتداد وعدم الإيمان كلها من التبعات والعواقب المرة لتفسير القرآن بالرأي.

الكاتب: عباس إبراهيم الجندل