۳۳۹

عبد القادر الصقري – السودان – مالكي

ولد سنة ١٣٩٩ه ، (١٩٧٩م)، في الجيلي بالسودان، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب أكمل الدراسة الإعدادية، وانتمى إلى جامعة القرآن الكريم كلية الدعوة والإعلام. اعتنق مذهب الشيعة الإمامية سنة ١٤١٥ه ، (١٩٩٥م)، ودرس في الحوزة العلميّة لعدّة سنوات.

بداية الطريق مع الحسين عليه‏ السلام:

يقول الأخ عبد القادر: ﴿كان لخالي صديق شيعي، يأتي لزيارتنا في البيت بين فترة وأخرى، وكانت تدور بيننا مناقشات مطوّلة حول التاريخ الإسلامي ورموزه.
وأتذكّر أنّ بداية البحوث كانت حول قضيّة الإمام الحسين عليه السلام والظلم الذي لحق الإسلام عموماً، وأهل البيت عليهم‏السلام خصوصاً باستشهاده على يد الظالمين من بني أُميّة وأتباعهم﴾.

الحسين عليه‏ السلام أسقط الأصنام:

إنّ الحسين عليه السلام رفض بيعة يزيد الذي فُرضت خلافته على المسلمين بالقهر والحيلة، حيث عبّر عن ضمير الأمّة، فمن ينظر إلى عظمة الإسلام وسموّه، وقداسة الرسول وارتباطه بالوحي الإلهي هل يقبل بخلافة يزيد ـ شارب الخمور، وربيب العهر، والمعلن بالفجور، واللاعب بالقرود ـ لرسول اللّه‏؟!
نعم لقد كانت الأمّة رافضة ليزيد، ولكنّها قُهرت واستُعبدت فرضخت للأمر الواقع، لكن هل كان يحقّ لمثل الحسين عليه السلام ربيب الرسالة وسبط الرسول السكوت والبيعة لفاسق مثل يزيد؟!
لقد رفض الحسين بيعة الفاسقين، لكنّهم لم يتركوه، ولم يستعملوا معه الرفق والمداراة لمكانته من رسول اللّه‏، ولاحترام المسلمين العظيم له، بل ألجأوه إلى الخروج عليهم رغم قلّة الناصر، وضعف المُعين، وهذا ممّا يدلّل على حقدهم على الدين الإسلامي الوليد، وسعيهم في استئصال حَمَلته وأركانه من أهل بيت النبيّ صلّى اللّه‏ عليه وآله، رغم ادّعائهم خلافة الرسول، وهم الذين حاربوا الإسلام من اليوم الأوّل، فكان أبو سفيان خصم رسول اللّه‏، وكان معاوية خصم عليّ عليه السلام، وكان يزيد للحسين عليه السلام قاتلاً، ولعيالات رسول اللّه‏ سابياً.

الصحابة وأمّهات المؤمنين:

يواصل الأخ ﴿عبد القادر﴾ الكلام: تطوّر البحث بيننا، وتناول الصحابة وأمّهات المؤمنين، وإذا كان سقوط الشجرة الأمويّة الملعونة في القرآن(۱) عن الاعتبار سهلاً، لوجود الدليل النقلي، المتظافر مع حكم العقل والوجدان، فإنّ صحابة الرسول الأعظم الذين جاهدوا معه المشركين، والذين منحهم القرآن وسام ﴿رَّضِيَ اللّهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ﴾ (التوبة:۱۰۰)، لا يجوز سقوطهم عن الاعتبار أبداً فهو من المستحيلات، بل هو من المحرّمات التي لا يجوز الخوض فيها أصلاً فما بالك بالكلام عن أمّهات المؤمنين!! وقد أبدى خالي ـ وأنا معه ـ صلابة شديدة في ردّ الكلام عنهم، ونصحنا ضيفنا بتقوى اللّه‏، وخوف عقابه، ولكنّه كان يترفّق بنا، ويتكلّم معنا بما تقبله عقولنا، ويشفعه بالدليل من القرآن والسنّة الشريفة، وأقوال الصحابة، وشهادة كتب التاريخ.

وارتعشت الصور المقدّسة:

يعقتد معظّم المسلمين بقداسة الصحابة ؛ لجهادهم المشرف مع رسول اللّه‏ في الدفاع عن الإسلام ؛ ولتقديمهم التضحيات بالنفس والنفيس من أجل إعلاء راية الحقّ، ونفوذ أحكامه.
أمّا أمّهات المؤمنين فالشائع أنّهنّ من أهل البيت الذي نصّ القرآن على طهارته من الرجس(۲)، ومع نصّ القرآن فهل هناك كلام في أنّ عائشة مثلاً تسبّبت في مقتل الآلاف من المسلمين مثلاً؟! فليكن ذلك فهي ممّن عصمها القرآن، ثُمّ من نحن حتّى نتكلّم عن أمثالهن اللاتي اختارهنّ الرسول الكريم ـ وهو سيّد الخلق وأعرفهم ـ زوجاتٍ له، فقد اختارهنّ اللّه‏ له من بيوتات العرب، وهنّ بنات أعزّ أصحابه، وأسياد قومه فكيف يجوز لمن جاء به الزمان بعد تلك الفترة المجيدة من أصحاب البدعة والرفض والزندقة!! أن ينال من قداستهنّ، وهل النيل من قداستهنّ إلاّ النيل من قداسة الرسول نفسه؟!
بمثل هذا اللحن من الكلام تقتل الحقيقة، وبمثل هذه الأدبيات التي تَرفع راية التقديس يُداس على الواقع، ويُبّررُ الدفاع عن الظالمين الذين انتهى ظلمهم إلى قتل الحسين علناً وجهاراً باتّهام أنّه خارج عن الدين، وبشائعة أنّه قّتل بسيف جدّه، والكلّ يعرف أنّ الحسين ابن بنت رسول اللّه‏، وقد قال عنه رسول اللّه‏ الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿حسين منّي وأنا من حسين﴾(۳)، فبقتلهم الحسين كأنّما قتلوا رسول اللّه‏ نفسه.
إنّ من أحاطهم علماء السوء بهالة التقديس من الصحابة وأمّهات المؤمنين قد ارتكب بعضهم من الجرائم والفظائع والمنكرات مما يعفُّ عنه كثير ممن تلقى أوّليات الإسلام فقط ، ممّن لم يبتلوا بحبّ الرئاسة، والتنافس على الزُخرف، كما أُبتلي الصحابة بعد وفاة رسول اللّه‏، فلم يخرجوا من الامتحان برؤوس مرفوعة، ومواقف مشرّفة، وقد كان هذا منهم امتداداً لمواقفهم في زمان رسول اللّه‏، حيث فرّ الكثير منهم في مواطن الدفاع عن الإسلام، أوجَبُن عن مواجهةِ العدوّ الكافر، ولكنّ الرسول الكريم ذو الخلق العظيم وحفاظاً منه على بيضة الإسلام، كان يتغاضى عن مخازيّهم، ويسعى للنهوض بهم إلى طي مراتب الكمال، وسلوك درجات السموّ لعلّهم يصعدون في الدنيا والآخرة.
هذا وقد كان للزهراء عليهاالسلام ابنة رسول اللّه‏ وسيّدة نساء العالمين الدور الواضح في وصف أفعال الصحابة، والكشف عن نيّاتهم المصلحية في خطبتها العصماء التي دوّت في أركان وجنبات مسجد أبيها رسول اللّه‏ بعد اغتصاب الخلافة، واغتصاب فدك رمز الخلافة، وأمّا المدح الوارد في القرآن فهو للذين آمنوا وكان على رأسهم عليّ بن أبي طالب الذي ضحّى بكلّ ما يملك من طاقات في سبيل علوّ راية الإسلام، وثبات أمره، وقد كان رجل المهمّات الصعبة، يدفع الغوائل ويجاهد الكفّار، كما كان المصلح لما يفسده الآخرون، والبطل الذي يُنجز ما يفشل عنه المدّعون.
إنّ الذي حَدَثَ بعد وفاة رسول اللّه‏ أنّ بعض القومَ أنكروا بيعة الغدير، حيث نُصّب الإمام عليّ عليه السلام رسميّاً لخلافة رسول اللّه‏، وذهب هذا البعض بدل ذلك إلى سقيفة بني ساعدة لينتخبوا من لم ينتخبه اللّه‏ خليفة لرسول اللّه‏، ثُمّ فرضوا ذلك على المسلمين بالإرهاب والإرجاف، والترغيب والتطميع في الأموال والمناصب، ومن هناك حيث السقيفة المشؤومة بدأ الانفصال الرسميّ عن حقيقة الدين، والتمسّك برموز وتأويلات ما أنزل اللّه‏ بها من سلطان أدّت إلى تشتّت المسلمين واختلاف كلمتهم وتعدّد فرقهم، وطمع المشركون في المسلمين بعد طول يأس، فنفذوا خلالهم، وتقرّبوا إلى المتسلّطين عليهم، فأعطاهم هؤلاء المتسلّطون المناصب والأموال دعماً لسلطانهم الباطل ولم يَطُل الزمان حتّى وقعت الفتن، وهاجمت المسلمين المحن، فاختلفوا وتقاتلوا ووقعت بينهم المعارك، وسالت الدماء، وما كان ذلك ليقع لو أنّهم تمسّكوا بما أمرهم به الإسلام، ولم ينقلبوا على أعقابهم كما تنبّأ القرآن(۴).
إنّ المقدّسين الذين تمسّك بهم الظالمون، ورفع من شأنهم المغرضون هم في الواقع الذين داسوا على مقدّسات الإسلام فرفعوا أولاً شعار: ﴿حسبنا كتاب اللّه‏﴾(۵) ليضربوا به العترة وليخفوا أحاديث الرسول الشريفة التي تبيّن شأن العترة، وتصف مناقبهم، ثُمّ لمّا استقرّ لهم الحكم، وخضعت له الرقاب، بذلوا الأموال الطائلة في تحريف حديث رسول اللّه‏، وتشويه سيرته العمليّة، ثُمّ عرضوا هذا النتاج المحرّف والمزخرف على المسلمين وقالوا: هذه هي السنّة، ونحن أهل السنّة، ونحن المتمسّكين بها ليضربوا القرآن والعترة معاً هذه المرّة، بالسعي بالفصل بينهما، ونصب أنفسهم مفسرين لآيات القرآن كما شاءت لهم أهوائهم بدلاً من أهل البيت الذين جعلهم الرسول عِدلاً للقرآن الذين يخلفونه في إمامة المسلمين وحفظ أركان الدين بحفظ سنّته الشريفة والسير على سيرته، وهم الراسخون في العلم الذين يحقّ لهم تبيين القرآن، وتأويله وخصوصاً الإمام عليّ عليه السلام الذي حارب القوم على التأويل، كما حاربهم رسول اللّه‏ على التنزيل.
ولقد حقّ للأخ ﴿عبد القادر﴾ أن ترتعش عنده الصور المقدّسة التي ثبتها في ذهنه تقليد الآباء وأخذ الدين عنهم دون تحقيق، لقد حقّ له ذلك، لأنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وإنّ تقنعّ الباطل بلباس الحقّ، وتظاهر المفضول بأنّه الفاضل.

اعرف الحقّ تعرف أهله:

بعد ارتعاش الصور المقدّسة وانتكاسها إلى الأسفل، كان لابدّ للأخ ﴿عبد القادر﴾ أن ينظر في دينه، وأن يجدّد إسلامه بالتمسّك بمن أمر اللّه‏ سبحانه وتعالى أن يتمسك بهم، فلقد تساءل في أعماق نفسه أنّه ورث من أبيه اتّباع مذهب مالك في الفقه، فلماذا يجب عليه اتّباعه؟ هل كان مالك من الصحابة مثلاً الذينّ تبيّن لديه أنّ كثيراً منهم قد انحرفوا عن جادّة الصواب؟! وهل أمر رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم باتّباعه خصوصاً؟
ولمّا لم يجد الأخ ﴿عبد القادر﴾ ما يدعم مذهب مالك بالخصوص، وعرف أنّه فقيه مثل بقية الفقهاء لا خصوصية لديه سوى أنّ مذهبه انتشر بدعم المنصور العبّاسي الذي أغدق على مالك الأموال وحمل الناس على موطأه في الحديث، ثُمّ إنّ مالك كان من تلاميذ الإمام جعفر الصادق عليه السلام وله عبارات في مدح استاذه(۶)، يعترف فيها بفضله، ويشيد بها بتقواه.
فماذا لا يتبع المرء الإمام جعفر الصادق وهو من أهل بيت رسول اللّه‏، وهو أستاذ الكلّ، فمنه أخذ الناس أحكام الإسلام، وعنه صدر الكثير من العلماء، وإنّ المرء يحتاج أن يقلّد في دينه من هو أهلٌ يُطمئنُ إليه ويُوثق بدينه، فإذا لم يطمئن المرء إلى أهل البيت عليهم‏السلام الذين أمر اللّه‏ بالتمسّك بهم، فبمن يطمئن، وهكذا قليلاً قليلاً، ومرحلة بعد مرحلة عرف الأخ عبد القادر أنّ المرجعيّة الدينية هي لأهل البيت عليهم‏السلام دون غيرهم، وأنّ الآخرين ظلموهم في التقدّم عليهم أو التخلّف عنهم.
وأنّ أهل البيت هم خلفاء الرسول الحقيقيين الذين اختارهم اللّه‏ للأمّة، والذين لا يخلو منهم عصر إلى يوم القيامة، فبهم بدأ اللّه‏ وبهم يختم، ومَن غَفل عن ذلك أو رفضه فهو من الخاسرين، الظالمين لأنفسهم بعدم معرفة الحقّ أو الخضوع له بعد معرفته.

(۱) الإسراء ١٧ : ٦٠.
(۲) الأحزاب ٣٣ : ٣٣.
(۳) مسند أحمد ٤: ١٧٢.
(۴) آل عمران ٣ : ١٤٤.
(۵) صحيح البخاري ٥: ١٣٨.
(۶) تهذيب التهذيب ٢: ٨٩ .