عقيدة-أهل-البيت(عليهم-السلام)-في-التوحيد-هي-التي-شيّعتني

عقيدة أهل البيت(عليهم السلام) في التوحيد هي التي شيّعتني

وما أن أتمّ أحمد حديثه حتّى انبرى صالح قائلاً : أمّا أنا فقد شيّعني التوحيد الخالص ، وبقيّة العقائد الصافية ، للأئمّة الهداة من أهل بيت المصطفى صلّى الله عليه وآله ، وهو دليل قاطع يؤكّد صحّة الخطّ الذي عليه المسلمون الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، ويؤكّد سقوط بقيّة الخطوط في تيه لا نجاة منه ، بتشويهها للتوحيد الخالص ، واعتمادها لعقيدة التجسيم والتشبيه ، جرياً على اعتقادات المشركين من الأمم السابقة ، مصوّرة المولى سبحانه وتعالى جسماً ، على صورة آدم عليه السلام ، وأنّ له أعضاء كاليدين والرجل ، وجوارح كالعينين ، وأنّه ينزل إلى السماء الدنيا ، كأنّما هو في حيّز ، ويحتاج في تدبيره للكون إلى حركة ، ويضع رجله في النار فيزوى بعضها إلى بعض ، كأنّما خلقها أكبر ممّا قدّره لها من العصاة والكافرين ، ويتنكر يوم القيامة فلا يكشفه غير المؤمنين ، إلى غير ذلك من الترّهات التي مرّرها كعب الأحبار عبر أبي هريرة الدوسي ، وأثبتها فيما بعد منظّروا الخطّ السلفي ، والمعروفين أيضاً بأهل الحديث ، كالحنابلة ونحوهم.

شاء القدر أن يضع في طريقي أحد فضلاء الشيعة أثناء أدائي لعمرة مستحبّة ، وقد كنت محظوظاً في ذلك ، لأنّ تعرّفي على ذلك الشخص قد قلب كياني ، وأوقفني على حقيقة التوحيد ، شاهدني الرجل وأنا متلهفٌ لأخذ كتاب التوحيد للمبتدع محمّد بن عبد الوهّاب ، فقد كنت أراه قمّة البيان والبرهان في التوحيد الخالص ، والصافي من شوائب الشرك ، ابتدرني قائلاً وعيناه ترمقان الكتاب بنظرة فيها شي من الأسى : « السلام عليكم ». فرددت عليه السلام.

قال : ( هل تؤمن حقيقة بما جاء في هذا الكتاب )؟

فقلت له : ( أفي الله شك فاطر السماوات الأرض ).

قال : ( ليس القصد في أصل الاعتقاد بالله تعالى ، لأنّنا كلّنا نعتقد بوجوده ووحدانيّته تقريباً ، وقد يشترك. معنا فيه كلّ المخلوقات حتّى المشركين ، لقوله تعالى : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ… ) (1).

لكنّ المراد من سؤالي ، هو ما حواه الكتاب من إساءة لله تعالى ، وسوء تقدير له ، ووضعه موضع المحتاج ، وتشبيهه بخلقه ، والاعتقاد بأنّ له أعضاء وجوارح كالمخلوقات ).

فقلت له : ( هذه هي عقيدة أهل السنّة والجماعة ، والتي كان عليها السلف الصالح وأخذها عنهم التابعون لهم بإحسان.

ولكن ما هو توحيدك أنت حتّى تتهمني بفساد العقيدة  )؟

قال : ( هو توحيد خاتم الأنبياء والمرسلين صلّى الله عليه وآله ، الذي علّمه لعليّ بن أبي طالب وأهل بيته عليهم السلام ، وتعلمه صفوة الصحابة ، أمثال أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وعمّار بن ياسر والمقداد وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم ).

فقلت : ( وعلى أيّ أساس ينبني توحيد أهل البيت رضي الله تعالى عنهم ؟ ).

قال : ( ينبني على تنزيه الله تعالى عن كل النقائص ، وإثبات كلّ كمال فيه جلّ شأنه ، وتوحيده في الذات والصفات والخلق والرزق والحاكمية والعبادة ، إلهاً واحداً أحداً لا مثيل له ولا شبيه ولا ندّ ، ليس كمثله شي وهو السميع البصير).

قلت : ( فهل لك من بيّنة من كلام أهل البيت رضي الله عنهم في هذا ).

قال : « لقد كان جلّ كلام أهل البيت عليهم السلام منصّباً في بيان مقام الخالق سبحانه وتعالى ، لعلمهم بأنّ عدم بيانه ـ رغم أنّه من أجلى الموجودات على الإطلاق ـ لا يؤسّس لعقيدة سليمة ، ولا يفوتني هنا أن أستحضر إحدى خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في التوحيد والتي منها : « … أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومَنْ قال فيم ؟ فقد ضمنه ، ومن قال على ؟ فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شي لا بمقارنة ، وغير كل شي لا بمزايلة ، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده … » (2).

وقد سلك أبناؤه الكرام البررة ، هداة الأمّة وربّانيوها ، مسلكه في الدفاع والذبّ عن الدين الإسلامي الصافي ، عقيدة وشريعة ، فجاءت خطبهم ، ومناظراتهم ، وبياناتهم ، ودروسهم ، حتّى في أحلك ظروف الحبس والجبر والقهر ، جاءت أدعيتهم مصداقاً للعقيدة الربانيّة الحقيقية ، التي لم تخضع يوماً لظالم ، ومرّت إلينا بعد تضحياتهم الجسام التي كلفتهم حياتهم شهداء من أجل دين الله تعالى بالسيف أو بالسمّ ، ومعاناتهم عبر الزمن ، ولولا أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، لما وصلنا من الدين الذي جاء به سيّدهم الأكبر صلّى الله عليه وآله شيء يعتمد عليه.

اندهشت من دقّة كلام الإمام علي عليه السلام وعمق معانيه ، ووقفت بسرعة على حقيقة تقول بأنّني غير متّجه بعقيدة محمّد بن عبد الوهاب في التوحيد الوجهة الصحيحة ، لكنّني استدركت قائلاً : ( إذاً فما معنى هذه الآيات والروايات التي اعتمد عليها ابن عبد الوهاب في كتابه ؟ ).

قال : « إنّ الابتعاد عن النبع الصافي الذي تركه رسول الله صلّى الله عليه وآله لأمته ، وهم أهل بيته عليهم السلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، قد ورث للناس ديناً وعقيدة بتراء عرجاء ، لا تنتج غير الأبتر والأعرج ، فأهل البيت عليهم السلام هم أهل الذكر الذين أشار القرآن إلى سؤالهم ، وهم الصادقون الذين أمرنا أن نكون معهم ، وهم الأبواب التي أمرنا أن نأتي منها ، وهم العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وهم حبل الله المتين الذي أمرنا بالاعتصام به ، وهم الراسخون في العلم الذين إذا سئلوا أجابوا ، ولم يقل أحد « سلوني قبل أن تفقدوني » غير علي عليه السلام بعد النبي صلّى الله عليه وآله (3) ، فوجب إرجاع المتشابه إليهم ، والرجوع إليهم في كل ما نحتاجه من دين ودنيا ، لأنّهم ثقل الكتاب ووعاته ومستحفظوه.

أما الآيات التي اعتمد عليها ابن عبد الوهّاب في بيان عقيدته الباطلة ، فهي لا تفيد ظاهراً بما رأى لأنّ كلام الله تعالى جاء محاكياً لبلاغة العرب في الاستعارات والكنايات والتشبيهات ، فعندما تقول العرب : قامت الحرب على ساق. فمعناه أنّه ليس للحرب ساق وإنّما المقصد منه اشتدت وحمي وطيسها. كذلك في قوله تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) (4) كذلك معنى اليد والذي يفيد القدرة ، والاستواء معناه التمكن والهيمنة ، وغير ذلك ممّا يجب أن يجرى في التفسير مجرى المجاز لا الحقيقة ، واعتماد الأصل في مفهوم التوحيد الذي يقول : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (5).

( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (6).

ذلك هو الخالق المتعالي عن خلقه ، واحد أحد لا يتجزأ في حقيقة ولا وهم.

هكذا أنهى ذلك الرجل الفاضل كلامه ، واضعاً إيّاي على المنهاج المحمّدي الأصيل ، في التوحيد الذي جاء به صلّى الله عليه وآله ، فكان له الفضل في إرشادي وتوجيهي إلى حيث التوحيد الخالص ، خطّ إسلام أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله ، ومدّني بكتاب « عقائد الإمامية » للشيخ المظفر تناول العقيدة الصافية ، التي شربها من معين أبي القاسم محمّد صلّى الله عليه وآله وأئمّة أهل بيته البررة عليهم السلام ، لا شائبة فيها ، ولا شبهة تعتريها ، فعلي عليه السلام ، هو باب مدينة علوم رسول الله صلّى الله عليه وآله ، منه ومن ذريّته الطاهرة عليهم السلام فاضت علوم الإسلام الحقّ على كلّ المسلمين الذين جاؤوا فنهلوا منها ، وتمسّك منهم من تمسّك بها ، وتركها من تركها على عمد ، خوفاً وفرقاً من الظالمين ، أو تعاون من تعاون من أجل محاربتهم ، فأتى بدين باطل متلبس ببعض الحقّ ، فشبّه للبسطاء فأخذوه وهم لا يدرون أنّه خليط ، ولو علموا وهنه لما اتّبعوه.

والعجب ليس في هؤلاء العامّة الذين يتعبّدون بالتبعية ، إنّما العجب من هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم موضع علمائهم وقد غرقوا في بالوعة التشبيه ، حتّى كادوا يساوون الله تعالى بمخلوقاته ، الله تعالى الذي ليس كمثله شي ، يوضع موضع المحدثات ، وينزل من علياء جبروته منزلة المخلوقين ، هكذا هي عقيدة ما يسمّى بأهل السنّة والجماعة وما حوته من أشعرية وسلفية ، فتمام الاعتقاد بالتوحيد الخالص عند هؤلاء ، الإيمان بأن الله تعالى جسم لكنّه ليس كالأجسام ، فهو جسم بلا كيف ، وله جوارح بلا كيف ، ويُرى في الآخرة مع احتمال رؤيته في المنام بلا كيف ، وينزل إلى السماء الدنيا ليلة الجمعة وليلة النصف من شعبان بلا كيف.

وقد أطنب علماء ذلك الخطّ في الدفاع عن عقيدة التجسيم والرؤية دفاع المستميت ، ضاربين في ذلك عرض الحائط بالعقل والمنطق والنصوص الصحيحة ، التي لا تعترف بتشويه عقيدة التوحيد ، وجعلها في مرتبة واحدة مع عقائد عبدة الأوثان ، بل أدهى وأمرّ ، لأنّه لو علم عبدة الأوثان حقيقة الخالق لما شبّهوه بمصنوعات أيديهم ، كما لو علم هؤلاء الذين يدّعون بهتاناً وزوراً أنّهم أصحاب التوحيد الصحيح الخالي من الشرك ، أنّ الله لا تدركه الأوهام فضلاً عن الأبصار ، ولا يستطيع أحد أنْ يحيط به علماً ، لما أقاموا على اعتقاد أنّه جسم ليس كالأجسام ، وله وجه ليس كالوجوه ، ويدان ليستا كالأيدي ، وعينان ليستا كالأعين ، إلى غير ذلك من الترّهات التي ما انزل الله بها من سلطان.

تبرير طالما ردّده أتباع خطّ التشبيه ، وهو إجراء معاني الآيات القرآنيّة على ظاهرها كما وردت عليه ، وإيكال تفسيرها إلى خالقها.

مع ما ركنوا إليه من اعتماد بعض الروايات التي نزع مضمونها إلى تشبيه غريب ، يجزم المطلع عليه أنّه مختلق ، لم يتفوّه به النبي صلّى الله عليه وآله ، لأنّه لا يتّفق مع حقيقة الذات الألهيّة المقدّسة ، التي ليست جسماً بالتأكيد حتّى تكون لها جوارح كالإنسان ، ولا هي في حيّز حتّى تحتاج إلى الحركة ، من نزول ونحوه.

وطالما أنّ الله تعالى ليس بجسم ، فهو بالضرورة لا يُرى بالعين الباصرة ، ودعوى كونه جسماً ليس كالأجسام ، عارية من البرهان والإثبات ، فإمّا أنْ يكون جسماً فيكون محلاً للحوادث ، وإذا كان محلّا للحوادث صار ممكناً ، فلا يكون خالقاً ، وإمّا لا يكون كذلك ، فيكون واجباً ليس كمثله شيء غير محتاج ولا مركّب ، وذلك هو المولى سبحانه وتعالى.

في إحدى الجُمعات ، حضرت صلاة الجمعة ، فتحدّث الخطيب عن فضيلة ليلة الجمعة ، وذكر حديث نزول الربّ تبارك وتعالى في الثلث الأخير من ليلتها منادياً سائلاً مستفسراً ، الرواية معروفة ومتسالم على صحّتها عند أتباع خطّ التشبيه والتجسيم ، لكنّني قلت في نفسي : طالما أنّ الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فأين يكون ؟ أفي السماء الأخيرة ؟ أم فوق السماوات جميعاً ؟ ولماذا ينزل طالما أنّه غير محتاج إلى النزول ، فهو الذي أخبر عن نفسه بقوله : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (7) ؟

وتذكرتُ إمام الجمعة بعد ذلك ، عندما قرأت ما شاهده الرحّالة الشهير ابن بطوطة في المسجد الأموي بدمشق ، عندما حضر خطبة جمعة ألقاها ابن تيمية ، على جموع المسلمين في ذلك العصر ، وروى حديث نزول ربه إلى السماء الدنيا ، ونزل مرقاة أو مرقاتين ، وقال : « كنزولي هذا » (8). فحمدت الله تعالى أنّ جرأة ابن تيمية على الله تعالى لم تكن عامة في جميع خطباء الجمعة ، وإلّا لكانت المصيبة أعظم على الأمّة التي أدخلت في تيه صنعه لها أناسٌ تصنّعوا العلم ، وركبوا مطيّة أنفسهم المستكبرة ، فضلّوا وأضلّوا.

وإلى جانب من أفرط في التشبيه كابن تيمية ومن نحا نحوه ، نجد شقّاً آخر من نفس الخطّ المنحرف ، أفرط هو أيضاً في التنزيه حتّى أفرد كتاباً خلُص فيه إلى أنّ الله ليس بشي تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

المدرسة التي رواة حديثها من حافظة كعب الأحبار وتابعه أبو هريرة الدوسي ، جاءت بعقيدة في التوحيد شبيهة بعقائد اليهود والنصارى التي قصر فهمها للخالق سبحانه وتعالى ، فقرنوه وشبّهوه بعباده ، لأنّ اليهود عندما قالوا عزير ابن الله ، والنصارى عندما قالوا المسيح ابن الله ، كانوا يعتقدون بالشبه بين الخالق والمخلوق ، لم يرضهم أن تخلص عقيدة المسلمين ، وتصفو عن عكر عقائدهم ، فدسّوا من بين عوامّ المسلمين دهاة أحبارهم ورهبانهم ، ادّعوا دخول الإسلام ، فأفسدوا التوحيد في عقول من اتبعهم ، وجعلوه شبيهاً بعقائدهم.

من بين تلك الروايات أستحضر رواية متناقضة في محتواها تقول : جاء حبر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله قال يا محمّد أو يا رسول الله إنّ الله عزّ وجلّ يوم القيامة يحمل السموات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ، يهزهنّ فيقول : أنا الملك. فضحك رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ، ثمّ قرأ ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (9) (10).

لست أدري الغاية التي دفعت بحبر من أحبار اليهود إلى أنْ يأتي للنبي صلّى الله عليه وآله فهل جاء مستفسراً ، أو جاء مبيّناً ، الرواية لم تحدّد ذلك ممّا يوهن متنها.

أمّا ما جاء فيها فإنّه لم يكف هؤلاء بأنْ صوروا أنّ الله تعالى له يدان ، فأضافوا إليهما الأصابع ، وهل يمكن أن تكون يد بلا أصابع ؟ وهل يمكن أن تكون هناك أصابع بدون لحم وعظام وعروق وعصب ؟ وهل يمكن أن تكون كذلك وليست لها حد ولا جهة ؟

أمّا دعوى ضحك النبي صلّى الله عليه وآله فهي عارية من الصحّة لسببين اثنين :

الأوّل : لا يسوغ لعاقل أنْ يضحك على كفر وزندقة مثل التي لاكها الحبر بلسانه وألقاها ، والنبي صلّى الله عليه وآله منزّه عن الوقوع في مثل هذه السقطات ، وتكليفه ببيان وبلاغ العقيدة والدين الحقّ عليه مدار نبوته.

الثاني : تصديق النبي صلّى الله عليه وآله لليهودي غير ثابت في الرواية ، بل إنّ الآية التي قرأها النبي صلّى الله عليه وآله تفيدُ تكذيبه ، وهي ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (11).

لم يكن من السهل عليّ أنْ أقرّ بانحراف الخطّ الذي كنت فيه ; لأنّ التزييف والتمويه الذي أُلقي إلينا عبر بوّابة الوراثة وتبعيّة السلطان ، أحكما غلق منافذ النجاة على الذين قنعوا بذلك الركام وتعبّدوا به على أساس أنّه الدين الإسلامي في أجلى مظاهره ، ولو التفت الناس إلى ما حولهم وتعرّفوا على ما يحيط بهم من نظريّات وأفكار لتبيّن العقلاء منهم مورده ، ولصحّح طريقه. وإنّني كلّما عادت بي الذكرى إلى ما كنت فيه من تيه وضلال ، واسترجعت ذلك الاعتقاد الذي لا يمت بحقيقة التوحيد الإسلامي الصافي بصلة ، حمدت الله تعالى على استنقاذي من عبادة الشبه والوهم ، وهدايتي إلى توحيد آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌ وآله ، الذي غرسوه في خُلّص أتباعهم ، وانتقل منهم إلى المؤمنين في كلّ عصر ; لذلك فإنّني أنصح من بقي بعيداً عن هذه المنن الإلهيّة والعطايا الربانيّة ، أنْ لا يتردد في بذل الجهد لمعرفة الحق ; لأنّ الجزاء الذي أعدّه المولى سبحانه وتعالى لأوليائه ليس سهلاً ، ولا يُعطى لكلّ من ادّعى الإسلام بلا بيّنة.

صراطه تعالى واضح ، ونهجه للسالكين ميسّر ، فقط طهّر قلبك ، والق من على كاهلك أوزار غيرك ، فإنّك بحول الله ستصل إلى ما وصلت إليه أنا من نعمة لا تضاهيها نعمة ، وهي موالاة الطاهرين واتّباعهم ، أئمّة الدنيا والآخرة ، فالحمد لله على كلّ حال ونعوذ به من حال أهل النار.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الزمر : ٣٨.

2- نهج البلاغة ١ : ١٦.

3- انظر : تاريخ الإسلام وفيات « ١١ ـ ٤٠ هـ » : ٦٣٨.

4- القلم : ٤٢.

5- الشورى : ١١.

6- الأنعام : ١٠٣.

7- يس : ٨٢.

8- رحلة ابن بطوطة : ١١٣.

9- الزمر : ٦٧.

10- مسند أحمد ١ : ٤٥٧ ، والرواية في صحيح البخاري ٨ : ١٧٤.

11- الزمر : ٦٧.

المصدر: كتاب نعم لقد تشيّعت.