عالمية النبوات ومحنة المرحلة الإسرائيلية

مر السير التاريخي للنبوات بثلاث مراحل هي

۱ـ مرحلة الظهور في مجتمع الشرك : وتبدأ هذه المرحلة من نبوة نوح ( عليه السلام ) ، وتنتهي بانتهاء نبوة إبراهيم ( عليه السلام ) .

۲ـ مرحلة الظهور في مجتمع التوحيد الظاهري المقرون بعنصرية شديدة : وتبدأ هذه المرحلة بنبوة موسى ( عليه السلام ) ، وتنتهي بنبوة عيسى ( عليه السلام ) .

۳ـ مرحلة عودة الظهور في مجتمع الشرك والعنصرية : وهي مرحلة الاسلام .

ويبتني هذا التصنيف التاريخي للنبوات على وجود ربط موضوعي بين الشرك والعنصرية اخذته هذه النبوات بنظر الاعتبار .

ويمكن ان يستدل على هذا الربط بجملة دلائل هي :

۱ـ قوله تعالى ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا آبانا على امة وانا على آثارهم مقتدون ) (۱) فدعوة التوحيد كانت تقابل دائما بالعصبية بحيث تشكل خط المواجهة الاول معها .

۲ـ قضية ابليس ، حيث يستفاد منها ان الله سبحانه عندما خلق آدم ، وأعطاه الخلافة ، شبت نار العصبية في ابليس ، ودفعته الى الاعتراض على إرادة الخالق ، فهي أول واكبر ما عصي به الخالق سبحانه وتعالى ، ومن هنا وصف القرآن ابليس واتباعه بالاستكبار وعبر عن اعداء خط النبوات وخط التوحيد بالمستكبرين ، ومعلوم ان الاستكبار من خصائص العنصرية .

والمدلول الاجتماعي لهذه العقيدة يتمثل في ان العصبية هي الخطر الأكبر الذي يواجه التوحيد وبما ان الشرك يمثل النقيض للتوحيد ، فلا بد من وجود علاقة ربطت بين العصبية الخطر الأكبر على التوحيد وبين الشرك بوصفه النقيض لهذه العقيدة .

۳ـ قوله تعالى ( أرايت من اتخذ الهه هواه ) (۲) فالهوى اله المعاندين للتوحيد ، وهو تعبير طريف عن العصبية للذات ضد الأخر حتى لو كانت الذات هي الهوى والأخر هو الله الخالق العظيم وهكذا تؤدي العصبية الى الانحراف عن التوحيد والوقوع في الشرك .

۴ـ الشواهد التاريخية : وتؤكد الشواهد التاريخية على الاقتران بين الشرك والعصبية في حياة الانسان ففي العصر الجاهلي اقترن شرك العرب بعصبيتهم المعروفة وفي تاريخ اليونان كانت الوثنية والعنصرية صفتين رئيستين فيه وفي العصر الحديث اقترن سقوط الكنيسة في أوروبا بظهور الفكر العنصري ، وبزخم واحد متعاكس فبقدر سقوط الكنيسة وانهيارها جاء بروز العنصرية وظهورها .

۵ـ سياسة النبوات : ومن الدلائل ايضا ، ما يظهر من الاثر الذي رتبته النبوات على هذه العلاقة ففي المرحلة التاريخية الاولى للنبوات كان المجتمع المعاند يواجه بعقوبة الاستئصال من قبل السماء ، وفي المرحلة الثانية ظهرت عقوبة التيه ، والمسخ ، واشباههما من العقوبات التي تحمل روح الاستئصال دون ان تاخذ شكله وفي المرحلة الثالثة اختفت العقوبة الكونية العاجلة ، وحلت محلها عقوبة تشريعية تحمل مضمون الاستئصال ، وهي الحكم بتخيير المشرك بين الاسلام والقتل ، وهكذا حافظت النبوات على عقوبة الاستئصال إزاء المشركين ، لكنها سارت فيها بتدريج متنازل من عقوبة الاستئصال الكوني الحقيقي الى عقوبة كونية أخرى تحمل روح الاستئصال دون شكله ثم الى عقوبة تشريعية تقوم على اساس مشابه وتخفيف العقوبة يكشف عن رسوخ قضية التوحيد بمرور الزمن ، وتناقص خطر الشرك عليها .

خصائص المرحلة الإسرائيلية

وطبقا لهذا التقسيم اختص بنو اسرائيل بمرحلة كاملة ضمن حركة النبوات في التاريخ وهذه ظاهرة مهمة تستاهل المزيد من الدراسة فلماذا اعطي بنو اسرائيل هذا الدور الكبير في حركة النبوات ؟ وما هي اسباب تأصل الانحراف فيهم الى الحد الذي لم يفلح معه عدد كبير من الانبياء بضمنهم اثنان من اولي العزم في انقاذ الاسرائيليين منه ؟ وغير ذلك من الاستفهامات التي لا تدخل في صلب هذه الدراسة .

والذي يهمنا هنا هو ان التحليل السابق للعلاقة بين العصبية والشرك توضح انهما وجهان لعملة واحدة ، احدهما اجتماعي ، وهو العصبية وثانيهما عقائدي ، وهو الشرك وان العلاقة بينهما لا تسمح بظهور توحيد حقيقي فاذا ما وجد كان وجوده ظاهريا زائفا كما هي صورة ( التوحيد اليهودي ) ، بل ان هذا الوجود يتمزق احيانا تحت ضغط العنصرية ، كلما وجد المجتمع نفسه في طريق يقتاده الى درجة اقوى من التوحيد ، فيبدي انتصارا صريحا للشرك على التوحيد ، كما نلمس ذلك من قول بني اسرائيل لموسى ( عليه السلام ) بعد ان جاوز بهم البحر ، وانظرهم آيات الله وحقانية التوحيد ، واصبح ينتظر منهم درجة اقوى من التصديق ، والاذعان قالوا له : ( اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال انكم قوما تجهلون ) (۳) وذلك لانهم راوا قوما يعكفون على عبادة اصنام لهم فاتخذوا ذلك المشهد حافزا للمناداة بشرك صريح ، عندما شعروا من موسى انه يسير بهم الى ايمان اقوى بالتوحيد على الرغم مما في عبور البحر من معجزة الهية حسية كبرى ، تثبت مصداقية التوحيد وحقانيته .

وهكذا اصبحت قضية التوحيد تواجه طريقا مسدودا وقبل هذا التاريخ كان الاجراء السماوي المألوف لمعالجة هذه الحالة ذا جانبين :

۱ـ الإعلان عن بدء نبوة تشريعية جديدة ، ورسالة جديدة من رسالات أولي العزم .

۲ـ توجيه عقوبة الاستئصال للمجتمع المتسبب في هذه الحالة ( قوم نوح ، هود ، صالح ) .

وقد تحقق الاجراء الاول بظهور نبوة عيسى ( عليه السلام ) اما الاجراء الثاني فقد تم تخفيفه ، وتحويله الى عقوبتين هما :

أـ عقوبة التيه اربعين عاما وهي عقوبة آنية انتهت في عهد موسى ( عليه السلام ) وبعدها لم تنقطع السماء عن اهتمامها ببني اسرائيل ، بل واصلت العناية بهم ، وظهر فيهم جملة من الانبياء ، حقق اثنان منهم الحكم وهما داود ( عليه السلام ) ، في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وسليمان ( عليه السلام ) في القرن العاشر قبل الميلاد وفي سنة ۵۸۷ ق م سقطت مملكتهم ، وحصل الاسر البابلي الذي تواصل نصف قرن اي حتى عام۵۳۶ ق م ، وهو تاريخ استيلاء كورش الفارسي على بابل ، وتخليصه لليهود من الاسر ، بما سمح لهم بالعودة الى فلسطين (۴) .

ب ـ عقوبة الوقوع تحت عذاب الاخرين وهي قوله تعالى : (واذا تاذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سؤ العذاب ) (۵) .

ويبدو من لسان هذه الاية انها اعلان عن نهاية الاهتمام السماوي ببني اسرائيل ، وابدال ذلك بعقوبة ابدية خالدة .

وهنا ملاحظتان جديرتان بالذكر :

۱ـ ان العقوبات الآتية التي وقعت على بني اسرائيل التيه ، المسخ قردة وخنازير تشترك مع العقوبة الابدية المتمثلة بالوقوع تحت عذاب الاخرين في جانب واحد هو العزل عن بقية المجتمع الانساني ، وتحريم الوصول الى موقع الصدارة في الحياة الانسانية ، وحشرهم في موقع ذيلي منها .

۲ـ ان الجانب المشترك في كل هذه العقوبات ، والمتمثل بالعزل والتذييل ، يشترك مع عقوبة الاستئصال ، التي نفذتها السماء بحق المجتمعات المشركة السابقة على بني اسرائيل قوم نوح ، قوم هود ، قوم صالح في جهة واحدة هي ان عقوبة المشركين كانت تتمثل في الاستئصال الجسدي فيما تمثل عقوبات بني اسرائيل استئصالا للموقع المعنوي الطليعي الذي منحتهم الرسالة السماوية اياه ، واستنزالا لهم من قمة الهرم الانساني ( واني فضلتكم على العالمين ) (۶) الى ما دون المستوى الانساني ( وجعل منهم القردة والخنازير ) (۷) اما الدرجة المادية الجسدية من الاستئصال فقد درئت عن هذا المجتمع ببركة ظاهر التوحيد الذي ظل قائما فيه وهو مما يكفي لعصمة دم الانسان من الهدر ، ولذلك التزمت شريعة الاسلام بان ترديد كلمة التوحيد وان كان لسانيا فقط يكفي لعصمة دم الانسان وحقنه وهكذا فان عقوبات بني اسرائيل العزل والتذييل وفرت لقضية التوحيد مجتمعا يزيد في سوادها على الارض ، بما يساعد على انحسار الشرك عنها من جهة ، وجنبت قضية العالمية سلبيات العنصرية اليهودية بحشر اليهود في زاوية بعيدة من المجتمع الانساني من جهة ثانية .

وليس أساس هذه العقوبات عنصريا ناظرا الى بني اسرائيل كقومية خاصة ، وانما كان عالميا ناظرا الى هؤلاء كشريحة من المجتمع الانساني تأصل الانحراف ، واتسع فيهم عموديا وافقيا .

نبوة موسى

في حدود القرن السادس عشر قبل الميلاد ، او القرن الثالث عشر قبل الميلاد على اختلاف التقديرات التاريخية ، انطلقت النبوة العالمية الثالثة من مصر وقد تميزت هذه النبوة باندكاكها الشديد بجماعة بشرية خاصة حتى بدت وكأنها نبوة محلية ويرى الحجة السيد محمد الصدر وجود مصلحتين للتركيز القبلي في دعوة موسى ( عليه السلام ) هما : ( الاولى : الانطلاق من الواقع الذي لم يكن يستسيغ فكرة العالمية وانما بدأ ( عليه السلام ) بالواقع وحاول رفعه قدر الامكان الى المستوى الواسع الثانية :ان شعب اسرائيل كان في اول الدعوة الموسوية وقبلها مضطهدا مقهورا من قبل الحاكم الظالم فرعون ، ومن هنا كان التاكيد على النقطة الرئيسة لظلم وتعسف الحكم الفرعوني يقتضي التركيز على بني اسرائيل بصفتهم اشد الناس ظلامة في ذلك العصر وقد كان اعطاء الفكرة الصريحة عن الظلم الفرعوني ضروريا للدعوة الموسوية لاجل ترسيخها في النفوس وكسب المؤمنين بها الى اوسع نطاق ممكن خارج القبيلة ايضا ) ولذلك ( فقد بقي فضل بني اسرائيل مقترنا بالطاعة ومنعدما عند الانحراف والعصيان ، وهذه التوراة طافحة بتهديدات موسى ( عليه السلام ) ومن بعده من الانبياء بالويل والثبور لبني اسرائيل اذا اتخذت طريق التمرد والعصيان ، وهذا هو موقف كل النبوات من المؤمنين والعصاة عادة ) (۸) والا فان عالمية الرسالة الموسوية امر تتظافر عليه جملة من الادلة وان موسى ( عليه السلام ) احد انبياء اولي العزم الذين لا يشك في عالمية نبواتهم وكان من اوائل المؤمنين به هم السحرة الذين لم يكونوا من بني اسرائيل ، كما ان فرعون نفسه لم يكن من بني اسرائيل ، ومع ذلك صرح القرآن الكريم بشمول نبوة موسى له قال تعالى : ( اذهب الى فرعون انه طغى ) (۹) كما انه لما عبر بالمؤمنين من مصر الى فلسطين اخذ بنشر دعوته بين القبائل المتوطنة هناك ، وسار على ذلك خلفه يوشع بن نون ، كما ورد ذلك في التوراة (۱۰) واضافة الى ذلك يعتبر موسى ( عليه السلام ) من اكثر الانبياء ذكرا في القرآن الكريم ، وكانت الشريعة التي جاء بها اوسع ما وصل الى الارض من شرائع سماوية حتى ذلك اليوم كما تميزت نبوته بكثرة الايات والمعجزات التي اظهرها الله سبحانه وتعالى على يديه .

ظهور فكرة الشعب المختار

ولكن على الرغم من تلك الامتيازات والعناية الخاصة ببني اسرائيل الى حدود قللت من بروز عمومية النبوة الموسوية اثبت الاسرائيليون عدم رغبتهم في الانسجام مع موسى ( عليه السلام ) في سعيه لانقاذهم واعلاء شانهم وحتى حينما طاوعوه في مجاوزة البحر التي اظهر الله فيها آياته لهم من انغلاق البحر لهم ، وغرق فرعون فيه لم يكن باطنهم ينطوي على اتباع حقيقي لموسى ( عليه السلام ) ولذلك بمجرد ان وصلت اقدامهم الى الشاطئ الاخر وراوا هناك قوما يعبدون صنما ، ادركتهم وثنيتهم القديمة التي اخذوها من المصريين كما هو شان المغلوبين الخانعين الذين يسايرون ظالميهم ويستوحشون من ترك العادات والتقاليد التي اخذوها عنهم ، قال تعالى : ( وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على اصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال انكم قوما تجهلون ) (۱۱) ، لقد كانت حالة الانحراف لديهم قوية ومتجذرة جعلتهم يسيئون الاستفادة مما قدمته النبوة الموسوية من امتيازات لهم ويجعلون نتيجتها عكسية ، فراحوا يتاولون الرعاية النبوية لهم في ضؤ تلك الحالة الامر الذي جعل انتقالهم من زعامة فرعون الى زعامة موسى ( عليه السلام ) انتقالا من ظلم وانحراف مسلط عليهم الى صورة انحرافية مبتكرة من قبلهم ولعل ابرز ما حرفوه من حقائق النبوة الموسوية انهم جعلوا الرعاية النبوية لهم اساسا لعنصرية مقيتة صاروا يواجهون الشعوب الاخرى بها ومن هنا نشات لديهم فكرة ( شعب الله المختار) التي لم ينطو التاريخ الانساني على ما هو اسواء منها ، فهي الفكرة التي أرست دعائم الصراع الطويل بين اليهود وبقية شعوب الارض ، والتي مسخت الديانة اليهودية وحولتها من ديانة سماوية الى اسواء معتقد عرفه الانسان في تاريخه فلم تصور اي ديانة الهها كما صورته اليهودية الها عنصريا بشعا ففي التوراة الحاضرة نقرأ النصوص الاتية :

( انا الرب الهكم الذي ميزكم عن الشعوب تكونوا لي قديسين لاني قدوس انا الرب وقد ميزتكم عن الشعوب لتكونوا لي ) (۱۲) .

( انك يا اسرائيل شعب مقدس للرب الهك اياك اختار الرب الهك لتكون له شعبا اخص من جميع الشعوب الذين على وجه الارض ليس من كونكم اكثر من سائر الشعوب التصق بكم الرب واختاركم ولا لانكم اقل من سائر الشعوب بل من محبة الرب اياكم ) (۱۳) .

( وظهر الرب لابرام ابراهيم وقال لنسلك اعطي هذه الارض ) (۱۴) .

(واقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في اجيالهم عهدا ابديا لاكون الها لك لنسلك من بعدك واعطي لك ولنسلك من بعدك ارض غربتك كل ارض كنعان ملكا ابديا واكون الههم ) (۱۵) .

ويبرر اليهود امتيازهم ذاك بان الله تعالى لما تجلى لموسى في سيناء جعل بينه وبين اسرائيل عقد زواج وكانت السماوات والارض شهودا له (۱۶) وينص التلمود على انه يجب على كل يهودي ان يبذل جهده لمنع تسلط باقي الامم في الارض لتصير السلطة الى اليهود وحدهم ، وان الاسرائيلي مقرب عند الله اكثر من الملائكة ، وان اليهودي جزء من الله فاذا ضرب غير اليهودي يهوديا فكأنه ضرب العزة الالهية ، وان الفرق بين اليهودي وغيره هو بقدر الفرق بين الانسان والحيوان ، وان من العدل ان يقتل اليهود كل أممي غير يهودي لانه بذلك يقرب قربانا الى الله (۱۷) ويذكر ان اليهود لا يقرون بكل علاقة تربط بين ابراهيم ( عليه السلام ) وبين غير العبريين ، ويرون انفسهم الورثة الوحيدين لرسالة ابراهيم ( عليه السلام ) لانهم نسله في الارض .

والذي يتمعن في دراسة هذه النصوص والافكار يشعر بان هناك حقيقة نبوية عالمية جرى تحريفها وليست تلك الافكار الا صورة محرفة لمفاهيم دينية أصيلة قائمة في الديانات السماوية كافة وهي ان الله سبحانه وتعالى يرى السيادة على الارض حقا خالصا للمؤمن ، وحرما الهيا لا يجوز للكافر الاقتراب منه ، بل ان للمؤمن حق الاولوية في الحياة والانتفاع بالمكاسب الدنيوية وهما حقان نابعان من مصلحة التوحيد والرسالة في الارض ، فان في اسناد السيادة على الارض للمؤمن واعطائه حق الاولوية في الحياة يوفر مصلحة كبرى لقضية الرسالة والتوحيد في الارض ومن ثم فهما مفهومان عالميان لا عنصريان ولما جاءت نبوة موسى ( عليه السلام ) وارتبط بها بنو اسرائيل كان من الطبيعي ان يكونوا معنيين بهذين المفهومين والحقين ، لا بما هم جماعة عرقية وانما بما هم جماعة ايمانية .

ولكن صفة الاكثرية التي كانوا يحملونها من بين قواعد نبوة موسى ( عليه السلام ) من جهة ، وقوة الشعور العنصري لديهم من جهة ثانية ، جعلهم يحرفون هذين المفهومين وينقلونهما من اطارهما العالمي المستند لصفة الايمان الى اطار عنصري مستند لصفة العرق والجنس ، ولذلك فان القرآن يصدق مقولة وعد الله لبني اسرائيل قال تعالى : ( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ) (۱۸) .

( يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين ) (۱۹) .

ولكنه ينكر ان يكون ذلك الوعد والتفضيل عنصريا عرقيا ويراه على العكس من ذلك تماما ايمانيا عالميا يقوم على اساس اعطا المؤمن حق السيادة ، وحق الاولوية في الحياة بعد تحريمهما على الكافر ، وقد اعطي لهم ذلك بما كانوا يحملونه من صفة الايمان ولما تخلوا عنها ونزعوها من انفسهم حجب الله عنهم هذين الحقين ، والبسهما قوما آخرين وانكر عليهم ادعاهم باستمرار استحقاقهم لهما قال تعالى :

( وقالت اليهود والنصارى نحن ابنا الله واحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق ) (۲۰) .

( وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ) (۲۱) .

( وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى تلك امانيهم ) (۲۲) .

وقد صرح القرآن الكريم في اكثر من موضع بان الله قد اخذ من بني اسرائيل موثقا على التوحيد والاستقامة الا انهم نقضوا ذلك الميثاق الا قليلا منهم وكان جزاؤهم من الله اللعنة (۲۳) وقد قال في ذمهم : ( الم تر الى الذين يزكون انفسهم بل الله يزكي من يشاء ) (۲۴) فكان جزاؤهم من الله ان : ( تاذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سؤ العذاب ان ربك لسريع العقاب وانه لغفور رحيم ) (۲۵) .

وليس مستبعدا ان تكون فكرة شعب الله المختار قد ساعد على ظهورها لدى اليهود تاثرهم بالمصريين القدماء ، الذين يحكى انهم كانوا يتصورون انفسهم وحدهم اناسا ، وانهم أبناء الشمس وشعب الاله ، وانهم صورة من ربهم الاكبر حيث تشكلوا من لحمه ، وخلقوا من عينه ، ونزلوا من دموعه ، وان لهم الحق في استرقاق غيرهم من الشعوب (۲۶) .

العالمية والقومية في عصر الرسالة الموسوية

وتجدر الإشارة هنا الى ان نبوة موسى ( عليه السلام ) شهدت ظهور تطور مهم على صعيد العقائد وهو عبادة المصريين لملكهم فرعون ، وكان ذلك التطور قد بدا بالظهور في الشام منذ ايام الرسالة الابراهيمية حيث حكى القرآن ادعاء نمرود للالوهية ، الا ان التركيز كان لا يزال الى جانب الاصنام والكواكب ، ولذا كانت الإشارة الى الوهية نمرود المدعاة اشارة عابرة ولكن الأمر انعكس تماما في نبوة موسى فاصبح التركيز الى جانب الوهية فرعون ، وجاءت الاشارة القرآنية الى عبادة الاصنام في عهد نبوة موسى ( عليه السلام ) عابرة ، وهذه ظاهرة جديرة بالدرس والتحليل .

فعبادة الملك ظهرت في الشام اولا ولكنها لم تشتد الا في مصر فهناك نوع جديد من الالهة بدأ يغزو الساحة الانسانية وهم الملوك ، وهذا تحول ينبئ بان العصبية القبلية لم تعد وحدها سيدة الموقف على الساحة الاجتماعية ، وان هناك عصبية اوسع نطاقا منها اخذت تنافسها في الظهور وهي العصبية القومية الاقليمية وكان ذلك التطور افرازا طبيعيا لتطور اكبر منه ، كنا قد اشرنا اليه ، وهو نشؤ الإمبراطوريات الواسعة التي انطلقت من العراق ومصر ، وكانت بوادر التوسع في العصبية قد ظهرت في الهند ايضا حيث برز نظام الطبقات الهندوسي الذي قسم المجتمع الى الكهنة وهم ارقى الطبقات ثم النبلاء والمحاربين ثم طبقة ارباب المهن واخيرا طبقة الجذم وارباب الحرف الصغيرة ، ولا تزاوج ولا اختلاط بين هذه الطبقات لان الابناء سيولدون ملعونين (۲۷) .

وفي اوروبا ظهرت العنصرية بابشع صورها على ايدي اليونانيين الذين حولوها من ممارسة ساذجة الى فكرة ( مفلسفة ) فارسطو (۳۸۴ ـ ۳۲۲ ق م ) يرى نظام الرق مشروعا ، فكما يحكم العقل البدن كذلك يجب ان يحكم الاذكياء من لا يتفوقون على غيرهم الا في قوة الجسم (۲۸) ويرى العبد آلة بشرية لا يمكن الاستغناء عنها حتى يحل اليوم الذي تدير فيه الالات الجامدة نفسها بنفسها (۲۹) وكان يعتقد بان الله خلق فصيلتين من الناس ، فصيلة مزودة بالعقل وهي فصيلة اليونانيين ، وفصيلة لم يزودها الا بقوة الجسم وهؤلاء هم البرابرة اي ما عدا اليونانيين من بني آدم ليكونوا عبيدا للفصيلة العاقلة المختارة يقول ويل ديورانت ان اليوناني : ( يشعر بانه اذا اريد الغاء الرق وجب الغاء اثينا من الوجود ) (۳۰) .

وكانت الحرب المصدر الرئيس للرق ، وتؤدي احيانا الى استرقاق شعوب بكاملها من ذلك ما فعله الاسبرطيون مع الشعب الهلياني في منطقة لاكونيا بعد الانتصار عليهم حيث ضربوا الرق على هذا الشعب باكمله مما ادى الى ظهور ما دعي باسم حركة الارقاء ، وذلك قبل الميلاد باربعة قرون وقد بلغ الارقاء في روما بين سنتي (۱۴۴ ـ ۲۳۵ ق م) حدا بحيث صار لكل روماني ثلاثة ارقا ، فقامت حركة العبيد سنة ۷۴ ق م بقيادة سبارتكوس وكان معه ۷۰ الف من الرقيق (۳۱) .

اما افلاطون فيرى في (الجمهورية ) الغربا برابرة ، وكانت اثينا تعامل غير الاغريق كبرابرة عبيدفي احسن الاحوال .

فيما اطلق بوليب (۲۰۵ ـ ۱۲۵ ق م ) فكرة الشعب الروماني المختار ودعا الى فرض فكرة تضامن ضروري بين الشعوب المغلوبة وغزاتها (۳۲) .

على ان الساحة لم تكن نهبا لمسابق واحد ، فعلى الطرف الاخر ظهر تطور مقابل للاول ومواز له في الاهمية ففي جنوب شرق آسيا بدات الافكار العالمية تذر قرنها بقوة فهذا كنفوشيوس (۵۵۱ ـ ۴۷۹ ق م ) ينادي : ( كل الناس اخوة فلا تمييز عنصري ولا مكانة اجتماعية فكل انسان هو الانسان ولا واحد منهم حيوان وآخر اله ) (۳۳) وكان يحلم بتحقيق جمهورية التوافق العظيم ، وقد اثر عن احد تلامذته القول : (ما بين البحار الاربعة جميع الناس اخوة ) (۳۴) .

وفي القرن السادس قبل الميلاد نشر بوذا (۵۶۳ ـ ۴۸۳ ق م) تعاليمه ذات الابعاد العالمية الواضحة (۳۵) وقبله باربعة قرون ظهرت الزرادشتية في فارس وهي تحمل ملامح توحيدية بارزة .

اما في اوروبا فقد ظهر ماس السوفسطائي ينشر بين اليونانيين افكارا عالمية (۳۶) ومثله اكسينوفان الذي اظهر قبل الميلاد بعدة قرون افكارا تشبه الافكار التوحيدية (۳۷) كما ظهر الاسكندر المقدوني (۳۵۶ ـ ۳۳۴ ق م) كابرز داعية للوحدة العالمية وقد عمل على تطبيق بنود دعوته لما غزا فارس وتمكن من حكمها ودعا الى الاختلاط بشعبها حتى تذوب الفوارق العنصرية بين الشعبين يتحدث ه ج ويلز عن اعمال الاسكندر ويصفها بانها : ( اول وحي اوحي الى الخيال الانساني عن وحدة الشؤون البشرية ) وهو قول مبالغ فيه بلا شك من جهة كون تلك الاعمال الاولى من نوعها فقد سبق الانبياء ( عليه السلام ) الاسكندر الى تنبيه الفكر الانساني ، وتوجيهه بهذا الاتجاه كما راينا .

وكان اهم تطور ظهر في هذا الاتجاه هو ظهور المدرسة الرواقية التي تبنت الفكرة العالمية بحماسة ، وجعلتها اساس فلسفتها التي كانت اكثر عمقا واتساعا من فلسفة ارسطو العنصرية ، وكان ذلك في عام ۳۴۰ ق م على يد زينون الذي كان يدرس في رواق (استوا) باثينا فجات التسمية بالرواقية من هذه الجهة .

وتزعم المدرسة من بعده مفكرون لم يكونوا اقل شهرة منه مثل شيشرون (۱۰۶ ـ ۴۳ ق م) وسنيكا (۴۰ ـ ۶۵ ق م) وسسرو ( ولد سنة ۱۰۶ ق م) ويؤخذ من النصوص التاريخية حول هذه المدرسة انها كانت في غاية الرقي الفكري ، فمفهومها عن الدولة العالمية يستند الى الايمان بالله تعالى ، وعندها ان الافراد كانوا يعيشون حياة واحدة ويسلكون سلوكا واحدا فهم جميعا مواطنون عالميون ينتمون الى مدينة عالمية واحدة ويذهب الرواقيون في تفسير مذهبهم الى الفصل بين نوعين مختلفين من المدن :

الاول : تلك التي يولد فيها الفرد اي مسقط راسه .

الثاني : هو المدينة الا بعد مدى والأوسع آفاقا ، وهي الجمهورية التي ينتمي اليها البشر والالهة ، ولا تحدها الا الشمس في دورانها ، وهذه هي المدينة العالمية التي تتسم بان السيادة فيها للقانون الطبيعي وهو القانون العالمي .

وفيما كان ارسطو يميز بين عروق الشمال الشغوفة بالحرية ولكنها بغير ذكاء وعروق الشرق الذكية لكنها بلا اخلاق والعرق الهليني المتوسط الذي يجمع الذكاء الى الشغف بالحرية (۳۸) دعا زينون الى جمهورية مبدؤها ان لا يتفرق الناس الى مدن وشعوب لكل منها قوانينه الخاصة (۳۹) وكان كل رواقي يدعو الى الدولة العالمية التي تكون الجنسية فيها حقا لجميع البشر لانها تعتمد على العقل وهو صفة شائعة بين البشر .

يقول ويل ديورانت يرفض الرواقي : ( كل وطنية تقف في سبيل ولائه للانسانية باجمعها فهو والحالة هذه مواطن عالمي ، وكان زينون يتوق كما يتوق الاسكندر لتحطيم الحواجز العنصرية والقومية ، وان نزعته الدولية لتكشف عن فكرة الاسكندر ، التي كانت آخذة في الزوال وهي فكرة توحيد بلاد شرق البحر الابيض المتوسط وكان زينون وكريسبوليس يأملان في آخر الأمر ان يحل مجتمع واحد كبير محل تلك الدول والطبقات المتطاحنة ويكون فيه الناس جميعا إخوة لانهم ابناء اله واحد ) (۴۰) ولقد لاقت الرواقية نجاحا منقطع النظير في الاوساط الشعبية والدوائر السياسية على حد سواء وكان لذلك اثر سلبي على افكار ارسطو وافلاطون العنصرية حيث انها تراجعت امام سيل جارف من الاراء التي تنادي بوجوب تحقيق المدنية العالمية وستظل الرواقية حتى القرن الثاني بعد الميلاد تؤلف الفلسفة التي لا تدانى ، والمورد الكبير للافكار السياسية والحركة الفكرية المهيمنة على بلاط الملوك ، وفي الدوائر المثقفة للجمهورية الرومانية ، ثم اخيرا بين أعيان الامبراطورية الرومانية (۴۱) .

ويلخص لنا هج ويلز كل ما حصل من تطور واتساع للنزعة العالمية آنذاك بقوله : ( فمنذ الفين واربعمائة من السنين وبعد ان انقضت ستة او سبعة او ثمانية آلاف من السنين على بقاء حوائط المدن السومرية ظهرت في العالم فكرتا الوحدة الخلقية للبشرية والسلام العالمي ) (۴۲) وهما فكرتان ما كان بامكان العالم ان يتوصل اليهما لولا ما قدمه الانبياء من عقائد وجهود ومناهج .

نبوة عيسى

تطلعنا فيما سبق الى المجتمع اليهودي وما اصيب به من انحراف وتقهقر وصل به الى ان يحوم حول الشرك بل يتردى فيه ويعود التوحيد لديه لباسا رقيقا ترتديه على جلدة سميكة من الشرك التي فارقت ذلك الثوب في احدى المرات واعلنت عن وجود صريح ونقصد بتلك الجلدة وصول العنصرية الى اعلى مراتبها على ايدي اليهود كما وكيفا الى حد لم تفلح معه العناية السماوية الخاصة بهم ، والرامية الى انقاذهم مما تردوا فيه ، والتي عبر عنها القرآن الكريم بقوله : ( واني فضلتكم على العالمين ) (۴۳) والتي كان اهم جوانبها يتمثل في بعث عدد من الانبياء اكبر بكثير مما بعث الى الامم الاخرى لم تفلح هذه العناية في انقاذهم من الانحراف الذي وقعوا فيه ، وظل الانحراف مترسخ الجذور فيهم الى حدود جعلتهم يعطون رؤية عنصرية حتى للحقائق التوحيدية في حين ان تلك العناية لم يفهموا منها اي معنى اصلاحي لهم بل فهموا منها دليلا على حقانية توجههم العنصري ، وان السماء تبارك لهم في ذلك .

وقد قدر لنبوة المسيح ( عليه السلام ) ان تنطلق كسابقاتها من مجتمع كان يمثل اعتى بؤر العنصرية على الساحة الانسانية ، وكان امد الضلال قد طال عليهم فقست قلوبهم فهي كالحجارة او اشد قسوة لتكون النبوة العالمية الثانية التي تبعث فيهم وتبدأ انطلاقتها منهم ضمن التحول الجديد الذي طرأ على منهاج العمل النبوي فقبل موسى ( عليه السلام ) كانت النبوات تبعث في اقوى نقاط الشرك على الارض غير ان الخدمات التي قدمها ابراهيم ( عليه السلام ) لقضية التوحيد جعلت العمل النبوي ينطلق من مواقع ذات سمات جديدة وان كانت تقع على امتداد المواقع السابقة وكان الموقع الجديد يتمثل باقوى المجتمعات اتصافا بالعنصرية وهو المجتمع الاسرائيلي الذي تواصلت النبوات فيه من زمن موسى الى عهد عيسى ( عليه السلام ) مدة ثلاثة عشر قرنا لتكافح الوثنية في مخبئها وجذورها الذي لمسنا وجوده في العنصرية حتى انتهى الامر الى نبوة المسيح ( عليه السلام ) التي ركزت كثيرا على العامل الاخلاقي والروحي لتعيد التوازن المفقود الى المجتمع الاسرائيلي الذي خلف الغيب وراء ظهره واستقبل المادة استقبالا تاما .

لقد دعت المسيحية الى الاخوة والمحبة لتعالج عقدة الحقد اليهودي ضد غير اليهودي ، واعتبرت الحب جوهر العبودية مقابل ندا اليهود للبغض والكراهية ورفعت لواء المساواة والانسانية امام الشعار اليهودي القائل بان اليهود شعب الله المختار وطالبت بالتواضع بعد ما امتلأ اليهود بالتكبر وآمنت بان الله رب العالمين بعد ما جعله اليهود ربهم الخاص بهم ودعت الى الزهد والتقشف امام تعلق اليهود بالمال وحبهم الشديد للدنيا .

غير ان النتيجة لم تكن أفضل من السابق فقد ظل المجتمع اليهودي يتشبث بخصائصه وسلبياته راغبا في ذلك عن كل محاولات التغيير والإصلاح النبوي قال تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه ) (۴۴) .

وقال تعالى : ( وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى ) (۴۵) .

فهاتان الايتان تعكسان اثرا يهوديا سلبيا يمثل خلاصة العنصرية اليهودية كان قد ظهر في النصارى وهذا ما يؤكد ان المجتمع اليهودي وصل نقطة اللاعودة عن الانحراف وان الاجراء المطلوب لا بد وان يستهدف حماية المجتمع الانساني من التاثيرات اليهودية السلبية بدلا من استهداف اصلاح المجتمع اليهودي ، وان ياخذ شكل العقوبة الدائمية لليهود ، وهذا ما حققته العقوبة الثانية وهي عقوبة الوقوع تحت عذاب الاخرين .

العالمية والقومية في عصر الرسالة المسيحية

هكذا كان مصير بني اسرائيل في ظل النبوة المسيحية ، اما مصير المسيحية نفسها فان الشعارات الروحية المركزة التي حملتها والتي تقول :

( سمعتم انه قيل عين بعين سن بسن واما انا فاقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر ومن اراد ان يخاصمك وياخذ ثوبك فاترك له الرداء ومن سخرك ميلا فاذهب معه اثنين ) (۴۶) .

( واقول لكم ان مرور جمل في ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني ملكوت الله ) (۴۷) .

هذه الشعارات وغيرها التي اثرت عن المسيح ( عليه السلام ) لم تقنع زمرة من رجال الدين المسيحي الذين جاؤا فيما بعد فكثير منهم عشقوا النفوذ والسلطان واخذوا ينحون نحوها مما اثار حفيظة الملوك والامراء عليهم ، وقام نزاع بين هاتين القوتين وبعدها تم الوفاق بينهما فاخذت الكنيسة سلطة بيع صكوك الغفران واصدار قرارات الحرمان وصار الملوك سادة يحكمون الامبراطوريات باسم البابوات وهكذا اخذت معاني الطهر والزهد والتزكية تخبو من المسيحية شيئا فشيئا ، واخذت الكنيسة تخلط بين اخلاق المسيحية ورذائل السياسة ، ففيما يعلن بولس الرسول ايمانه بعالمية الرسالة المسيحية ، وذلك في رسالته الى اهل غلاطية ، يقول فيها : ( ليس بعد اليوم يهودي ولا يوناني لا عبد ولا حر لا ذكر ولا انثى لانكم جميعا واحد في المسيح يسوع ) (۴۸) وفيما يدافع القديس اوغسطين (ولد سنة ۳۵۴ م) عن المساواة ويؤمن بالرواقية ويتبنى فكرة المجتمع العالمي ضمن فكرته عن مدينة الله ومدينة الارض نجد هذين الزعيمين وغيرهما من زعماء النصارى يدافعون عن نظام الرق ، وينظرون له بلا حدود ففي رسالة الى اهالي احدى المدن المسيحية يوصي بولس الرسول العبيد بطاعة السادة ، وعدم الخروج عن اوامرهم بينما يعتبر اوغسطين الرق وليدا لخطيئة آدم وان الارقا ملوثون بها ويتحملون وزرها (۴۹) اما القديس باسيلوس فيوصي الارقا : ( اني لانصحك بالبقاء في الرق حتى ولو عرض عليك مولاك تحريرك فانك بذلك تحاسب حسابا يسيرا لانك تكون خدمت مولاك الذي في السماء ومولاك الذي في الارض ) وهذا ما سيغلب على موقف الكنيسة من نظام الرق بشكل دائم ، وسنجد القديس توما الاكويني (۱۲۲۵ ـ ۱۲۷۴) ابرز فلاسفة الكنيسة المتاخرين يقرر بوضوح : ( ان الطبيعة خصصت بعض الناس ليكونوا ارقاء ) (۵۰) سائرا في ذلك على فلسفة ارسطو في الرق تقول الكاتبة الزنجية الاميركية مارغريت جوست توتشر في كتابها (السود في اميركا) : ( لقد حملت الكنيسة للزنج هدهدة روحية واستند الى كرمها الاخلاقي في ترسيخ قواعد العبودية وجعلها واقعا معنويا لا يرد) (۵۱) وهكذا كان الرق نظاما تجنده الكنيسة وتنميه ، وهو ما لم يكن مقررا في اصولها ، بل كان المقرر عندها قبل ذلك القبول بالرق على مضض وتشجيع العتق واعتباره من اعمال البر (۵۲) .

ومن المعلوم ان المدة التي عاشها بولس الرسول كانت فيها الدولة الرومانية تسترق شعوبها بكاملها ، وكان من الضروري ان تظهر الكنيسة دعمها وتاييدها لهذا الموقف البشع ، لانها كانت تابعة من الناحية العملية للامبراطورية الرومانية ، ولم يكن تنصر الامبراطور الروماني قسطنطين عام۳۰۶ م واعلانه للمسيحية دينا رسميا للدولة سوى محاولة لكسب المزيد من النفوذ والسلطان يقول عبد الجبار الهمداني : ( ان الروم ما تنصرت ولا اجابت المسيح بل النصارى ترومت وارتدت عن دين المسيح وعطلت اصوله وفروعه وصارت الى ديانة اعدائه ) (۵۳) .

ويؤكد جلانفيل داوني : ( ان قسطنطين نجح في ادخال الكنيسة في الدولة اما الدولة من حيث هي دولة فلم تدخل بدورها في الكنيسة وبهذا دخلت الكنيسة الى الدولة حسب شروط الدولة ) (۵۴) .

لقد وجدت كل من الكنيسة والامبراطورية الرومانية في الاخر الوسيلة الافضل للتوسع والانتشار ، فالكنيسة بما تمثل من ديانة عالمية وجدت في صاحبتها الوسيلة المثلى للانتشار ، كما وجدت الامبراطورية الرومانية بما هي امبراطورية تسعى الى تعميق نفوذها وبسطه على امم وشعوب اخرى في الكنيسة العقيدة المثلى التي تحقق لها هذا الطموح وعلى اساس هذا التوجه الديني السياسي المزدوج قامت الفكرة العالمية في اوروبا ، ووصلت الى اوج قوتها وكانت احداهم المحاور التي تمحورت القرون الوسطى حوله ، وكانت فكرة مريضة لذا كان الفشل مصيرها الدائم .

يقول ويلز ان : ( تاريخ اوروبا من القرن الخامس الى القرن الخامس عشر يتكون على نطاق واسع جدا من الفشل في تحقيق الفكرة العظيمة باقامة حكومة عالمية ) (۵۵) ويقول ايضا : ( لقد عجزت اوروبا من القرن الخامس الى القرن الخامس عشر عن تحقيق فكرة الحكومة العالمية ) (۵۶) فمع ان الفشل قد حالفها الا انها ظلت حافزا قويا لتجارب مستانفة تواصلت لعشرة قرون .

يقول السير جون م هاملتون : ( لقد سعت الكنيسة الرومانية الى ترويج فكرة مملكة الهية تشمل العالم كله فاذا كانت الفكرة الرومانية القديمة الخاصة بامبراطورية عالمية وتنظيم امبراطوري روماني موجود اليوم في اي مكان من العالم الحديث فانها توجد في فكرة الكنيسة الكاثوليكية ) (۵۷) ذلك ان كلمة كاثوليك هي بمعنى العالمي ، وتذكر المصادر التاريخية ان البابا اينوسنت الثالث صرح بان المسيح استودع بطرس الرسول بعض شؤون الكنيسة العالمية وحكم العالم كله ايضا ، وكان ذلك ايذانا بظهور المسيحية كعقيدة ينبغي على المسيحيين نشرها في العالم وتكون اساسا لامبراطورية مسيحية عالمية ، ومن هنا نشات فكرة الامبراطورية الرومانية المقدسة التي يكون فيها الامبراطور حاكما ومرشدا للشؤون الدنيوية في العالم كله (۵۸) .

وسيظل هذا الاتجاه نافذا في العالم المسيحي حتى طلائع النهضة الاوروبية التي كانت حركة الاصلاح الديني في المانيا بداية لها ، حيث انفصلت الكنيسة الالمانية عن الكنيسة الكاثوليكية ليعلن فيما بعد عن تشكيل مذهب جديد باسم المذهب البروتستانتي وتكررت الحادثة في تجربة اخرى مشابهة في بريطانيا اسفرت عن ظهور المذهب الانجليكاني ، وكلاهما يمثلان عملية انسلاخ ‌قومي الماني وانجليزي عن الكنيسة الكاثوليكية التي احتفظت بطابعها العالمي حتى هذا اليوم ولوعلى المستوى الرسمي .

وفي عصر هذه النبوة ظهرت آثار وضعية لفكر عالمي وآخر عنصري ومن الاول أفكار مزدك الذي ولد في بلاد فارس عام ۴۸۷ م ودعا الى المساواة بين الناس وضرورة عدم التفريق بينهم ومن الثاني ظهور قانون الشعوب الروماني الذي وضعه جوستنيان امبراطور الرومان الشرقيين (۵۲۷ ـ ۵۶۵ م) والذي نص على ان السيادة للرومان وحدهم وان الاخرين تفرض عليهم السيادة وان العبد اذا ارتكب جريمة تضاعف العقوبة عليه (۵۹) وهو قانون كيف بحيث يستطاع به الحكم على الشعوب التابعة للامبراطورية الرومانية الشرقية (۶۰) .

____________

۱ـ الزخرف : ۲۳ .

۲ـ الفرقان : ۴۳ .

۳ـ الاعراف : ۱۳۸ .

۴ـ دائرة معارف القرن العشرين ۱: ۲۸۰ (محمد فريد وجدي ) .

۵ـ الاعراف : ۱۶۷ .

۶ـ البقرة : ۴۷ .

۷ـ المائدة : ۶۰ .

۸ـ اليوم الموعود: ۴۶۰ (السيد محمد الصدر) .

۹ـ طه : ۲۴ .

۱۰ـ اليوم الموعود: ۴۶۰ .

۱۱ـ الاعراف : ۱۳۸ .

۱۲ـ سفر اللاويين : ۲۰, ۲۴ ـ ۲۶ .

۱۳ـ تثنية ۷: ۶ ـ ۸ .

۱۴ـ سفر التكوين , الاصحاح : ۱۲ ـ ۷ .

۱۵ـ المصدر السابق : ۱۷ ـ ۷, ۸ .

۱۶ـ مقارنة الاديان ۱: ۱۹۳ (احمد شلبي ) .

۱۷ـ المصدر السابق : ۲۵۲ ـ ۲۵۴ .

۱۸ـ القصص : ۵ .

۱۹ـ البقرة : ۴۷ .

۲۰ـ المائدة : ۱۸ .

۲۱ـ البقرة : ۸۰ .

۲۲ـ البقرة : ۱۱۱ .

۲۳ـ البقرة : ۶۳, ۸۳, ۹۳, والمائدة : ۱۲, والاعراف : ۱۶۷ .

۲۴ـ النساء : ۴۹ .

۲۵ـ الاعراف : ۱۶۷ .

۲۶ـ الامة الانسانية : ۸۱ (احمد حسين ) .

۲۷ـ المصدر السابق : ۷۳٫

۲۸ـ قصة الحضارة ۷: ۵۱۱ (ويل ديورانت ) .

۲۹ـ المصدر السابق : ۶۸ .

۳۰ـ المصدر السابق .

۳۱ـ نظرات اسلامية في مشكلة التمييز العنصري : ۴۰ ـ ۴۵ (محمد عودة الخطيب ) .

۳۲ـ تاريخ الافكار السياسية ۱: ۱۰۷ (جان توشار) .

۳۳ـ مذاهب ومصطلحات فلسفية : ۷۵ (محمد جواد مغنية ) .

۳۴ـ تاريخ الانسانية : ۹۰ .

۳۵ـ المصدر السابق : ۸۳ .

۳۶ـ قصة الحضارة ۷ : ۶۸ .

۳۷ـ الامة الانسانية : ۹۹ (احمد حسين ) .

۳۸ـ تاريخ الافكار السياسية ۱: ۷۱ .

۳۹ـ المصدر السابق : ۸۸ .

۴۰ـ قصة الحضارة ۸: ۱۸۵ .

۴۱ـ تاريخ الافكار السياسية ۱ : ۸۴ .

۴۲ـ معالم تاريخ الانسانية ۲: ۲۹۶ .

۴۳ـ البقرة : ۴۷ .

۴۴ـ المائدة : ۱۸ .

۴۵ـ البقرة : ۱۱۱ .

۴۶ـ مقارنة الاديان ۳: ۳۷, ۳۸ .

۴۷ـ المصدر السابق .

۴۸ـ الاصحاح الثالث : ۲۸٫

۴۹ـ اساطين الفكر السياسي : ۱۰۶ (الدكتور حسن شحاتة سعفان ) .

۵۰ـ نظرات اسلامية في مشكلة التمييز العنصري : ۶۲ .

۵۱ـ المصدر السابق : ۶۴٫

۵۲ـ تاريخ العالم ۴ : ۱۷۱ (السير جون م هاملتون ) .

۵۳ـ تثبيت دلائل النبوة ۱ : ۱۶۸ (تحقيق عبد الكريم عثمان ) .

۵۴ـ نظرات اسلامية في مشكلة التمييز العنصري : ۶۳ .

۵۵ـ المذاهب الكبرى في التاريخ : ۲۹۳ (البان ج ويدجيري ) .

۵۶ـ معالم تاريخ الانسانية : ۷۱۵ .

۵۷ـ تاريخ العالم ۴ : ۲۶۵ .

۵۸ـ الدولة العربية الاسلامية : ۶۲ (علي حسين الخربوطلي ) .

۵۹ـ نظرات اسلامية في مشكلة التمييز العنصري : ۴۴ .

۶۰ـ قصة الحضارة ۱۰ : ۳۸۵ ـ ۳۸۶ .