المذهب الشیعي » أصول الدین » التوحید »

علم اللّه تعالى(1)

المبحث الأوّل: معنى العلم

العلم: صفة من شأنها كشف المعلومات انكشافاً تامّاً لا يحتمل الخطأ.

وتكون هذه الصفة لله تعالى من غير سبق خفاء.

قال الشيخ المفيد: “العالم بالشيء هو الذي يكون الشيء منكشفاً له حاضراً عنده غير غائب عنه”(1(.

تنبيه :

قال سديدالدين الحمصي: “قد حُدّ العلم بحدود [ أي: عُرِّف العلم بتعاريف ] لا تصلح، فالأولى أن لا يُحدّ [ أي: لا يعرّف ] العالم والعلم”(2).

____________

1- النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 23.

2- المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، القول في كونه عالماً، ص 38.

الصفحة 172

المبحث الثاني: أقسام العلم(1)

1 ـ العلم الحضوري

وهو عبارة عن حضور “المعلوم” عند “العالم”(2) بواقعيته ومن دون توسّط أيّ شيء.

أي: يكون الشيء معلوماً عند العالم بنفسه لا بتوسّط صورته.

نماذج من العلم الحضوري :

1 ـ علم الإنسان بذاته.

2 ـ علم الإنسان بأحاسيسه ومشاعره.

أقسام العلم الحضوري :

1 ـ أن يكون “العالِم” هو “المعلوم”، من قبيل علم الإنسان بذاته.

2- أن يكون “العالم” غير “المعلوم”، من قبيل علم الإنسان بأحاسيسه ومشاعره.

2 ـ العلم الحصولي :

وهو العلم بالشيء عن طريق صورته المنتزعة منه والحاكية عنه، ومعظم علم الإنسان من هذا القبيل، وفيه يعلم الإنسان الأشياء عن طريق انعكاس الصورة الحاصلة منها على صفحة ذهنه.

تنبيهات حول العلم الحصولي :

1 ـ الأدوات الحسيّة في الإنسان كلّها، موظّفة في خدمة هذا العلم.

____________

1- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الثانية، ص 399 ـ 400 .

2- انظر: الأسرار الخفية، العلاّمة الحلّي: الفن الثالث، المقالة السادسة، المبحث الأوّل، سرّ 121، ص 561.

الصفحة 173

2- يكون “الشيء الخارجي” في العلم الحصولي معلوماً عن طريق صورته، وتكون الصورة معلومة بذاتها.

أي: يكون الشيء معلوماً بغيره (بالصورة المطابقة له).

وتكون الصورة معلومة بنفسها بالعلم الحضوري.

3- تكون الصورة المطابقة للأشياء في العلم الحصولي هي الوسيلة الوحيدة لإدراك الخارج، ولولاها لانقطعت صلة الإنسان بالخارج.

4- العلم الحصولي في الواقع ليس بعلم حقيقة، وإنّما هو طريق إلى الواقع لمن لم يتمكّن من العلم الواقعي والعيان الحقيقي بالأشياء.

الصفحة 174

المبحث الثالث: خصائص علم الله تعالى

1 ـ علم الله تعالى غير حصولي.

دليل ذلك:

أوّلاً: إنّ العالِم بالعلم الحصولي، يحتاج في علمه إلى “صورة” الشيء الذي يريد أن يعلمه.

والله تعالى منزّه عن الاحتياج.

فلهذا لا يكون علمه تعالى من قبيل العلم الحصولي الذي يفتقر إلى “صورة الأشياء”.

ثانياً: إنّ العلم الحصولي علم جزئي، وفيه تغيب بعض أجزاء المعلوم لدى العالم، والله تعالى منزّه عن هذه الجزئية والتبعيض.

2 ـ لا يوجد أيّ تشابه بين علمنا وعلم الله تعالى أبداً.

لأنّ علمنا مهما كان بديهياً فهو علم محدود، حادث، عارض وطارىء على وجودنا.

ولكن علمه تعالى ليس كمثله شيء، وهو علم غير محدود، قديم، ذاتي ولا يشوبه أيّ نقص.

3 ـ إنّ “العلم” من صفات الله الذاتية.

قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام): “ليس بين الله وبين علمه حدّ”(1).

ولهذا:

أوّلاً: لا يصح سلب صفة العلم عنه تعالى في جميع الأحوال.

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 10، ح 16، ص 134.

الصفحة 175

دليل ذلك:

نفي العلم عن الله في أيّ حالة من الحالات يوجب المنقصة له تعالى، فلهذا لا يصح نفي صفة العلم عنه تعالى في جميع الأحوال.

ثانياً: لا يصح القول بأنّ علم الله غير ذاته، بل علمه تعالى عين ذاته.

دليل ذلك:

ألف ـ إذا كان علم الله غير ذاته، فسيكون الله عند علمه بالأشياء:

1 ـ محتاجاً إلى شيء خارج عن ذاته.

2 ـ ناقصاً بذاته ومستفيداً للكمال من غيره.

ولكنّ الله منزّه عن الاحتياج والنقص.

فلهذا يقتضى تنزيهه القول بأنّ علمه عين ذاته.

ب ـ إذا قلنا بأنّ العلم غير الله، ثمّ قلنا لم يزل الله عالماً، أثبتنا معه شيئاً قديماً لم يزل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(1).

ولهذا قيل للإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): إنّ قوماً يقولون: إنّه عزّ وجلّ لم يزل عالماً بعلم …

فقال(عليه السلام): “من قال ذلك، ودان به، فقد اتّخذ مع الله آلهة أخرى…”.

ثم قال(عليه السلام): “لم يزل الله عزّ وجلّ عليماً… لذاته”.(2)(3)

ثالثاً: علم الله تعالى لا حدّ له ولا نهاية.

دليل ذلك:

____________

1- المصدر السابق: باب 10، ص 131.

2- المصدر السابق: باب 11، ح 3، ص 135.

3- تنبيه: قال تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) [النساء: 166]

لا يصح القول بأنّ هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى عالم بعلم; لأنّ “أنزله بعلمه” تعني: أنزله وهو عالم به، ولو كان المقصود من العلم ذاتاً أخرى لوجب أن يكون العلم آلة في الإنزال، كما يقال: “كتبت بالقلم”، ولكن العلم ليس آله.

الصفحة 176

الذات الإلهية لا حدّ لها ولا نهاية، وعلم الله عين ذاته.

ولهذا قال الإمام الصادق(عليه السلام) لأحد أصحابه: “لا تقل ذلك [ أي: لا تقل الحمد لله منتهى علمه ]، فإنّه ليس لعلمه [ تعالى ] منتهى”(1).

رابعاً: علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل.

دليل ذلك:

علم الله عين ذاته، ويلزم التغيير والتبدّل فيه التغيير والتبدّل في ذات الله تعالى، وهذا محال، لأنّه تعالى ليس محلاًّ للتغيّرات والتبدلاّت، وإنّما التغيير والتبدّل يكون في “المعلومات” لا في “العلم”.

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 10، ح 1، ص 130.

الصفحة 177

المبحث الرابع: كيفية علم الله تعالى

لا يصح السؤال أو البحث عن كيفية علم الله تعالى.

دليل ذلك:

ورد في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) النهي عن الكلام أو البحث عن كيفية ذات الله، وبما أنّ العلم الإلهي من صفات الله الذاتية، فلهذا لا يصح الكلام أو البحث عن كيفيته.

قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام):

“لا يوصف العلم من الله بكيف”(1).

وما يجب علينا معرفته أنّه تعالى “عالم” بمعنى أنّه لا يجهل شيئاً. ولهذا ورد في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “إنّما سُمّي [ الله تعالى ] عليماً; لأنّه لا يجهل شيئاً من الأشياء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء”(2).

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “إنّما سُمّي الله عالماً; لأنّه لا يجهل شيئاً”(3).

قال الإمام محمّد بن علي الجواد(عليه السلام): “قولك [ عن الله ]: عالم، إنّما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه”(4).

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 10، ح 16، ص 134.

2- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، ب 5، ص 194.

3- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 29، ح2 ، ص183. الكافي، الشيخ الكليني: ج1 باب آخر وهو من الباب الأوّل، ح2، ص121.

4- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 29، ح7، ص 188.

الصفحة 178

الصفحة 179

المبحث الخامس: أقسام علم الله تعالى

ينقسم علم الله بحسب متعلَّق العلم إلى عدّة أقسام، منها:

1 ـ علم الله الذاتي.

2 ـ علم الله بذاته.

3 ـ علم الله بالأشياء قبل إيجادها.

4 ـ علم الله بالأشياء بعد إيجادها.

وسنبيّن هذه الأقسام في المباحث القادمة.

الصفحة 180

المبحث السادس: علم الله الذاتي

علم الله الذاتي: هو العلم الذي يبتدع الله سبحانه وتعالى به الخلائق.

وقد أشار الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) إلى هذا العلم بقوله:

“سبحان من خلق الخلق بقدرته، وأتقن ما خلق بحكمته، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه”(1).

أدلة اتّصافه تعالى بالعلم الذاتي :

الدليل الأوّل(2):

فعل الله الأفعال المحكمة المتقنة.

وكلّ من فعل ذلك كان عالماً(3).

فلهذا نستنتج بأنّ الله تعالى عالم(4).

____________

1- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 4، باب 2، ح 20، ص 85 .

2- انظر: النكتب الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 23.

تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثاني، ص 277. المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثاني، ص 44. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث الثاني، ص 85 . كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثاني: الصفات الثبوتية، العلم، ص 167.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الثانية، ص 397، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، البحث الخامس، ص 164. إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، الدليل على أنّه تعالى عالم، ص 194.

3- أي: لا يتأتّى ذلك إلاّ من عالم.

وإنّ غير العالم يستحيل منه وقوع الفعل المتقن مرّة بعد أخرى.

انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الثانية، ص 397.

4- إنّ هذا الدليل يثبت فقط اتّصاف الله تعالى بالعلم، وأمّا السبيل لمعرفة سعة علم الله تعالى فهو يتطلّب بيان أدلة أخرى سنذكرها في المباحث القادمة.

الصفحة 181

تنبيهات :

1- المقصود من الفعل المحكم والمتقن صدوره مرّة بعد أخرى، لا صدوره مرّة واحدة ولهذا لا يصح الإشكال بأنّ الفعل المحكم والمتقن لا يدل على علم الفاعل; لأنّ النائم والساهي والجاهل قد تصدر منه بعض الأفعال المحكمة والمتقنة وهو غير عالم بها.

دليل عدم صحة هذا الإشكال :

صدور الفعل المحكم والمتقن مرّة واحدة أو مرّتين قد لا يدل على علم الفاعل، ولكن صدور هذا الفعل مرّة بعد أخرى يدل بالضرورة على علم الفاعل، وذلك لاستحالة وقوع الفعل المحكم والمتقن مرّة بعد أخرى من غير العالم(1).

2 ـ الفعل المحكم والمتقن هو المطابق للمنافع المقصودة منه(2).

وبما أنّ المقصود من هذا العالم هو اختبار الإنسان، فلهذا تكون الشرور والآلام والآفات من الأفعال المحكمة والمتقنة; لأنّها الوسيلة المطلوبة لهذا الاختبار، وهي الأداة اللازمة لمعرفة مدى صبر وتحمّل الإنسان.

3- إنّ الله تعالى هو الذي يدبّر الحيوانات، وهو الذي يهديها إلى القيام ببعض الأفعال المحكمة والمتقنة.

ولهذا فإنّ قيام هذه الكائنات الحيّة ببعض الأفعال المحكمة مع عدم امتلاكها للعلم لا يعني صحّة صدور الفعل المحكم والمتقن من الجهة غير العالمة.

الدليل الثاني:

“إنّه [ تعالى ] مختار، وكلّ مختار عالم… لأنّ فعل المختار تابع لقصده، ويستحيل قصد شيء من دون العلم به”(3).

____________

1- انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الثاني، علمه تعالى، ص 52. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث الثاني، ص 85 .

2-انظر: تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثاني، ص 277.

3- النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، مقداد السيوري: الفصل الثاني، الصفة الثانية، ص 35.

الصفحة 182

الدليل الثالث:

العلم صفة من صفات الكمال، ووجوده عند المخلوقات دليل على وجوده عند الخالق بأكمل مراتبه وأظهر مصاديقه.

الدليل الرابع:

الجهل نقص، والله منزّه عن جميع أنواع النقص.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون