ظاهرة-النبوة-وحقيقتها-في-الحياة-البشرية

ظاهرة النبوة وحقيقتها في الحياة البشرية

يزخر عالم الإمكان بمجموعة لا تعدّ ولا تحصى من الظواهر الوجودية والارتباطات التكوينية، ونظرة واحدة إلى المجموعة الشمسية التي نعيش في كنفها والوقوف على القوانين المعقّدة والحقائق الهائلة التي تحكم النظام المعيشي في هذا العالم تكفيك لإثبات ذلك.

وفي مستهلّ البحث عن إحدى هذه الظواهر التي شهدها التاريخ الإنساني في هذا العالم ونعني بها ظاهرة النبوّة والاتصال بعالم ما وراء الطبيعة، ينبغي لنا أوّلاً ـ بمقتضى المنهج العلميّ الصحيح ـ تحديد النسبة بين عالم الإمكان وبين المادّة، فهل هما متساويان، بمعنى أن عالم الإمكان يساوي العالم المادّي؟ أو ليس الأمر كذلك؟

من الواضح بناءً على تساوي العالمين أن كلّ ما ليس بمادّي فهو ليس بموجود، وفي ضوء ذلك يأتي إنكار ظاهرة النبوّة في الحياة البشرية؛ فحيث إن كيفية الاتصال بالسماء وما وراء الطبيعة لا ينالها التفسير المادّي فهي إذن ليست بموجودة.

أما بناءً على أن عالم الإمكان أوسع من العالم المادّي ـ كما هو الصحيح ـ وأن هناك موجودات مجرّدة عن المادّة تنتمي إلى عالم الإمكان، فيمكن حينئذ أن نلتمس التفسير الصحيح لظاهرة النبوّة والوحي عند الأنبياء استناداً إلى القوانين التي تحكم القسم المجرّد من عالم الإمكان.

ومن ثمّة ينبغي تحديد المنهج الصحيح في حقيقة عالم الإمكان قبل الدخول في تحليل ظاهرة خطيرة كظاهرة النبوّة. فالإنسان ليس موجوداً مادّياً صرفاً لكي تكون مصالحه محصورة في إطار المادّة الضيق، بل إن البعد المادّي عند الإنسان يمثّل الطرف الأخسّ من مجموع وجوده وقدراته التكوينية، وعليه يمكن القول بأن المصالح العليا للوجود الإنساني ترتفع عن الجانب المادّي وتسمو عليه، ومن هنا لا يمكن إدراج ظاهرة النبوّة ـ كونها الطريق الوحيد لوصول الإنسان إلى كماله الحقيقي ـ في جملة القضايا التي تنتمي إلى عالم المادّة.

يقرّر الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدّس سره في هذا المجال: (والنبوّة بوصفها ظاهرة ربّانية في حياة الإنسان هي القانون الذي وضع صيغة الحلّ، بتحويل مصالح الجماعة وكلّ المصالح الكبرى التي تتجاوز الخطّ القصير لحياة الإنسان، إلى مصالح للفرد على خطّه الطويل، وذلك عن طريق إشعاره بالامتداد بعد الموت، والانتقال إلى ساحة العدل والجزاء التي يُحشر الناس فيها ليُرَوا أعمالهم: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ َمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه)۱٫

وصيغة الحل هذه تتألّف من نظرية وممارسة تربويّة معيّنة للإنسان على أساسها، والنظرية هي المعاد يوم القيامة، والممارسة التربوية على هذه النظرية عملية قيادية ربّانية، ولا يمكن إلا أن تكون ربّانية، لأنها عملية تعتمد على اليوم الآخر، أي على الغيب، فلا توجد إلا بوحي السماء، وهي النبوّة)۲٫

البعد الفلسفي في ظاهرة النبوة

قد يقال لأول وهلة إن ظاهرة النبوّة العامّة لا تنتمي إلى ميدان البحث الفلسفي والوجودي، بل هي مسألة كلامية، بالنظر للقوانين والأحكام المجعولة والمشرَّعة في الرسالات السماوية، وإنها أمور اعتبارية لا حقيقية، وبذلك تخرج عن حريم المسائل الفلسفية التي تبحث عن الأشياء من حيث وجوداتها الواقعية والحقيقية.

ونحن وإن كنا لا ننكر البعد الكلامي في مسألة النبوّة وظاهرة الوحي، إلا أن ذلك لا يعني أنها مسألة كلامية صرفة، بل هناك بعد فلسفيّ مهمّ ترتكز عليه هذه الظاهرة لابدّ من الوقوف على حقيقيته وتحليل ماهيّته، وهذا هو الذي يعنينا في هذا البحث بالخصوص.

ولكن أين يتمحور البعد الفلسفي في ظاهرة النبوّة

تنطلق الإجابة عن هذا السؤال من تحديد العالم الذي تنتمي إليه الموادّ الدينية والمعارف الأصلية ومجموعة الأحكام والقوانين الخلقية والعملية.

إن موادّ القضايا الدينية والقوانين الخلقية ذات صلة عميقة بالنفس الإنسانية، فإنها تثبت في أعماق النفس سنخاً من العلوم الراسخة أو تهيّئ النفس لقبول الأحوال التي تثمر الملكات النفسانية الراسخة، وقد ثبت في محلّه في الفلسفة أن العلوم والملكات المذكورة تصبح صوراً للنفس الإنسانية التي تتّحد معها، الأمر الذي يؤدّي إلى أن تلك العلوم والملكات تقوم بوظيفة تعيين طريق النفس إلى السعادة والشقاوة، وبالتالي القرب والبعد من الله جلّ وعلا، (فإن الإنسان بواسطة الأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة الصادقة يكتسب لنفسه كمالات لا تتعلّق إلا بما هيّئ له عند الله سبحانه من القرب والزلفى والرضوان والجنان، وبواسطة الأعمال الطالحة والعقائد السخيفة الباطلة يكتسب لنفسه صوراً لا تتعلق إلاّ بالدنيا الدائرة وزخارفها الفانية، وهذا سير حقيقي)۳٫

في ضوء ذلك نفهم أن القضايا الدينية والمسائل الاعتقادية التي تضطلع بها الظاهرة النبوية في حياة الإنسانية هي سنخ قضايا تسير بالإنسان سيراً تكوينياً وجودياً، وبذلك تكون ظاهرة النبوّة ذات انتماء حقيقي إلى دائرة البحث الفلسفي.

ومما يؤكّد ذلك أيضاً أن الملكات والصور التي تحصل للنفس الإنسانية تأتي من طريق الأفعال الاختيارية التي تنبعث عن اعتقاد الصلاح والفساد، والخوف والرجاء، والرغبة إلى المنافع والرهبة من المضارّ، ومن ثمّة نفهم العلاقة بين تبدّل الصور الوجودية للنفس وبين دعوة الأديان من التبشير والإنذار، فتكون سبباً لتكامل المؤمنين في سعادتهم وتكامل الظالمين في شقائهم وضلالتهم. وحيث إن الدعوة تحتاج إلى من يقوم بها، فيرتبط تكامل الإنسان من الناحية الوجودية ببعثة الأنبياء الذين يتحمّلون أعباء هذه الدعوة.

____________________

(۱) سورة الزلزلة: الآيات ۷ – ۸ .

(۲)الصدر، السيد محمد باقر (ت ۱۹۸۰م) الفتاوى الواضحة: ص۷۱، إعداد وتحقيق اللجنة التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، نشر مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، ط۱، ۱۴۲۳ هـ، قم.

(۳)الميزان في تفسير القرآن: ج۲ ص۱۵۰٫

الكاتب: السيد كمال الحيدري