ضع نفسك مكانه

من الأساليب القرآنية الجميلة في حث الإنسان على اختيار السلوك الأنسب، وهو ما نجده في قوله سبحانه حول رعاية حقوق اليتامى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) [النساء:9] فعليك أن تتعامل مع حقوق يتامى الآخرين كما تحب أن يُعامل يتاماك من بعدك. ويعتبر بعض خبراء علم النفس بأن انتهاج هذا الأسلوب من أفضل الطرق لتوجيه الطفل، حيث يساعدك ذلك على فهمه، والتفكير بنفس أسلوبه. ولو وضع الإنسان نفسه للحظات موضع المسنّ في البعدين: الجسدي والنفسي، لساعده ذلك كثيراً في إدراك كيفية التعامل معه، ورعاية المرحلة الحساسة التي يعيشها، وبالتالي تلبية احتياجاته الجسدية والنفسية بالصورة المثلى.

صحة المسن:

عندما يدخل الفرد في سن الستين أو الخامسة والستين فما بعد، فإنه يبدأ بفقدان بعض قدراته تدريجياً، من قبيل: السمع ـ البصر ـ النطق ـ التركيز ـ الذاكرة ـ الحركة ـ التوازن، كما ويكون عرضة للشعور بآلام المفاصل وتكلس وخشونة الفقرات وهشاشة العظام، أضف إلى ذلك بعض الأمراض المزمنة التي كانت تلازمه من قبل أو استجدت في هذه المرحلة العمرية كالسكر وارتفاع الضغط وأمراض القلب والشرايين. هذه التغيرات الجسدية والآلام والأمراض كفيلة بأن تؤثر سلبياً على نفسية كبير السن وبشكل واضح، إلا أنها ليست الوحيدة التي تعمل على ذلك، بل تتداخل معها عوامل أخرى مثل: 1ـ الإحساس ببلوغ خريف العمر وقرب الرحيل عن هذه الدنيا. 2ـ الشعور بالتحول إلى ما يشبه العالة على الغير. 3ـ تقلص أو فقدان القدرة على مزاولة النشاط الديني أو الاجتماعي أو العمل التطوعي الذي اعتاد عليه، ويمثل بالنسبة إليه عاملاً مهماً في الثقة بالنفس والشعور الإيجابي بالعطاء والتفاعل مع الحياة من حوله. ومن هنا، فإن الرعاية التي يحتاجها كبير السن لا تقتصر على الرعاية الجسدية فحسب، بل هو بأمس الحاجة إلى الرعاية النفسية أيضاً، لاسيما وأن الحالة النفسية من شأنها التأثير إيجاباً أو سلباً على الصحة الجسمانية للفرد.

المسن في المجتمع الأمريكي:

تظهر بعض الدراسات أن تخلي الأبناء عن مسؤولياتهم تجاه الوالدين المسنين في الولايات المتحدة قد دفعت بقوة نحو اتخاذ حزمة من الإجراءات الساعية للتخفيف من آثار هذه المشكلة الاجتماعية، ومن بينها: ـ إصدار قوانين وتشريعات لحماية المسنين وتنظيم عمل المؤسسات الخاصة برعايتهم. ـ منح صلاحيات الضبطية القضائية للجهات الأمنية والفرق المتخصصة بهدف تفتيش ورقابة مساكن وأماكن إيواء المسنين. ـ إنشاء دور الرعاية الخاصة بالمسنين، وفي الولايات المتحدة أكثر من 2000 دار رعاية. ـ التشجيع على العمل التطوعي لتقديم الرعاية للمسنين في منازلهم، وتم تسجيل 60 مليون متطوع يعمل كل فرد منهم ساعتين أسبوعياً على الأقل في هذا المجال، مما وفر على الموازنة العامة ما قيمته 300 مليار دولار! وعلى الرغم من كل هذه الجهود المبذولة إلا أن الدراسات تشير إلى أن 36% من نزلاء دور الرعاية يشتكون من تعرضهم إلى أنواع من الإيذاء الجسدي والنفسي، ومن بينها: 1ـ اللوم والعقاب على بطئ الحركة وارتكاب الأخطاء. 2ـ عدم إفساح المجال لهم للاعتماد على أنفسهم. 3ـ حرمانهم من أنشطة اعتادوا على ممارستها بحجة حمايتهم من الإصابات. 4ـ فرض روتين يومي واحد. 5ـ التحدث معهم بلغة الأطفال، أو بصوت غير مسموع، أو بجمل غير واضحة.

القرآن والمسنين:

تحدث القرآن الكريم بصورة إجمالية عن بعض أحوال المسنين، ومن ذلك قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)[مريم: من الآية4] وقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)[الروم:54]. كما وتحدث عن أهمية توفير ما يفوق الرعاية الجسدية والنفسية لهم، وذلك من خلال دلالة الآية التالية وما فيها من توجيهات حساسة وبما يحمله مصطلح (الإحسان)، حيث قال عز اسمه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً* رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً) [الإسراء:23]. وبالتالي فالمطلوب: 1ـ إدارك المنطلق الأساسي في هذا الأمر بربطه بتوحيد الله في العبادة، فإنه إذا كان الله هو السبب الأعمق في وجود الفرد، فإن الوالدين يمثلان السبب المباشر لهذا الوجود، وإذا كان الله هو الذي أنعم عليه بكل النعم التي جعلت لحياته قوّةً واستمراراً، فإن الوالدين قد عملا بكل ما لديهما من جهدٍ ومعاناةٍ وتضحيةٍ في سبيل تحريك عناصر الامتداد في عمق وجوده. 2ـ الإحسان إليهما بالكلمة واللمسة واللفتة والحركة، وبالاحتضان الروحي الذي يحسان به عميقاً، كاحتضانهما له في طفولته وما ينطوي عليه من عاطفة وحب وحنان. 3ـ التنبيه إلى أن اختلال المزاج وسوء الخلق وضيق الصدر عند الوالدين المسنين سينعكس على تصرفاتهما التي تتخذ جانباً سلبياً ضد الناس الذين يعيشون معهما، لا سيما أولادهما، مما قد يؤدي إلى الشعور بالضيق من ذلك، وبالتالي صدور ردّ فعل سلبيٍّ وإساءة إليهما. 4ـ تقديم نماذج عملية على أقل صور ردود الفعل السلبية من الأولاد، فإذا لم يجز ذلك، فلا يجوز ما هو أشد منه، لأن الأساس هو حرمة الإيذاء، فيحرم الأقوى في الإيذاء إذا كان الأضعف محرماً. وقد جاء في كلمات أهل البيت عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: (لو علم الله لفظةً أوجز في ترك عقوق الوالدين من أفّ لأتى بها). 5ـ مراعاة الأسلوب الأمثل في الحديث معهما، بحيث لا يشتمل على الغلظة أو الزجر أو الصوت الشديد القاسي. 6ـ الأمر باعتماد الكلمة الحلوة اللطيفة التي تحمل الحب والعطف والحنان وتوحي بالاحترام والإعزاز والكرامة، والمقترنة مع الابتسامة المشرقة والنظرة الحنونة. 7ـ التواضع والخضوع قولاً وفعلاً برَّاً بهما وشفقةً عليهما، وأن لا يستثير الولد حسّ الكرامة في نفسه تجاه أبويه كما يستثيره تجاه الآخرين، بل لا بد له من أن يشعر بالذل الناشىء من الشعور بالرحمة لهما، تماماً كما يخضع الإنسان لمن يحبه حباً له ورحمةً به، فيتحمل منه ما لا يتحمله من غيره، ويتنازل له عمّا لا يتنازل عنه للآخرين، ويعيش العفو والتسامح معه إذا أخطأ. 8ـ ضرورة تحويل هذا الشعور بالرحمة إلى استذكار للتاريخ الشخصي لوالديه معه، كيف كانا يتعبان ليرتاح، ويجوعان ليشبع، ويسهران لينام، ويتألمان ليلتذ، ويضحّيان بكل حياتهما من أجل أن يربيا له جسمه وعقله، وكيف كانا يحتضنانه بالعطف والحنان، ويحفظانه من كل سوء، ليأخذ القوة من ذلك كله. وتتجسّد كل هذه الذكريات في عقله ووجدانه وشعوره وحسّه، فيشعر بالحنان، وهو يشهد هذا الضعف الذي يرزحان تحته ويعانيان منه، ويستذكر أنه كان أحد أسباب ذلك، فيبتهل إلى الله في دعاءٍ خاشعٍ ليرحمهما ويرعاهما ويحفظهما، لأنهما كانا يعيشان الرحمة له، ويعانيان الجهد في تربيته، لأن الله قادرٌ على ما لا يقدر عليه من ذلك، فرحمته تملك خير الدنيا والآخرة، بينما لا يملك ـ هو ـ من ذلك شيئاً. 9ـ أهمية أن يستحضر الإنسان الشعور بالرقابة الإلهية الدائمة لظواهر الأمور وخفاياها، وأن كل ما يصدر عن الإنسان من فعل، وما تنطلق من خلاله الإفعال من نوايا، إنما هي مسجّلة ومحفوظة، وسيحاسَب عليها من قبل الله الذي لا تخفى عليه خافية. وأهمية ذلك تتجلى في تأمين شئ من الرقابة الذاتية التي يتحقق من خلالها صلاح العمل، ومنه الإحسان إلى الوالدين المسنين. 10ـ الاعتقاد الراسخ بأن كل عمل صالح يقوم به الإنسان فهو بعين الله، وأن الله لا يظلم عباده شيئاً، وأنهم إن أحسنوا فسيشملهم برعايته وعنايته ورحماته وألطافه في الدنيا والآخرة.

كلمة أخيرة:

إن معاناة المسنين ليست مقصورة على المجتمعات الغربية أو غير المسلمة، بل إن الأرقام تدل على أن الأمور تتفاقم سلبياً في مجتمعاتنا الإسلامية، الأمر الذي يستدعي وقفة قانونية ودينية واجتماعية وثقافية لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي المتناسب مع ما جاء في الآية القرآنية.

الكاتب: الشيخ علي حسن