المتفرقة » المقالات » القرآن »

عروش الطغاة تتهاوى تحت أقدام الشعوب

بسم الله الرحمن الرحيم

ها هي عروش الطغاة تتهاوى تحت أقدام الشعوب الثائرة،والجماهير الغاضبة، التي عانت طويلاً من الظلم والاضطهاد، ومصادرة الحريات، وامتهان الكرامات، وها هم حكام العرب يركعون أو سيركعون أذلاء ساغرين لإرادة شعوبهم، التي اختارت العزة والكرامة على الذل والهوان، والخضوع والاستسلام، وها هم فراعنة العصر يغرقون في طوفان التغيير الجارف، الذي يبدو أنه لن يبقي لغرورهم شيئاً، ولن يترك لهم سوى (كتاب الاستقالة) أو (الاعتراف بالهزيمة) ليكون رسالة لجميع المتسلطين على الشعوب بغير حق، أن مصيرهم هو الرحيل.

قال تعالى في قصة فرعون وطغيانه: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)) (۱).

ان هذه الآيات الكريمات لا تتحدث عن فرعون مصر في عصر نبي الله موسى (عليه السلام) فقط وإنما تتحدث عن كل الفراعنة الذين يستأثرون بالسلطة، ويقفون بوجه المصلحين، ولا يحفظوا حقوق الشعوب، وهؤلاء جميعاً تشملهم دعوة موسى العبد الصالح ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ)) وقد استجاب الله تعالى هذه الدعوة ((قال قد أجيب دعوتكما)).

وفعلاً هؤلاء الفراعنة لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، انهم لا يستجيبون لمطالب الشعوب حتى يتزلزل ملكهم، ولا يقبلون بالدعوات الإصلاحية حتى يشعروا ان سلطانهم في خطر، عند ذلك يلجئون إلى الخداع والمراوغة، فيتظاهرون بالإصلاح، يغيرون هذا الوزير، ويدفعون بعض المكافآت، وينشرون الدعايات بغية إسكات الجماهير الغاضبة: ((حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل)).

هذه هي طريقة الفراعنة المتكبرين، في لخطاتهم الأخيرة، يعترفون بالخطأ الذي قد ارتكبوه بحق شعوبهم، فينادون بالإصلاحات السياسية، والاقتصادية، وانه لابد من الاستجابة لمطالب الشعب، ولكن ـ مع الأسف ـ بعد فوات الأوان، وضياع الفرصة، (الآن وقد عصيت قبل وكنت مع المفسدين، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلقك آية) إذا لا ينفع الفراعنة إلا الرحيل، ولكن قبل ذلك. عليهم تقديم (الاستقالة) أو (الاعتراف بالهزيمة) ليكونوا عبرةً لغيرهم من الطغاة، وآية يتعظ بها كل جبار عنيد متغطرس.

وقال تعالى في قصة فرعون أيضاً: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *‏ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)) (۲).

حقاً إن إرادة الشعوب أقوى من الطواغيت مهما تغطرسوا وتفرعنوا، وان العتات والمردة يتقازمون أمام ثورة المحرومين والمستضعفين، لأنهم يستمدون إرادتهم من إرادة الله تعالى، لأنه تعالى دوماً نصير المظلومين على الظالمين، ومعين المضطهدين على المجرمين والمستكبرين.

وقال تعالى حكاية عن الكفار من أهل الكتاب: ((…وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)) (۳).

إن هؤلاء الطواغيت لا يعيشون الواقع والحقيقة، وإنما يعيشون في عالم من الخيال والأوهام، إنهم يتخيلون ان القصور التي شيدوها بعرق الشعوب وأموالهم، ستمنعهم من غضب الله سبحانه، وتحميهم، من ثورة المحرومين والمضطهدين،ويتوهمون ان سكوت الجماهير على ظلمهم سيبقى إلى الأبد، ولكنهم، أفاقوا، على أصوات الشعوب التي تنادي عليهم بالرحيل، (ارحل، ارحل، ارحل) قبل ان ترحّل (اعتصام حتى يسقط النظام) (الشعب يريد تغيير النظام)، انهم أفاقوا من سبات طويل، تماماً كالنائم عندما يستقض من نوم عميق، فانه يحتاج إلى وقت ليستجمع قواه الفكرية، ويشعر بما يدور حوله، ليعرف بعد ذلك، انه كان نائماً، وانه إنما كان يحلم، وانه كان في عالم الخيال والأوهام، لا في عالم الحقيقة.

وقبل ان يستجمع قواه الفكرية ليشعر بما يدور حوله ويدرك حقيقة الأمر، يحاول أن يبقى في سباته الطويل ونومه العميق ـ كما يحاول الإنسان أحيانا ان يعود إلى حلمه الجميل الذي كان يعيشه قبل اليقظة ـ فيعمد إلى أسلوب الترهيب والترغيب، القوة والمال، ليستعيد سيطرته على الأوضاع مجدداً، ويسكت الأصوات من حوله المنادية برحيله، فيستخدم القوة لتهديم ما بناه طوال حياته، وينفق المال ـ بغية شراء الذمم ـ الذي جمعه مدة حكمه، وهو مصداق قوله تعالى: ((يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ)).

والذي يستفاد من مجموع الآيات المتقدمة الأمور التالية

۱ـ ان الفراعنة والطغاة يقوم ملكهم على الظلم والاضطهاد، وانهم لن يستجيبوا لدعوات الإصلاح التي تطالب بها شعوبهم، وانهم إن اظهروا ذلك ـ أحيانا ـ فهو لغرض الخداع والتضليل.

۲ـ ان مصيرا لفراعنة والطغاة إلى الرحيل ان عاجلاً أو أجلاً، لان الله سبحانه قد جرت سنته ومشيئته على ان الأرض سيرثها المستضعفون والمظلومون.

۳ـ ان الله سبحانه سيهلك أموال هؤلاء الطغاة وأملاكهم، ويزيل سلطانهم من خلال أيديهم أنفسهم وهو أوجع لقلوبهم، ومن خلال أيدي المؤمنين الذين سيطيحون بعروشهم.

وأريد ان اختم مقالتي هذه بهذين البيتين من القصيدة الشهيرة للشاعر العربي الكبير أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر

الهوامش

(۱) سورة يونس: الآيات: (۹۲،۹۱،۹۰،۸۹،۸۸).

(۲) سورة القصص: الآيات:(۶،۵،۴).

(۳) سورة الحشر: الآية:۲٫

الكاتب: الشيخ اسكندر خلف الجعفري