عصمة-الأنبياء-والأئمّة

عصمة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)

قال اللهُ الحكيم في كتابه الكريم :

كَانَ النّاسُ أُمّةً وَ حِدَةً فَبَعَثَ اللَهُ النّبِيّنَ مُبَشّرِينَ وَ مُنذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلّا الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَهُ الّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللَهُ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَ طٍ مُسْتَقِيمٍ . (1)

أساس الاختلاف بين الشيعة والسنّة:

انّ أساس الاختلاف بين الشيعة و السنّة ينحصر في مسألة الولاية ، فالشيعة يقولون انّ الامام يجب أن يكون معصوماً و مُنصّباً من قبل الله سبحانه و تعالى ، بينما يقول السنّة انّ العصمة ليست من شرائط الإمام ، وأنّ الناس بإمكانهم أن يختاروا إماماً لهم فيتّبعوه.

أمّا بقيّة المسائل المُختلف عليها بين هذين الفريقين فمتفرّعة بأجمعها عن ذلك الأصل و تابعة له ؛ لأنّ أرضيّة الاختلاف في الأساس والاصل لابدّ و أن تؤدّي الى اختلافات كثيرة في الفروع ، امّا لو انتفى الاختلاف في الأساس ، فاتّحد هذان الفريقان في المرام و المذهب ، فانّ الاختلافات في الفروع ستنتفي بدورها و تتبع الأصل في الوحدة .

و سنناقش هذه الأيّام بعون الله و بالاستعانة بأرواح الطيّبين و أولياء الله أساس هذه المسألة ، و سنبيّن شرائط الإمام من خلال كتاب الله والنصّوص الصريحة التي و ردت عن رسول الله صلى الله عليه و ءاله ، بِحَوْلِ اللَهِ وَ قُوّتِهِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوّةَ إلّا بِاللهِ الْعلِيّ الْعظِيم . و سنذكر شاهداً و مثالاً كمقدّمة من أجل توضيح هذا المعنى قبل الاستدلال بالأية التي وردت في مطلع البحث .

الإمام بمنزلة القلب في جسم الإنسان:

هناك في جسم الإنسان أجهزة متنوّعة و مختلفة يؤدّي كلّ منها وظيفةً خاصّة ، فالعين وظيفتها النظر ، و الأذن وظيفتها السّمع ، و الأنف للتنفّس و الشمّ ، و اللسان للتذوّق و الكلام ، و اليد للأخذ و العطاء ، و الرجل للمشي ؛ و كلّ هذه الأعضاء تسعى دائبةً لتنفيذ وظيفتها ، الاّ انّها ـ من وجهة نظر الحياة الماديّة ـ تستمدّ قوّتها من القلب .

ثمّ انّ القلب يضخّ الدم الى جميع أعضاء الجسم و جوارحه ، فيمدّها في كلّ لحظة بحياةٍ جديدة ، و يبقيها ـ بهذا العمل ـ في نشاط مستمرّ و حياة دائمة . و لو حدث أن توقّف القلب للحظة واحدة و تخلّى عن مسؤوليّته ، لأُصيبت تلك الأعضاء و الجوارح الحيّة و النشيطة بالموت و الفناء و لتعطّل دورها ، فتفقد العينُ رؤيتَهَا ، و الأذنُ سمعَها ، و اليدُ حركتها ، كما تُشلّ الرّجلُ و تفقد الإحساس .

و بناءً على هذا فانّ فائدة القلب هي الإشراف و الزعامة و إيصال الحياة الى كافّة أعضاء الجسم التي تخضع لإشرافه ، و لا يمكن لأحد ان يُنكر حاجتنا للقلب بحجّة انّ القلب لا يعمل شيئاً لأنّه لا يرى و لا يسمع ولا يتكّلم و لا يكتب و لا … و لا … .

و بحجّة انّ لنا عيناً نرى بها ، و أذناً نسمع بها ، و لساناً نتكلّم به ، و يداً نكتب بها . فهذا الكلام خاطئ و لا محلّ له ، لأن العين و الأذن و اللسان ميّتة بدون القلب لا دور لها و لا عمل ، و انّما وجد ذلك الإبصار في العين ، والسمع في الأذن بسبب قوّة القلب .

انّ العين تتعرّض في كلّ لحظة لألاف الأفات و حالات الفساد الخارجيّة ، و الأمر كذلك بالنسبة للأذن و لسائر الأعضاء الأخرى ، لكنّ القلب لا يَفتُر لحظةً عن المراقبة و الدفاع و إيصال الدم كطعام و دواء من أجل دفع الاعتداءات الخارجيّة و موجبات الفساد الأخرى و الميكروبات المهلكة . لذا فانّ العين و الأذن تعيشان تحت ولاية و سلطان القلب الذي يمثّل الجهاز المنظّم لعمل تلك القوى ، و الذي يمدّ سائر أعضاء الجسم بالحياة .

امّا من الناحية المعنوية ، فانّ المخّ هو الذي ينظّم عمل هذه القوى والأعضاء ، فالعين ترى فقط ، اي انّه اثر انعكاس النور فانّ صورةً للشئ المرئي ستنعكس في شبكيّتها ، امّا ماهيّة هذا الصورة و ما الذي سنفعله بها ؟ فانّ ذلك ليس من وظيفة العين ، بل من وظيفة المخّ الذي يأخذ هذه الصورة و يدقّق فيها و يهيّؤها لإستفادة الانسان .

لذا فانّ الذين يتعاطون الخمور فيثملون ، او الذين يُصيبهم الإغماء او الجنون ، لم يحصل في أعينهم نقصٌ ما ، بل انّ عيونهم سليمة تعمل بوظيفتها جيداً في عكس الأشعة و إظهار الصورة المرئيّة ، لكنّ جهاز المخّ و الفكر صارا لا يعملان بوظيفتهما المعتادة ، لأنّ مجموعة الأعصاب التي تنقل الصورة الى المخّ قد تعطّلت عن عملها بوظيفتها ، فصارت سلسلة الأعصاب توصل هذه الصورة الى المخّ فلا يستطيع تمييزها و الإفادة منها في محلّها .

لذا نشاهد انّ الشخص الثمل لا يُميّز بين أخته و أمّه و زوجته ، فيحاول الإعتداء عليهنّ ، أو أنّه يتحرّك في معبرٍ عامّ عارياً ، فلا يمكنه ان يشخصّ انّ صورة المعبر التي كانت محفوظةً في قواه الذهنيّة سابقاً مُطابقة لصورة هذا المعبر أم لا كي يحكم بعدم جواز الحركة في هذا المعبر عارياً .

و هذا الثمل السكران يهذي و يصيح بصوت عال ، و يعمل اعمالاً مُستهجنة أمام الأخرين ، و لا يأبى أكل الخبائث ، و لا يُبالي بارتكاب الجنايات ، بالرغم من أنّ قواه السمعيّة و الذوقيّة و الشميّة تعمل بوظيفتها . و ذلك لأنّ جهاز المخّ المنظّم و المراقب لا يعمل بوظيفته في هذه الحالة لأنه قد تعطّل . لذا فانّه لن يعجز فقط عن الرؤية و تمييز الأشياء ، أو أن يسمع بأذنه و يعمل بيده ، بل انّه سيصرف هذه القوى في إهلاك نفسه وإفسادها ، و سيقطع بيده أغصان حياته و يستئصل جذورها .

و بناءً على هذا فانّ وجود جهاز المخّ في الجسم أمر حيويّ من أجل استخدام هذه الأعضاء و الجوارح و إعمال كلّ منها في مواقع الحاجة ، ولتطبيق الصور الحاصلة مع الصور المحفوظة سابقاً في الذاكرة و الأحكام الصحيحة المترتّبة عليها ، و لذلك نرى أنّ المجنون الذي فقد قواه العقليّة لا يترتّب على رؤيته و قوله و فعله أيّ نتيجة صحيحة .

و لو تركنا الإنسان جانباً فاننا سنجد في الحيوان كذلك قلباً و مخّاً لا يستطيع أيّ حيوان بدونهما الاستمرار في الحياة و في أداء وظائفه و لو كان ذا خليّةٍ واحدة .

و الأمر كذلك في الجمادات أيضاً ، فإنّ الشي الذي يرسم لها وحدتها و يجعلها تحت خاصيّة و كيفيّة واحدة هو الروح و النفس الواحدة التي كانت جارية فيها قبلاً . و لذا فانّها تمتلك خاصيّة واحدة و يُشاهد عنها ءاثار واحدة . و قد جرت الاستفادة من هذا الأمر في التقنية و صناعة السيارات ، فاستطاعوا ـ بإيجاد ءالات منظّمة و معدّلة ـ تنظيمَ حركة العجلات والمحرّكات .

اننا حين نريد مل ء الساعة و نصبها ، فانّ ضغط النابض سيكون قوّياً في البدء ، و سيحاول تحريك العجلات المسنّنة بسرعة ، امّا حين يرتخي النابض و يقلّ ضغطه ، فانّه سيحاول تحريك تلك العجلات ببطء . و لهذا السبب فقد وضعوا في الساعة جهازاً بإسم (البندول أو الرقّاص) ليقوم بتنظيم الحركة ، بحيث تتحرّك الساعة في كلّ الأحوال على منوال واحد ، سواءً كان ضغط النابض قويّاً أو ضعيفاً ، فتنظّم الوقت بشكل صحيح .

كما انّ الماكنات البخارية المستعملة في المعامل الكبيرة اذا خلت من المنظّم فانّها ستتحطّم بأجمعها ، لأنّ قِدر البخار سيولّد عند غليانه كميّات ضخمة من البخار اذا ما اندفعت خلف المكابس فانّ الألات ستدور ءانذاك بسرعة هائلة فتؤدّي الى تحطّم الماكنة . امّا حين تنخفض الحرارة في قِدر البُخار فانّ من الممكن ان تنخفض السرعة تبعاً لذلك . و لذلك يوضع في هذه الألات منظّم للضغط«~ (pressure Regulator) ~» لينظّم وصول كميّات البخار الى المكابس ، و لا يسمح بوصول الفائض من البخار الى المحرّكات ، بل يقوم بخزنه في مخزن الذخيرة ليفيد منه عند انخفاض ضغط البخار ، فيرسله ءانذاك مع البخار المولّد ، و بذلك تتحرّك المحرّكات بشكل منظّم و هادئ دائماً في السرعة الخاصة المطلوبة .

و يحتاج المجتمع البشري من أجل تغيير القوى و تنظيم الأمور ورفع الإختلافات بين الناس و منع التعدّيات على حقوق الفرد و المجتمع ، ولهداية جميع الأفراد الى مقصد الكمال و الهدف من الخلقة و نيل المُنى من جميع القوى و الكنوز الالهيّة ، الى منظّم صحيح ، و إلّا لهلك المجتمع ولما استطاع أن يستفيد من كنوز الحياة .

ضرورة وجود الإمام المعصوم في المجتمع :

انّ الإمام هو المنظّم لعالم الإنسانيّة و المجتمع ، لذا يتحتّم أن يكون ذا قوىً متينة و أفكار صائبة و ءاراء قادرة ، ليكون مشرفاً على أعمال الأمة وأفعالها ، و ليسوسها بالتنظيم و العدل .

و تسأل هنا : أيستطيع الإمام ـ ترى ـ أن يُصلح المجتمع اذا كان نفسه يُخطى ء و يُبتلى بالمعصية والإثم شأنه شأن أفراد المجتمع الأخرين ، أو إذا كان مثلهم مُصاباً بالهوس و الشهوة ؟

أوَ يمكنه ءانذاك أن يرفع الإختلاف فيما بينهم ، فيُعطي كلّ ذي حقّ حقّه ، و يقف في وجه الإعتداءات ، و يمنح العيش لجميع أفراد المجتمع ، و يعلّمهم المعارف و الحقائق حسب استعدادهم و حاجتهم ، و يُبيّن لهم موارد الخطأ و الزلل في سلوكهم الى الله و وصولهم الى مقصد الكمال ؟

كلاّ و حاشا !

و على هذا فانّ قائد المجتمع و زعيم الناس و إمامهم يجب أن يكون معصوماً عن الإثم و عارياً عن أي خطأ و زلل ، كما ينبغي أن يكون ناظراً الى الأحوال و الأفعال و الخواطر القلبيّة لكلّ واحد من أفراد الأمّة بفكرٍ عميق متّسع ، و صدرٍ منشرح بنور الله ، و قلبٍ مُنّور بالتأييدات الغيبيّة .

على انّ بعض العامّة يقول بعصمة الأنبياء ، و بعضهم يقول بمرتبة ضعيفة من عصمتهم ، بينما ينكر البعض الأخر العصمة فيهم ، فلا يعتبرهم مصونين بأيّ وجه عن الأخطاء و المعاصي . الّا انّ الشيعة عموماً يشترطون العصمة للأنبياء بجميع معانيها ، كما يقولون بالعصمة للأئمّة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

عصمة الأنبياء على ثلاث مراحل :

و سنتحدّث في اثباتنا لهذا الموضوع عن عصمة الأنبياء ، فنثبتها من القرءان الكريم ، ثم نتحدث عن الأئمّة عليهم السلام .

امّا بشأن الأنبياء فنقول : انّ العصمة مورد البحث في ثلاثة موضوعات :

1 ـ في موضوع تَلَقّي الوحي ، اي انّ قلب النبيّ يجب ان يكون منزّهاً عن الخطأ عند نزول الوحي ، فيتلقّى ذلك الوحي كما نزل ، لا يزيد في التلقّي عليه و لا يُنقِص ، و لا يجلّي في نفسه ذلك الوحي الّا في حقيقته الواقعة .

2 ـ في موضوع تبليغ الوحي : اي انّ على النبيّ أن يبلّغ الوحي كما أخذه ، دون أن يُخطئ أو ينسى فيما أُوحي اليه ، و دون أن يزيد أو ينقص في أدائه للوحي شيئاً على صورته الحقيقيّة .

3 ـ المعصية و الذنب : فالنبيّ لا يرتكب أيّ عمل يُخالف مقام العبوديّة لله أو يتنافى مع الاحترام أو يهتك حرمة مقام المولى ، سواءً في أقواله أو في أفعاله . و إجمالاً فانّ هذه المراحل الثلاث يمكن تلخيصها في جملةٍ واحدة : أي وجودُ أمرٍ من جانب الله لدى الإنسان المعصوم يصونه عن الخطأ و المعصية .

امّا الخطأ في غير هذه المواضع ، مثل الخطأ في الأمور الخارجيّة نظير الالتباسات التي تحصل في حواسّ الإنسان ، أو في إدراكات الأمور الإعتباريّة ، و نظير الخطأ في الأمور التكوينيّة من النفع و الضرر و الصلاح والفساد ، فهي خارجةٌ بأجمعها عن محل النزاع و الكلام بين الشيعة و السنّة .

امّا تلك المراحل الثلاث من العصمة فتدلّ عليها الأيات القرءانية ، كقوله تعالى :

كَانَ النّاسُ أُمّةً وَ حِدَةً فَبَعَثَ اللَهُ النّبِيّنَ مُبَشّرِينَ وَ مُنذِرِينَ وَ أَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلّا الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَهُ الّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللَهُ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ إلَى صِرَ طٍ مُسْتَقِيمٍ . (2)

و تبيّن هذه الأية أنّ الغرض من إرسال الأنبياء و إنزال الوحي والكتاب انّما هو دعوة الناس الى الحقّ ، و هديهم الى طريق الحقّ والصواب في جميع موارد الاختلاف قولاً و فعلاً و اعتقاداً .

و هذا هو هدف الخلقة من بعث الأنبياء ؛ لأنّ الله تعالى لا يضلّ في هذا القصد بمفاد الأية :

لَا يَضِلّ رَبّى وَ لَا يَنْسَى . (3)

و هو بالغٌ أمره و هدفه ، لا يصدّه عنه رادع و لا يمنعه مانع ، بمفاد الأية الشريفة :

إنّ اللَهُ بَلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَهُ لِكُلّ شَى ءٍ قَدْرًا . (4)

و مفاد الأية الكريمة :

وَ اللَهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ . (5)

و ينبغي ـ بناءً على هذا ـ لحفظ الوحي عند إنزاله و إبلاغه و أدائه أن يُصان الأنبياء من أي خطأ و زلل ، لأنّ قلب النبيّ اذا أخطأ عند تلقّي الوحي أو تبليغه ، فانّ الهدف من رسالته سيكون غير متحقّق ، لأنّ المفهوم من الرسالة هو الدعوة الى الحقّ :

وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَبَ بِالْحَقّ لَيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .

و سيتردّد الأمر في حالة الخطأ بين أن يكون الله تعالى قد أخطأ ونسي في انتخاب الرسول و طريقة إنزال الوحي على قلبه ، أو أن غرضه كان الدعوة الى الحقّ لكنّه أخطأ في طريقة انزال الوحي على قلب النبيّ على نحوٍ لا يكون معه عُرضة للتغيير و التبديل ؛ و هذا ليس صحيحاً بمقتضى قوله تعالى :

لَا يَضِلّ رَبّى وَ لَا يَنْسَى .

أو انّ غرضه كان الدعوة الى الحقّ ، و لم يحصل في إجراء هذه الدعوة أي خطأ و التباس ، ولكن ظهرت عوائق خارجيّة حالت دون تحقيق أمر الله ، و هذا أيضاً مستحيل بمفاد الأية الكريمة :

إنّ اللَهُ بَلِغُ أَمْرِهِ . و الأية :

وَ اللَهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ .

و بناءً على هذه المقدّمات ، فانّ الله سبحانه و تعالى يحفظ الأنبياء حتماً من الخطأ و الالتباس في كيفيّة تلقّي الوحي و إبلاغه ، و يطهرّ قلوبهم و يُصفّيها بحيث ينعدم فيها اثر إنزال الوحي أيّ موج أو ارتعاش أو تزلزل يكون باعثاً على قلب و تغيير كيفيّة و واقعيّة الوحي ، و بحيث لا يبقى فيها أيّ أثر للإضطراب أو الإبهام الباعث على تأويل و تفسير الإدراكات الواقعيّة على غير حقيقتها و واقعيّتها . و هذا هو معنى حقيقة العصمة في مرحلتي تلقّي الوحي و إبلاغه .

و امّا في المرحلة الثالثة و هي صونهم وعصمتهم عن المعاصي ، فمن الممكن ـ ببيان مقدّمةٍ أخرى ـ أن نعتبر دلالة الأية السابقة عليها دلالةً تامّة . و هي انّه لو عصى نبيّ او ارتكب إثماً فانّه سيكون بفعله هذا قد أجاز هذا العمل و أباحه لأمّته ، لأنّ العاقل لا يفعل شيئاً الّا اذا كان حسناً ؛ فاذا ارتكب المعصية في حالٍ يأمرُ فيها قولاً بخلافها ، فانّ ذلك سيبعث على التهافت و التناقض ، و سيكون قد دعا بفعله و قوله الى أمرين متناقضين ، فهو يمنع الناس بقوله و كلامه من ذلك العمل ، ثم يُثبت بفعله له إباحة ذلك العمل و يرخّص لأمّته فيه .

و من المعلوم انّ الدعوة الى المتناقضين ليست دعوةً للحقّ ، لأن ذينك المتناقضين سيبطل أحدهما الأخر ؛ و الله سبحانه الذي يبعث الأنبياء للدعوة الى الحقّ لا يجعلهم دعاةً الى الأمور المتناقضة ، بل يصونهم عن فعل غير الحقّ و عن اي معصية ، لأنّ عصمة الأنبياء في إبلاغ الرسالات وأداء وحيهم كما ينبغي سوف لن تكون تامّة بدون العصمة عن مقام المعصية ؛ و قد اتّضح بهذا البيان أنّ الأية السابقة تدلّ على عصمة الأنبياء في ثلاث مراحل : التلقّي ، و ابلاغ الوحي ، و في مقام الخطأ و المعصية .

كما ان الإمام ـ و هو الحافظ للشريعة و المبيّن للأحكام و الحارس للقانون بالنسبة للأمّة ـ حائز على مقام قلب النبيّ و إدراكه ، و لا فرق بينه وبين النبيّ من وجهة النظر هذه ، الّا انّ النبيّ هو الذي يأتي بالشريعة والكتاب ، و الإمام هو الذي يقوم بإبلاغها و المحافظة عليها .

و الأدلّة التي تفيد في اثبات عصمة الأنبياء واردة بعينها في اثبات عصمة الإمام .

روى الحجّة الكليني في كتاب (الكافي) (6) ، عن عليّ بن ابراهيم ، عن والده ، عن حسن بن ابراهيم ، عن يونس بن يعقوب قال : كان عند أبي عبدالله (الصادق) عليه السلام جماعةٌ من أصحابه منهم حُمران بن أعين ومحمّد بن النّعمان و هِشام بن سالم و الطّيار و جماعةٌ فيهم هِشام بن الحَكَم (7) و هو شابّ ، فقال أبوعبدالله عليه السّلام : يا هشام ! ألا تخبرني كيفَ صنعتَ بعمرو بن عبيدٍ ؟

فقال هِشام : يا ابن رسول الله إنّي أُجِلّك و أستحييك و لا يعمل لساني بين يديك . فقال أبو عبدالله : إذا أمرتُكم بشي ءٍ فافعلوا .

قال هشام : بَلَغني ما كان فيه عمرو بن عبيدٍ و جلوسُه في مسجد البصرة ، فَعَظُمَ ذلك عليّ ، فخرجتُ اليه و دخلتُ البصرةَ يومَ الجمعة فأتيتُ مسجدَ البصرة ، فاذا أنا بحَلْقَة كبيرة فيها عمرو بن عبيد و عليه شَمْلَةٌ سوداء مُتّزراً بها من صوف ، و شملةٌ مُرتدياً بها ، و الناسُ يسألونه ، فاستفرجتُ الناسَ فأفرجوا لي ، ثمّ قعدتُ في ءاخر القوم على ركبتيّ ثمّ قلتُ : أيهّا العالِمُ ! إنّي رجلٌ غريبٌ تأذنُ لي في مسألة ! فقال لي : نعم !

فقلتُ : أَلَكَ عَيْنٌ ؟

فقال : يا بُنَيّ أيّ شي ء هذا من السؤال ، و شي ء تراه كيف تسألُ عنه ؟

فقلتُ : هكذا مسألتي .

فقال : يا بُنيّ سَل و إن كانتْ مسألتُك حمقاء .

قلتُ : أَجِبني فيها .

قال لي : سَل !

قلتُ : أَلَكَ عَيْنٌ ؟

قال : نعم .

قلتُ فما تصنعُ بها ؟

قال : أرى بها الألوان و الأشخاص .

قلتُ : فَلَكَ أَنْفٌ ؟

قال : نعم .

قُلتُ : فما تصنعُ به ؟

قال : أشمّ به الرّائحة .

قلتُ : أَلَكَ فمٌ ؟

قال : نعم .

قلتُ : فما تصنعُ به ؟

قال : أذوقُ به الطّعْمَ .

قُلْتُ : فَلَكَ أُذُنٌ ؟

قال : نعم .

قلتُ : فما تصنعُ بها ؟

قال : أسمعُ بها الصّوتَ .

قلتُ : أَلَكَ قَلْبٌ ؟

قال : نعم .

قلتُ : فما تصنعُ به ؟

قال : أُميّزُ به كُلّما وَرَدَ على هذه الجوارح و الحواسّ .

قلتُ : أَوَلَيْسَ في هذه الجوارح غنىً عن القلب ؟

فقال : لا .

قلتُ : و كيف ذلك و هي صحيحةٌ سليمةٌ ؟

قال : يا بُنيّ ! إنّ الجوارح إذا شكّت في شي ءٍ شَمّتْهُ أو رأته أو ذاقته أو سمعته رَدّتْهُ الى القلب فَيَسْتَيْقِنُ اليقينَ و يُبْطِلُ الشَكّ .

قال هشام : فقلتُ له : فإنّما أقامَ اللهُ القلبَ لشكّ الجوارح ؟

قال : نعم .

قلتُ : لابُدّ من القلب و إلّا لم تستيقن الجوارحُ ؟

قال : نعم .

فقلتُ له : يا أبا مروان (8) ، فاللهُ تبارك و تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يُصحّح لها الصحيحَ و يتيقّنُ به ما شُكّ فيه و يَتْرُكُ هذا الخلقَ كلّهم في حَيْرتهم و شكّهم و إختلافهم ، لا يُقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم و حيرتهم و يُقيم لك إماماً لجوارحك تردّ اليه حيرتَك و شكّك ؟!

قال : فسكتَ و لم يقل لي شيئاً ، ثمّ التفتَ إليّ فقال لي : أنت هشامُ بن الحكم ؟ فقلتُ : لا .

قال : أَمِن جُلسائِهِ ؟

قلتُ : لا .

قال : فمن أين أنتَ ؟

قال : قلتُ : من أهل الكوفة .

قال : فأنتَ إذاً هو . ثمّ ضمّني اليه و أقعدني في مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتّى قمتُ .

قال : فضحك أبو عبدالله عليه السلام و قال : يا هشام . مَن علمّك هذا ؟

قال : شي ءٌ أخذتُه منك و ألّفتُهُ .

فقال : هذا واللهِ مكتوبٌ في صُحُف إبراهيم و موسى . (9)

و باعتبار انّ الإمام بمنزلة قلب العالَم و مخّه ، فانّ سروره و حُزنه سيؤثرّ في جوارحه و أعضائه أي في جميع مخلوقات الله واحداً فواحداً .

ــــــــــــــــــــــــــ

1) الأية 213 ، من السورة 2 : البقرة .

2) الأية 213 ، من السورة 2 : البقرة .

3) ذيل الأية 52 ، من السورة 20 : طه .

4) ذيل الأية 3 ، من السورة 65: الطّلاق

5) ذيل الأية 21 ، من السورة 12 : يوسف

6) اُصول الكافي) ، المجلّد الأول ، ص 169 ، كتاب الحجّة ، باب الإضطرار الى الحجّة .

7) ولد هشام بن الحكم في الكوفة ، و نشأ و ترعرع فى واسط ، ثم عمل بالتجارة في بغداد و سكن هناك الى ءاخر عمره ؛ و قد نُقل مدحُه و الثناء عليه عن الأئمّة الصادق والكاظم و الرضا عليهم السّلام . كان راوياً للحديث و له أصل في الاُصول الأربعمائة الشيعيّة ، و كان من أجلّة المحدّثين و مهرة المتكلّمين و المناظرين ، و كان له فى فتوّته مهارة كبيرة في فنّ المناظرة (رجال الميرزا محمّد بن علي الأردبيلي المعروف ب (جامع الرواة) ج 2 ، ص 313 وهذه الرواية يرويها المجلسي أيضاً في (بحار الأنوار) ج 7 ، ص 3 ، نقلاً عن (إكمال الدين) و(علل الشرايع) و (الأمالي) للشيخ الصّدوق .

8) أبو مروان) كُنية عمرو بن عبيد .

9) يروي الصدوق هذه الرواية في (الأمالي) ، ص 351 ، عن سعد بن عبدالله ، عن ابراهيم بن هاشم ، عن اسماعيل بن مرار ، عن يونس بن عبدالرحمن ، عن يونس بن يعقوب قال : كان عند أبي عبدالله الصادق عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حُمران بن أعين ومؤمن الطّاق و هشام بن سالم و الطيّار و جماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم و هو شابّ ؛ ثمّ ينقل عين الحديث الى ءاخره . و أورده المرحوم المجلسي في (بحار الانوار) الطبعة الكمباني ج 14 ، ص 549 (السماء و العالم) ، و في الطبعة الحروفية ج 61 ، ص 248 عن (أمالي الصدوق) .

المصدر: معرفة الامام (1)/ للسيد علي الميلاني